في السنوات الطويلة لعملي الصحافي لم أعرّض نفسي كثيرا لامتحان الشجاعة. كان عذري في ذلك أنني لا أكتب في السياسة شأن أصدقاء عديدين لي. لكن مع ذلك لا يستطيع المرء أن يظلّ بمنجى منها.
في إحدى المرات اشتركت في كتابة بيان يدين قصف المدنيين، وكان ذلك في 1981 على ما أذكر، بل نشرت البيان في الجريدة حيث كنت أعمل. في اليوم التالي وضعني رئيس التحرير أمام حلّ معقول بحسبه للمشكل الذي أوقعتُ الجريدة فيه، وهو أن أكتب عما يمثّله التهديد الإسرائيلي للجنوب. كان ينبغي أن لا أكون منحازا، بحسبه. وقد رفضت قائلا إنني لن أفعل ذلك إرضاء لمن قد يظنون أنني أعتذر لهم عن فعلتي، فأنا لطالما كتبت عن اعتداءات إسرائيل، وأنا من الجنوب على أي حال. ثم أنني، إن أطعت ما طلب مني، أكون أُقبل بفرضية أنني نشرت البيان لأنني مع هؤلاء ضدّ أولئك، وليس لأنني ضد قصف المدنيين، فعليا ومبدئيا. رفضت، وكانت تلك غلطة بحسب المعايير العملية للعمل في الصحافة، فدفعت ثمنها، بحسب ما يتأتى عن تلك المعايير أيضا.
في ما كان عليه الحال في ذلك الزمن، وما هو عليه الحال الآن، كل شيء يقال أو يكتب يُستدخل في نزاع الأطراف التي تنتظم عادة في تيارين عريضين (يمين أو يسار مثلا، عروبي أو انعزالي، 8 آذار أو 14 آذار…إلخ ). وأنت في ما تكتبه، إما هناك وإما هنا؛ إما مع هؤلاء وإما مع أولئك إذ لا مكان للأحكام الأخلاقية والعقلية في تلك الحرب الواجدة لنفسها عناوين جديدة وجغرافيا جديدة كي تستمرّ. وطالما أنك لست مع هؤلاء ولست مع أولئك فعليك أن تعوّد نفسك، أو تعلّم نفسك، على الحياد التدريجي، أي على الانكفاء، أي على ترك الموضوعات الساخنة خارجك. وهذا ما يتيحه العمل في المجالات الثقافية على أيّ حال. وهذا هامش أبقت عليه الصحافة المتحاربة، المتواجهة، المتقاسَمة هي أيضا بين هؤلاء وأولئك.
أنت حرّ إذن في أن تفكّر كما تشاء، لكن بينك وبين نفسك، أو بينك وبين من هم مثلك. وربما تقول إن هذه طريقة لحفظ المبدئية وصيانتها، أي بعدم تعريضها لمناكفة المتناكفين لتكون مادة تندّر أو سجال أو تخويف بينهم. عندها تستطيع أن تقول لصديقة لك شاركت في ندوة تلفزيونية مع رجل دين، لقد أخطأتِ، إذ كيف ترضين بهذا القدر من الممنوعات تُفرض عليكِ. كيف توصلين ما تريدين إيصاله في الوقت الذي يقاطعك رجل الدين أو رجل السياسة، مرّة بعد مرة بعد مرة، رافعا يده في وجهك ليقول لكِ هذا ممنوع أو هذا محرّم في الدين، وأنتِ ستوافقين في كل مرة، متراجعةً، مرة بعد مرة أيضا، إلى مزيد من الخطوط الخلفية. حتى أنكَ فيما تجد نفسك قد تورّطت في سجال يجب ألا ترضى بذلك التسليم الجزئي الذي يقول لك بأنك تستطيع أن تكون حرّا، لكن «ضمن حدود»، وهو يقصد بذلك بابين على الأقل من أبواب الحظر الثلاثة المعروفة للجميع وهي السياسة والدين والجنس، وهذه على أي حال ليس مفصولا أحدها عن الآخر طالما أن خطوطا من التحريم تجمعها أو توصل بينها.
وإذ يحدث هذا لي، في نقاش أجد نفسي وقد استدرجت إليه، أقرّر أن أقول لمن يساجلني أن لا شروط ولا قيود على ما يسميه حدودا (أقصد حين يقول لي إن هناك حدودا) لكنني أعرف أنني لا أستطيع أن الزم نفسي بذلك، أي أنني، إن أفصحت عما أفكّر فيه فعلا سأكون كما لو أنني، أنا نفسي، لا أصدّق ما يصدر عني. كأنني أذهب إلى أبعد بكثير مما يحتمله مساجلي، لا بدّ من التراجع إذن، خطوتين أو ثلاث خطوات إلى الوراء حيث لا أكون بعيدا جدا عنه، فلا يدير ظهره إليّ معلنا عن برمه وعدم استعداده للنقاش. هي مساومة يجريها الشخص بينه وبين نفسه، لكي لا يبدو كافرا أو مشبوها الانتماء. عليك أن تجري تلك المساومة بينك وبين نفسك، أن تداور وتوارب، كأن تمتدح أولا، في مقدمة كلامك، ما ستصل بعد قليل إلى انتقاده أو أن تمتنع عن أن تكون مباشرا، فتنتقد الشعر أو الأدب ليفهم من كلامك أن ما تقصده يتعداهما (أتذكّر هنا، كمثال سابق، طه حسين في كتابه «حول الشعر الجاهلي») مع أن طه حسين عاش في زمن أقل خطرا. كان قد أتيح له أن يجري تعديلا، وإن مراوغا، على ما كتب، وهذا ما أرضى المتربّصين بما تأتي به الكتابة وكتابها. الآن، في زمننا، لا يعرف الكاتب أو الصحافيّ من أين تأتيه الطلقة. ناهض حتر كان خارجا من جلسة محاكمة حين، من فوق الرؤوس، أتته الطلقات القاتلة. هذا الخطر كان موجودا على الدوام، أن يأتي الرصاص مسابقا قوانين المنع الحكومية ومخترقا إياها. لا محاكمات هنا ولا مساومة من نوع الذي يسبق تنفيذ الحكم، بل رصاصات قاتلة يحلّ الصمت من بعدها، ويصير الكلام على حرية التعبير والقول باهتا وبلا معنى.
سأفترض أن أحدا من الكتّاب أو من الصحافيين وقف ليبشّر زملاءه بانتهاء زمن تقييد الكتابة وقمعها، هكذا كما يبشّر جنديّ في الجبهة رفاقه بأن الحرب انتهت، وأفترض أنا بعد ذلك إنني سأستطيع أن أكتب كيفما أشاء. لكن، بعد التأمّل في ما قد أضيفه على ما سأكتبه، يتبيّن لي أن شيئا لن يتغيّر. أي أنني لن أعرف ماذا أفعل بحرّيتي المستجدّة، هذه التي هبطت عليّ فجأة. ذاك أنّي بتّ متوافقا مع ما عوّدت نفسي عليه طيلة هذه السنوات. كان ينبغي أن أحصل على هذه الحرية في وقت سابق، منذ ثلاثين سنة، حين كانت ما تزال تعاندنا جملة ترفض أن تُمحى فنحذفها، أو نبقيها مجازفين بما قد تأتي به من عواقب.
٭ كاتب لبناني
حسن داوود