منذ سنوات خمس والشمال الافريقي منشغل بليبيا التي أرقت المضاجع، وذلك بالمقارنة مع حالة الاستقرار الهش الذي عرفته جارتا ليبيا أي تونس ومصر، اللتين انخرطتا مثل طرابلس في المشروع الربيعي. فرغم ما يمكن أن يطال المسار السياسي المصري من انتقادات، إلا أن بلاد النيل لم تعرف حربا أهلية مدمرة كالتي تشهدها ليبيا، ناهيك عن تونس التي تحقق نجاحات سياسية معتبرة رغم أزمتها الاقتصادية.
لقد تحولت ليبيا إلى كابوس حقيقي لدول جوارها، بعد أن كانت فيما مضى متنفسا لشعوب هذه الدول يقيها شر البطالة والفقر. وباتت لدى الرأي العام في بلدان تونس ومصر والجزائر قناعة راسخة بأنه لا استقرار في المنطقة المغاربية وفي شمال افريقيا عموما ما لم يتم إيجاد حل للأزمة الليبية. أما باقي دول جوار ليبيا فمنها من تعصب للانتماء الايديولوجي والفكري والعقائدي وانتصر لأحد الفرقاء وزاد من تأجيج الأوضاع، ومنها من هو مجرد أداة طيعة لفرنسا التي تحركه وفقا لمصالحها وأهوائها في ربوع القارة السمراء على غرار تشاد إدريس دبي.
ويلعب النفط دورا بارزا في تأجيج الصراع وإطالة أمد المعركة، فهو مثار الأطماع داخليا وخارجيا والكل يلهث للهيمنة عليه أو لنيل أوفر نصيب عند تقسيم الكعكة. فالنفط على غرار نيل مصر هو سبب وجود ليبيا ولولاه لما كانت ليبيا، وبالتالي فإن مقولة هيرودوت بخصوص مصر تنطبق على ليبيا ونفطها ويمكن التأكيد في هذا الإطار على أن «ليبيا هي هبة النفط».
لذلك يسعى كل طرف داخلي بالتعاون مع طرف إقليمي أو دولي لوضع يده على المنشآت النفطية، ولذلك أيضا تسعى الجماعات التكفيرية إلى نيل نصيبها من هذه الثروة لتمول أنشطتها التدميرية. وبعد انهيار القذافي سيطرت جماعة طرابلس على هذا القطاع من خلال جماعة إبراهيم الجظران الذي سرعان ما انقلب على أولياء نعمته ليجد نفسه في النهاية وقد أجبر على التسليم لحفتر الذي وضع يده على ما كان الجظران وجماعته مكلفين بحمايته، وقد يكون ذلك بالإتفاق مع قوى كبرى، أطلسية تحديدا، تستفيد من استمرار الحرب في ليبيا، فتدعم باستمرار طرفا على حساب طرف آخر وفقا لمصالحها. ولعل ما يدعم هذا الرأي هو اللقاءات المتكررة التي جمعت المبعوث الأممي مارتن كوبلر بمن كانوا مكلفين بحماية المنشآت النفطية قبيل تسليمهم لها لحفتر والاتهامات التي طالت كوبلر بحشر أنفه في ما لا يعنيه.
ويجمع جل الخبراء والمحللين على أن اتفاق الصخيرات لم يعد له أي أثر خصوصا بعد الذي حصل في طرابلس من استهداف للسراج، بل أن هذا الاتفاق ولد ميتا من الأساس حاملا لأسباب فشله التي من بينها عدم اشراك كل الأطياف الليبية في المشروع. فعدد هام ممن حضروا للتفاوض أو التوقيع لا يمثلون في بعض الأحيان إلا أنفسهم وليس لهم امتداد شعبي في صفوف غالبية الشعب الليبي التي يسميها البعض «الأغلبية الصامتة» والتي لم تتخندق بعد مع هذا الطرف أو ذاك.
وتبدو مواصلة الاعتماد على فائز السراج وجماعته ضربا من العبث من قبل المجتمع الدولي، فالرجل لا يتعدى نفوذه القاعدة البحرية التي يحتمي بها، بل حتى أنه لا نفوذ له على هذه القاعدة الخاضعة بالكامل لحماته. وبالتالي فإن العودة سريعا إلى طاولة المفاوضات مع الاعتبار من أخطاء الماضي تبدو أمرا حتميا.
وبما أن الصراع داخلي تغذيه أطراف خارجية وجب أن يكون رعاة الحوار ممثلين للداخل والخارج معا. فالأمم المتحدة التي تبدو في هذا الصراع خادمة للقوى الكبرى مطالبة بالإستعانة بالقبائل الليبية في عملية إدارة الحوار لما لهذه القبائل من نفوذ روحي ومعنوي، وأحيانا مادي، على عموم الشعب الليبي وحتى على الفرقاء المتصارعين، خاصة وأن هذه القبائل تتنظم وتجتمع وتؤسس لكتلة قوية قادرة على الدفع باتجاه الحل.
كما أن الحل دون اشراك من لم يتورطوا في فساد أو انتهاكات من أبناء النظام السابق يبدو أيضا ضربا من العبث، خاصة وأن جماعة فبراير (الثوريون) تورطوا بدورهم في انتهاكات وجرائم طيلة السنوات الخمس الماضية التي سيطروا فيها على ليبيا بعد الاطاحة بالقذافي. ويطرح بالتالي السؤال الذي يتداول في كثير من بلدان ما يسمى الربيع العربي «من سيحاسب من؟» وقد سار الخلف على درب السلف في الظلم والجور والفساد وانتهاك الحرمات.
فالتجربة العراقية التي أقصت كل من عمل مع نظام صدام حسين دون تمحيص، وسحقت كفاءات الدولة العراقية بتعلة الانتماء إلى حزب البعث الذي أصر الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر ومن وراءه ومن يأتمرون بأوامره على اجتثاثه، يجب أن تبقى ماثلة في الأذهان لدى من يرومون إنقاذ أوطانهم حتى لا يتم تكرارها. فالاقصاء لأي طرف كان كما حصل في مصر أيضا للإخوان المسلمين لن ينتج عنه إلا العنف وعدم الإستقرار لأن الوطن في النهاية للجميع ويمكنه أن يسع الجميع.
وتبقى للعدالة الإنتقالية وحدها مهمة محاسبة المذنبين من رموز الأنظمة السابقة وأتباعهم دون المسارعة إلى عرضهم على قضاء وطني غير مستقل يسارع في دوره إلى نصب المشانق من خلال محاكمات سياسية بالأساس تهضم حق الدفاع للمشتبه فيهم والمتهمين.
فالأحكام القضائية السياسية المتسرعة المستجيبة للحناجر الثورية الملتهبة وللإملاءات الخارجية عادة ما تزرع الأحقاد بين أبناء الوطن الواحد وتدفع قدما بمعاول الهدم لتسحق الأوطان ولذلك أقرت العدالة الانتقالية كسبيل للتخلص من الأعباء الثقيلة التي خلفتها الأنظمة الاستبدادية.
ففي العدالة الانتقالية ما يشفي غليل الضحية بعد محاسبة المذنبين واعتذارهم على ما اقترفوه، وما يمكن الجلاد من فرصة جديدة لإعادة الاندماج والمساهمة مجددا في بناء الوطن من خلال آلية المصالحة، وما يجعل المجتمع متفائلا بمستقبل أفضل من خلال آلية تطهير أجهزة الدولة وإعادة بنائها. وفي هذا الإتجاه تحديدا كان يجب على ليبيا أن تسير منذ البداية وتتبع خطوات بلدان كجنوب افريقيا حققت نجاحات في ميادين عديدة بعد أن غلبت مصلحة الوطن على المصالح الشخصية وعلى رغبات الإنتقام والتشفي وإراقة الدماء.
ولعل ما يبعث على الأسف والأسى في الحالة الليبية أن كل المؤشرات تنبئ بأن الحل ما زال بعيدا في الوقت الراهن. فالقوى الكبرى ما زالت بانتظار لحظة الدمار الشامل لتدفع بشركاتها الكبرى إلى أخذ نصيبها في إعادة الإعمار. والمسيطرون على طرابلس مصرون على عدم الإعتراف بنتائج الانتخابات التي أفرزت برلمانا شرعيا باعتبار أن نتائجها لم ترق لهم، وحفتر مصر على خدمة أجندات أبعد ما تكون عن المصلحة الليبية، والاستعداد للمصالحة مع النظام السابق ما زال حديث الكواليس ولم يخرج بعد إلى العلن، والقبائل الليبية ما زال تنظيمها بصدد التشكل ويحتاج إلى بعض الوقت لتتوضح معالمه ويصبح قادرا على الفعل والحل السياسي.
ولعل أخشى ما يخشاه الليبيون وأصدقاؤهم الفعليون هو الذهاب نحو التقسيم والتفتيت لشعب لا يتعدى سكانه الملايين الستة رغم المساحات الشاسعة التي ينتشر فيها، فنشهد ميلاد ثلاث دول بحسب الأقاليم المشكلة للكيان الليبي وهي طرابلس وبرقة وفزان. وقد يؤدي هذا التقسيم إلى حروب ونزاعات حدودية وأخرى حول حقول النفط وستبقى ليبيا على الدوام، ما لم يتحرك الغيورون من أبنائها، معضلة المنطقة التي تملأ الدنيا وتشغل الناس على غرار ما قيل في المتنبي.
جمال المبروك