ليبيا… بعد صفقات السلاح: روسيا والغرب يتنافسان على صفقات إعادة الإعمار

حجم الخط
1

تتقدمُ ليبيا نحو المجهول مع اقتراب ميقات نهاية مفعول الاتفاق السياسي المُوقع بين فرقاء الصراع في مدينة الصخيرات المغربية في 17 كانون الأول (ديسمبر) السنة الماضية. وزادت الأزمة تعقيدا باستيلاء إحدى الحكومات الثلاث، وهي التي يقودها خليفة الغويل المُقرب من التيارات الأصولية، على العاصمة طرابلس، بما فيها المباني التي كانت تشغلها حكومة الوفاق الوطني المُنبثقة من اتفاق الصخيرات، والمعترف بها دوليا. أما «الحكومة المؤقتة» المُنبثقة من انتخابات 2014 برئاسة عبد الله الثني فاتخذت من مدينة شحات (شرق) مقرا مؤقتا لها، فيما استقر البرلمان الذي يدعمها في مدينة طبرق، بالرغم من أن المحكمة العليا، التي توجد في طرابلس، قد أعلنت حلهُ. وإذا ما استمر جمود الموقف السياسي فإن اتفاق الصخيرات سيُصبح لاغيا، أو «كادوك»، ما يؤدي إلى نفق لا يمكن التكهن بنهايته.
نظريا طلب البرلمان من رئيس حكومة الوفاق فائز السراج تقديم تشكيلة حكومية جديدة بعدما رفض التشكيلة السابقة. لكن لا أعضاء البرلمان ولا حكومة الوفاق يملكان أوراق اللعبة اليوم، إذا باتت تتقاذفها الأيادي الدولية والاقليمية المؤثرة في المشهد الليبي المتشظي. ويمكن القول إن تلك الأطراف الدولية والاقليمية استثمرت الصراع المسلح المُندلع في 2014 بين ميليشيات مصراتة المُؤتلفة في «فجر ليبيا» وما تبقى من الجيش النظامي بقيادة الجنرال المُثير للجدل خليفة حفتر، لكي تضمن لنفسها موطئ قدم في بلد غني بالموارد الطبيعية وقليل السكان. ويعزو بعض المحللين الاختلاف القائم بين التجربة التونسية ما بعد الثورة، التي طغى عليها طابع الصراع السلمي، والتجربة الليبية المُتسمة بالتطاحُن العنيف بين أبناء البلد الواحد، إلى ضخامة المُراهنات الخارجية على ثروة ليبيا، التي تملك أكبر احتياط من النفط في أفريقيا، فضلا عن كثير من الثروات الأخرى. وفي هذا السياق بات ظاهرا للعيان السباق الروسي الأوروبي على لعب دور مؤثر في تشكيل صورة ليبيا الغد، إذ وضعت موسكو ثقلها في كفة حفتر، بالتنسيق مع مصر، على أمل استعادة بعض من المكانة التي كانت تحظى بها على أيام معمر القذافي، خاصة أنها كانت المُزود الأول للنظام السابق بالأسلحة والذخيرة. ويتسق هذا التركيز على المنطقة الشرقية، حيث غالبية حقول النفط، مع سياستها الهجومية في سوريا، سعيا لإفشال المحاولات الغربية لإبعادها من مياه المتوسط الدافئة. وتقف كل من فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة في وجه المطامع الروسية، لكنها منقسمة على نفسها حول ليبيا، حتى أن الخصومات الإيطالية الفرنسية باتت تطغى أحيانا على الاجتماعات التنسيقية الأوروبية. وحصلت إيطاليا على أيام رئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلوسكوني على امتيازات خاصة في قطاعي النفط والغاز الليبيين، بموجب اتفاقات وقعت عليها ليبيا مع مجموعات إيطالية، وهي تستورد حاليا 17 في المئة من حاجاتها النفطية و23 في المئة من حاجاتها الغازية من ليبيا، فيما تسعى فرنسا التي قادت الحملة الأطلسية على النظام السابق، إلى تحصيل ميزات مماثلة لمجموعة «توتال»، فضلا عن استعادة نفوذها في منطقة فزان (جنوب) التي وضعتها الأمم المتحدة تحت الإدارة الفرنسية بُعيد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية. ومن مظاهر التباعد بين باريس وروما في الملف الليبي أن قاذفات فرنسية تُعزز قوات حفتر، إلى جانب عدد غير معروف من الضباط اعترفت باريس بمقتل ثلاثة منهم فقط، بينما أقام الطليان مستشفى عسكريا في مصراتة لعلاج عناصر الميليشيات الأصولية، غريمة حفتر، المشاركة في عملية «البنيان المرصوص» من أجل تحرير مدينة سرت من تنظيم «الدولة». وتحرس المستشفى بضع مئات من العسكريين الايطاليين.  
قصارى القول إن القوى الدولية التي استفادت كثيرا من صفقات بيع السلاح للأطراف الليبية المتقاتلة، تستعد اليوم بعد تدمير كثير من المدن والمنشآت والبنى الحيوية، لأخذ حصتها من صفقات إعادة الإعمار. ورأى بعض المحللين أن هذا العنصر يشحذ الضغوط الدولية الدافعة في اتجاه الحل السياسي. غير أن تشظي المشهد الليبي الذي كان مُقتصرا على غريمين أساسيين تقريبا، هما «فجر ليبيا» في الغرب و«عملية الكرامة» في الشرق، خلط الأوراق وجعل من الصعب جمع الفرقاء مُجددا حول مائدة واحدة أسوة بمسار الصخيرات. وما زاد المشهد تعقيدا أن الجنوب خارجٌ عن سيطرة الحكومات جميعا، وهو مرتعٌ لعصابات التهريب والإرهاب المُتنقلة بحرية كاملة بين شمال نيجيريا ومالي غربا والسودان شرقا. وعلى الرغم من وجود قطاعات محدودة من الجيش الليبي في سبها وبعض المدن الجنوبية الأخرى، فإنها لا تُحرك ساكنا أمام الميليشيات المسيطرة على الوضع هناك بالكامل. ويعتبر الليبيون أن   الجنوب مُحتل من عصابات تشادية ونيجرية وأغراب آخرين استحوذوا على الأراضي وباشروا زراعتها وإسكان قبائلهم فيها. ولعب ضعف الحكومات المتعاقبة وفساد كثير من أعضائها دورا كبيرا في جعلها غافلة عما يجري في الجنوب، إذ ارتفع عدد أعضاء وكلاء الوزارات في الحكومات الليبية بعد الثورة إلى 125 وكيلا في الحكومة الواحدة، مع جميع الامتيازات العائدة لهم، أي أكثر من عدد الوكلاء في حكومات ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا مُجتمعة. ويمكن أن نضرب مثلا آخر بالأموال المهدورة في تغطية نفقات علاج الجرحى في الخارج، إذ بلغت تلك النفقات 9 مليارات دولار تم تحويلها إلى 41 بعثة دبلوماسية عبر العالم. ومع ذلك ما زال حجم الديون المُتخلدة بذمة ليبيا لدى المؤسسات الإستشفائية الأجنبية يُقدر بـ130 مليون دولار. كما يُعاني الاقتصاد الليبي من ازدواج الرواتب وتثليثها وتربيعها، إذ يتقاضى الموظفون العموميون في المتوسط أربعة أو خمسة رواتب من جهات مختلفة. وليس نادرا أن يرتفع العدد إلى عشرة أو أكثر. غير أن اعتماد الرقم الوطني منذ السنة الأولى للثورة كان يمكن أن يضع حدا لهذا «الفساد الديمقراطي» ويحفظ المال العام من الهدر السريع.
وتزامن تبديد الثروة في هذه الأوجه المختلفة مع تفاقم عجز الموازنة ليرتفع من 43 في المئة سنة 2014 إلى 75 في المئة في السنة الماضية. ولجأت الحكومات إلى السحب من الاحتياط، خصوصا بعد تراجع عائدات النفط في أعقاب غلق الموانئ النفطية العام الماضي، إذ تراجع المنتوج الليبي من 1.6 مليون برميل في اليوم سنة 2010 إلى أقل من 300 ألف برميل في اليوم في السنة الماضية. وقدر مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط حجم الخسائر التي تكبدها بلدُه نتيجة غلق الموانئ وتراجع الصادرات من المحروقات، منذ 2013، بما يزيد عن 100 مليار دولار.
ما المخرج من هذا الزقاق القاتم؟ ليس هناك بُدٌ من حل سياسي توافقي، فالخيار العسكري مُكلفٌ للجميع، فضلا عن كونه غير ممكن بسبب توازن نسبي للقوى المتصارعة. كما أن الحل السياسي يُبعد شبح التقسيم ويضع البلد على سكة معاودة البناء. وفي هذا الإطار يُعدُ بعض قادة المجتمع المدني حاليا لمبادرة تقوم على جمع مليون توقيع لسحب الشرعية من الأجسام التشريعية القائمة وانتخاب هيكل تمثيلي جديد، بعد تعديل القانون الانتخابي الحالي أو تغييره بالكامل، لأن بعض بنوده مبنية على اعتبارات مصلحية غير موضوعية ظهرت مساوئها في المحطات الانتخابية السابقة. غير أن أي حل توافقي في المستقبل يتطلب أن تتوقف النخب السياسية الليبية المختلفة عن الاستماع إلى حُماتها الخارجيين والانصات إلى صوت ليبيا أولا وأخيرا.  

ليبيا… بعد صفقات السلاح: روسيا والغرب يتنافسان على صفقات إعادة الإعمار

رشيد خشانة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية