في كل مرة يتم فيها نشر استطلاع يشير إلى اعتدال اغلبية الجمهور العربي في إسرائيل ـ مثل الاستطلاع الاخير الذي يقول إن الاغلبية تعتبر أن هناك ضرورة للمشاركة في جنازة شمعون بيرس ـ يتم طرح السؤال الطبيعي: لماذا إذا يصوتون كما يصوتون؟ يمكن الاشتباه بأن الاستطلاعات غير دقيقة. حسب تقديري، الاستطلاعات دقيقة، لأنها تشمل ايضا الاجابات غير المريحة للأذن الإسرائيلية، الامر الذي لا يُظهر وجود أي خوف أو رغبة في ارضاء اليهود.
الاستطلاعات دقيقة وكذلك التصويت بالطبع. يمكن القول إن التصويت هو مسألة هوية، قبل كل شيء. يهود متدينون ايضا مواقفهم معتدلة، خصوصا في شؤون الدين والدولة، ويصوتون للبيت اليهودي الذي هو «بيت القبعة المنسوجة»، وهم قادرون على الغضب من الساسة المتدينين والتصويت لهم في الانتخابات القادمة.
لكن من الواضح أن التصويت العربي يعكس ايضا حقيقة أن الجمهور العربي يقبل في معظمه الرواية القومية التي تمثلها الاحزاب العربية والقائمة المشتركة. ولكن في الوقت الذي يقبل فيه الجمهور الرواية، فإن غالبيته الساحقة لا تتعاطى مع دولة إسرائيل بالشكل الناتج عن هذه الرواية.
تجدر الاشارة إلى أن الحديث لا يدور فقط عن التعاطي العملي النابع من اعتبارات براغماتية والحاجة إلى التعايش مع الجيران والسلطات في الدولة، الجانب البراغماتي مكشوف ومعروف للجميع. لكن ما تظهره الاستطلاعات بوضوح هو أن التعاطي العاطفي لاغلبية الجمهور العربي مع الدولة يختلف تماما عما ينبع من الرواية.
هذا الامر ينعكس في اجابات مثل الموافقة على جملة «أنا فخور بكوني إسرائيليا» ـ هذه الموافقة التي تجاوزت الـ 50 في المئة هذه السنة. «فخور بكوني إسرائيليا» ـ هذا ليس «أنا لا أريد المشاكل، بل أريد العيش والعودة إلى البيت بسلام، وكم جيد أن هناك تأمينا وطنيا». وهذا ايضا ليس «رغم سوء اليهود، فمن حسن حظي أنني لست في سوريا». «فخور بكوني إسرائيليا» يعني شيء مثل «هذه دولتي، أنا أتضامن معها وأتفاخر بها، وفي نفس الوقت غاضب منها وأنتقدها مثل أي إسرائيلي، بل أكثر، وأنا فخور لأنه يمكنني فعل ذلك. أنا أدرك جميع النواقص والمميزات. والتوازن هو أنني فخور بأن أكون إسرائيليا».
هذه اقوال غير ممكنة في اطار الرواية المقبولة. غير ممكنة لكنها منتشرة جدا، مثل قائمة طويلة من الاقوال المشابهة. ومع ذلك يمكن القول إن الكثيرين ممن يقولون ذلك يصوتون ايضا للقائمة المشتركة لأنهم يقبلون الرواية التي يناقضونها بأقوالهم. البشر هم أجناس معقدة، والوضع معقد. من الجيد معرفة أن الوضع معقد لأنه حين نسمع مثلا عضو الكنيست زحالقة، نلاحظ أن تعامله مع إسرائيل غير معقد.
واذا قلنا إن الاستطلاعات تخضع للتفسير في الوقت الذي يكون فيه التصويت عملة صعبة ـ فها هي عملة أكثر صعوبة تثبت أنه يجب التعاطي بجدية مع ما تقوله الاستطلاعات:
الدم. الدم الذي لم يُسفك بين اليهود والعرب من مواطني إسرائيل. هذا هو «الكلب الذي لم ينبح» لشارلوك هولمز في هذه الحالة. مستوى العنف القومي للعرب من مواطني إسرائيل، الذي هو ليس صفرا بالطبع، متدنٍ. متدنٍ جدا في الظروف الحالية.
هو متدنٍ ليس نسبة لما هو مطلوب، بل نسبة لما هو متوقع في ظل الصراع القومي الصعب بين الشعبين، وفي كل مقارنة دولية معقولة. هناك فرصة أكبر لأن يتجند المسلم في السويد لداعش من المسلم في إسرائيل. في الولايات المتحدة توجد احتجاجات ومواجهات عرقية أكثر بين السود وبين الشرطة، في الوقت الذي يجلس فيه في البيت الابيض رئيس اسود، وجزء كبير من قادة الشرطة هم من السود.
هذا مقارنة مع الاحتجاجات العرقية العنيفة للعرب في إسرائيل.
الاجهزة الأمنية تقوم بعملها بالطبع، وهناك ردع. ولكن عندما يجلس شعبان بجوار بعضهما وهما يكرهان بعضهما البعض مثلما يحدث في اماكن اخرى، تتحول حياتهما إلى جهنم، ولن يساعد أي ردع بشكل خاص على مدى السنين. ولن تساعد ايضا حقيقة أن حياة الاقلية تتحول في هذا الوضع إلى أكثر جهنمية من حياة الاغلبية ـ هذا صحيح في كل مكان. وهذا لا يساعد عندما تكون الكراهية حقيقية.
لو كانت الاقوال حول العلاقة بين اليهود والعرب في الدولة على أنها مثل «العلاقة بين السيد والعبد» صحيحة، لكنا شعرنا بذلك على جلودنا.
هذا المستوى المتدني للكراهية بين اليهود والعرب هو ذخر لنا جميعا. وهو من أسرار الامن القومي الإسرائيلي. وكل شخص مسؤول، يهودي أو عربي، يجب عليه فعل أي شيء من اجل الحفاظ على هذا الذخر.
الكسندر يعقوبسون
هآرتس 30/10/2016
صحف عبرية