النفط الليبي «النعمة» التي أثارت الأطماع وأطالت أمد الإقتتال الأهلي

ورثت ليبيا عن الإمبراطورية العثمانية وعن المستعمرين الغربيين الذين انقضوا على تركة «الرجل المريض» مساحات شاسعة مقارنة ببعض جيرانها بلغت 1.76 مليون كيلومتر مربع. وتعد ليبيا رابع أكبر دولة في افريقيا من حيث المساحة، وتأتي في المرتبة 16 عالميا. وتتوفر في هذه الأراضي المترامية ثروات هائلة من المحروقات احتلت بها المرتبة التاسعة من بين عشر دول لديها أكبر الإحتياطيات في العالم، وهو ما جعلها واحدة من الأغنى، وساهم في ذلك أيضا العدد المحدود من السكان الذي لا يتجاوز الستة ملايين موزعين على ثلاثة أقاليم وهي طرابلس وبرقة وفزان.
وفي حين يعتبر البعض هذه الثروات الطاقية نعمة، ساهمت في استقرار موطن الإمبراطور الروماني سبتيموس سويروس لأكثر من ستة عقود رغم أنه بلد لا موارد له خارج إطار النفط، وباعتبار هذه الثروة ستساهم لاحقا في إعادة إعمار ليبيا بعد إنتهاء الحرب إن عاجلا أم آجلا، اعتبرها البعض الآخر نقمة، لكونها جعلت الشعب يتكل عليها طيلة هذه العقود ولا يسعى إلى تطوير موارده بالبحث عن سواها. كما أنها (أي الثروات النفطية) هي سبب حالة البؤس التي يعيشها الشعب الليبي اليوم لأنها أثارت أطماع «كبار العالم» والفاعلين الإقليميين الذين هبوا لتأجيج الصراعات ضمانا لحصصهم في هذه الكعكة النفطية.

حقول منتشرة

وتنتج ليبيا 1.65 مليون برميل يوميا في سنة 2010 أي السنة التي سبقت سقوط القذافي، والتي تعتبر مرجعية في انتظار استقرار الأوضاع، ويتوقع أن يستمر إحتياطيها لثمانية عقود أخرى إذا استمر الإنتاج بتلك الوتيرة ولم تحصل إكتشافات أخرى. وتعتبر كلفة الإستخراج للنفط الليبي من بين الأزهد في العالم، كما أن التصدير غير مكلف باعتبار القرب الجغرافي من القارة العجوز المتاخمة لسواحل افريقيا الشمالية. وتتركز أغلب حقول النفط الليبية أساسا في خليج سرت والمناطق القريبة منه وأيضا هناك حقول غرب البلاد في إقليمي طرابلس وفزان، ومن أهمها، حقل السرير وحقول الواحة وشرارة والفيل وغيرها، وتستغل جميعها شركات أجنبية.
ويشار إلى أن ليبيا دخلت في خلاف مع تونس حول الإحتياطي النفطي المتواجد في الجرف القاري في المنطقة البحرية الواقعة بين البلدين قرب خليج قابس التونسي وذلك منذ استقلال تونس أواسط خمسينيات القرن العشرين. حيث دخل الليبيون زمن الملك إدريس السنوسي في مفاوضات مع نظام بورقيبة حول هذا الجزء من اليابسة التابع للصفيحة الافريقية والممتد في أعماق البحر، دون أن تؤدي هذه المفاوضات إلى نتيجة، خاصة بعد ان عارض الجانب التونسي السيادة الليبية على حقول عطشان وتسكين ونقض الإتفاق التركي الفرنسي في رسم الحدود لسنة 1910 ومنح رخصا للتنقيب عن النفط لشركات أجنبية سنة 1966 في مناطق منــح الليبيون لاحقا رخصا للتنقيب فيها لشركات أخرى.
وبعد انقلاب القذافي على الملك إدريس السنوسي رأى حاكم طرابلس الجديد أن يتم استغلال الجرف القاري بصورة مشتركة في إطار وحدة بين البلدين، لكن الطرف التونسي رفض ذلك على مدى سنوات. وفي النهاية تم اللجوء إلى محكمة لاهاي سنة 1978 لتصدر حكمها الحاسم في 24 شباط/فبراير 1982 لفائدة النظرية الليبية، واستهجن التونسيون هذا الحكم واعتبروه غير عادل، واتهموا بعضهم بالتقصير، واتهمت أطراف تونسية أخرى ليبية بشراء الذمم. وباتت لليبيا نتيجة لهذا القرار التحكيمي ثروات نفطية بحرية إضافية تضاف إلى مخزونها الهائل.

تأميم النفط

وضعت الدولة الليبية يدها على الصناعة النفطية منذ سنة 1969 أي منذ صعود القذافي إلى الحكم في ما يعرف بـ«ثورة الفاتح من سبتمبر» وبحلول عام 1973 كان القطاع قد تم تأميمه بالكامل. واستفاد النظام الليبي الجديد من خلال شركة النفط الوطنية من العائدات المالية الضخمة للنفط والغاز وهو ما جعله يطمح للعب أدوار إقليمية ودولية أزعجت القوى الكبرى في العالم، خاصة فيما يتعلق بتمويل حركات التمرد والإنفصال في بلدان أوروبية مثل إسبانيا وبريطانيا.
لكن هذا القطاع تضرر كثيرا مع الحصار الذي فرض على ليبيا بعد أزمة تفجير الطائرة الأمريكية فوق لوكربي الإسكتلندية، هذا الحصار الذي دام سنوات وتزامن مع العشرية السوداء التي كانت تعيشها الجزائر وأدخل المنطقة برمتها في وضع غير طبيعي. فعجزت الدولة الليبية نتيجة لذلك عن صيانة منشآتها النفطية والحصول على قطع الغيار اللازمة للمحافظة على نسق إنتاج معتبر.
وبعد انتهاء الحصار بتقديم المتهمين الليبيين في القضية، الأمين خليفة فحيمة وعبد الباسط المقرحي، إلى القضاء الدولي، توجه القذافي بقوة صوب الإنفتاح على الشركات الغربية، وهو الأمر الذي كان يعارضه في السابق. وقدمت في هذا الإطار التسهيلات والضمانات لهذه الشركات العابرة للقارات ومنها أمريكية. حتى أن البعض تحدث عن مبالغة في إكرام الوفادة قطعت مع النفس الثوري التأميمي الذي دأب عليه النظام الليبي في السنوات الأولى من سيطرته على الحكم.

سيطرة الميليشيات

وبعد الإطاحة بنظام القذافي سنة 2011 وهو الأمر الذي تم بمساعدة قوى دولية كبرى لا تخفي طمعها في الثروة النفطية الليبية، آلت السيطرة على المنشآت النفطية إلى ميليشيات مسلحة ترتبط بهذه القوى الدولية وحتى الإسلامية والتي بدت أطماعها جلية في النفط الليبي. كما ان هذه الميليشيات باتت تقتات وتنفق على تسلحها وعلى أجور عناصرها من ريع هذه الثروة المهدورة.
و»سطع نجم» إبراهيم الجظران وبرز إلى الوجود باعتباره حامي المنشآت النفطية بدعم من طرابلس لكنه سرعان ما تحول إلى عبء على الجميع خصوصا عندما ناصر دعاة الفدرالية في الشرق وأراد الإستئثار بجانب من مداخيل النفط. وفي النهاية ونتيجة لحساباته الخاطئة لم يجد نصيرا واضطر إلى تسليم منشآته إلى حفتر دون قتال بعد أن تخلى عنه الجميع ورغبوا في إزاحته.
وبات حفتر يسيطر أو يكاد على صناعة النفط في ليبيا وهو ما يمثل عامل قوة له يدعم تواجده في الميدان ويجعل اللاعبين الإقليميين يراهنون عليه أكثر في مقبل الأشهر التي تبدو حاسمة في الملف الليبي. لكنه يصطدم برفض من أطراف إقليمية يبدو أنها لن تسمح له بالإقتراب من حدودها باعتبار علاقاته الوطيدة مع مصر التي لا يرغب بعض المغاربيين في أن يطالهم نفوذها ويتاخم حدودهم.

تعويضات بالجملة

ويرى جل الخبراء والمحللين أن ما يعني القوى الغربية في ليبيا في الأساس هو ضمان تدفق النفط استخراجا وتصديرا وبالكميات التي تريدها وأن العملية السياسية والإستقرار الأمني يأتي في المقام الثاني ما دام لا يؤثر على عملية الإستحواذ على النفط. أن كثيرا من الشركات الغربية المستثمرة في القطاع النفطي الليبي لديها برامج لتطوير الحقول للسنوات المقبلة من أجل مزيد التحكم في سوق النفط العالمية من قبل بلدانها المتواجدة استخباراتيا على الميدان وتسعى لتأمين مصالحها في عملية إقتسام الكعكة.
وفي كل الأحوال لن تتواصل الحرب الأهلية في ليبيا إلى أبد الآبدين، فالأطراف الخارجية المحركة لها ستوقفها عندما يتراءى لها أن الوقت قد حان، أي بعد خراب ليبيا بالكامل ودمارها الذي شارف على الإنتهاء. وسيخرج الفرقاء الليبيون ليتحدثوا عن توصلهم إلى اتفاق يحقنون بموجبه الدماء وبأنهم اقتنعوا بعبثية الحرب التي لا طائل من ورائها وأن حب الوطن أملى عليهم التضحية من أجله، وما إلى ذلك من كليشيهات نهايات الحروب الأهلية التي حفظها المراقبون عن ظهر قلب، وكأن أمراء الحروب الأهلية هم أصحاب القرار ومن بيدهم مفاتيح الحل.
وسيلعب النفط الليبي دورا بارزا في عملية إعادة الإعمار، حيث سيذهب ريعه إلى جيوب الشركات الأجنبية التي ستتكالب وتتهافت على أرض عمر المختار رغبة في الربح. وفي النهاية لن ينعم الليبيون بنفطهم لأن بانتظارهم فاتورة باهظة عليهم دفعها تتضمن إلى جانب إعادة الإعمار، مصاريف الإطاحة بالقذافي، ومصاريف الحرب على الإرهاب ومساعدة الليبيين في التخــلــص من الجماعات التكفيرية. إضافة إلى ذلك هنـــاك ما تم إنفاقه في الحوار الوطني من أجور للوسطاء الأمميين على «جهودهم الجبارة» المبذولة ولغيرهم من المتدخلين مع مصاريف تنقلاتهم وإقاماتهم واتصـــالاتهم وغيرها. كما أن الدول التي استضافت على أرضها جلسات الحوار ستنال التعويضات اللازمة وقد تكون نالت وبسخاء وسيسعد الجميع إلا الشعب الليبي.

الفوضى الخلاقة

وأغلب الظن أن المناطق التي كانت ضحية للحرمان من التنمية، في الشرق والجنوب، لن تحظى بحصتها من الثروة البترولية، وهو ما قد يدفعها إلى التوجه أكثر نحو الفدرالية التي تمكنها من التحكم بنصيب من الثروة. ويخشى في هذه الحالة أن يؤدي هذا النظام إلى التقسيم في نهاية المطاف بعد أن تنضج المؤسسات الفدرالية مع الوقت وتصبح قادرة على إدارة شؤونها دون الحاجة إلى التواصل مع المركز في عاصمة البلاد طرابلس.
فأمام الليبيين خياران لا ثالث لهما، إما التسليم بما حيك ضد وطنهم والإنخراط في ما «ستخلقه الفوضى» من أوضاع جديدة، أو التصدي لمشروع «الفوضى الخلاقة» من الأساس بمزيد الوحدة والتلاحم والمصالحة فيما بينهم للتخفيف من وطأة هذا المشروع الذي تسنده قوى كبرى لا قبل للمنطقة بها. ويبدو النفط أهم الورقات المتاحة أمام المفاوض الليبي الذي عليه أن يحسن إدارة الحوار في المرحلة المقبلة، شريطة أن تتشكل جبهة وطنية قوية تضم كل الأطراف ودون إقصاء لأي كان تذهب للحديث بإسم كل الليبيين ويشعر الكل أنهم ممثلون فيها وذلك لتجنب هنات ما حصل في الصخيرات حين أقصيت أطراف هامة وفاعلة عن المشاركة في صياغة مستقبل بلادها.

النفط الليبي «النعمة» التي أثارت الأطماع وأطالت أمد الإقتتال الأهلي

ماجد البرهومي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية