كتاب «بغداد سيرة مدينة» ليس هو أول أعمال نجم والي في السيرة الذاتية. ولو استعرضت أعمال والي من الألف إلى الياء ستلاحظ أنها تنتمي إلى النوع المعروف باسم الرواية التسجيلية. وبمقارنة أعماله ستلاحظ أنه يبني عالمه حول مدينتين هما في الذاكرة: البصرة وبغداد. أما الأحداث فهي تتناول تجربة جيل الانتقال من الشمولية الملكية والشمولية الجمهورية.
والحبكة لا تخلو من الهم الذاتي، بمعنى أنه بمقدار ما اخترع من حكايات حول مدينتيه أضاف لسيرته بعض التطورات، وهي في الغالب الأعم من المضمون النفسي لنشاط المخيلة.
لا يوجد عمل لنجم والي يخلو من سيرته، حتى أن عمله السياسي الوحيد وهو «زيارة إلى قلب العدو» يتقاطع مع بغداد، ولا سيما في تحليل ظاهرة الأغاني العسكرية الحماسية. ومنها أغاني فيروز عن القدس في كتابه زيارة والأغاني الوطنية (الفاشية كما يقول) في كتابه بغداد. ويرى أنها جزء من حملة البروباغندا التي أدارها الملك غازي ضد اليهود. مثل نشيد «لاحت رؤوس الحراب تلمع بين الروابي». إنها جزء من غسيل المخ القومي الذي يبيع العنف في أسواق أو سوبرماركت التخلف والحضارات الجريحة.
هذه السيرة المكتوبة بشكل ذكريات هي اختراع لمدينة تعرضت للنهب والتدمير عدة مرات وأعيد ترميمها عدة مرات حتى أصبح تاريخها الحالي نوعا من الإنكار لبداياتها.
ويعبر والي عن هذه الفكرة بقوله: «إن مدينة بغداد التي بناها أبو جعفر المنصور عام 762 قد ماتت عام 1258 وقد نحرها هولاكو حين اجتاحها وألحق بها الدمار. وما نراه اليوم هو اسم على غير مسمى، وهي مدينة غريبة وتختلف عن الأصلية بطراز هندستها وأيضا بمكانها».
«إن بغداد مدينة متجددة، وخلال ثلاثة أعوام فقط بين 1911 و1917 شهدت تغيرات راديكالية لا تقل في أهميتها عما جرى بعد السقوط عام 2003. ويمكن التأكيد أن كل اجتياح يحمل إليها فلسفة للتأقلم مع ظروف الحياة ومستجداتها. فهي تلغي نفسها باستمرار مقابل ثبات واستمرارية أقدم ثلاث مدن تقاوم الفناء في بلاد الرافدين والمقصود: البصرة (بصرياثا الآرامية) والموصل (نينوى الآشورية) وأربيل (مقر الكرسي السومري أربيلواو أو أرض الآلهة الأربعة «.
يعتبر والي أن عيد ميلاد بغداد كان على مرحلتين عام 1916 يوم أمر الوالي العثماني بشق «خليل باشا جادة سي»، أو ما يعرف اليوم باسم «شارع الرشيد». فاسم هذا الشارع هو رمز لبغداد، ثم عام 1920 يوم ترأس المهندس البريطاني ولسون قسم الإنشاءات وصمم مدينة وفق طراز معماري أوروبي. إن أصول بغداد المعاصرة أجنبية مثل لغة البعث الفاشي الذي كان يرعاه صدام . فهي تخلو من عقلية أهل المشرق الفانتازية المسؤولة عن توسيع الفجوة بين الإنسان والواقع. فأيديولوجيا خليل باشا كانت مع الحداثة لمواكبة الغرب في صعوده، أما أيديولوجيا ولسون فتركز على مشروع الدولة المدنية، كما ورد بالحرف الواحد. وربما يعني بهذه العبارة تجهيز الدولة بالمجتمع، أو تربية العقل العربي المعاصر .
يربط والي هذه البداية بثلاث علامات لها دور في تحديد الاتجاه الذي ستتطور به بغداد، وهي: بناء جامعة آل البيت في الأعظمية، وبناء الكنيسة الأنجليكانية في كرادة مريم. وإنجاز محطة بغداد للسكك الحديد. وأعتقد أن هذا يعني: بناء العقل الروحي والحياة النفسية والعقل الثقافي لإنسان سيدخل أيضا في عدة حلقات ملحمية من دراما بغداد. لقد استلهم ولسون العمارة الإسلامية وحقنها بمضمون غربي، وكان هدفه تحقيق التناغم مع البيئة والحضارة.
تتميز هذه السيرة بثلاث نقاط.
أولا إنها لا تشخصن المجرد، فهي تتكلم عن عواطف تجريدية، بتعبير آخر إنها تتابع تاريخ المدينة منذ وضع المنصور حجر الأساس وحتى الاجتياح الأمريكي لها. بمعنى أنه رصد الظاهرة ولم يتوقف عند حياته الشخصية. وللتوضيح يمكن مقارنتها مع «شارع الأميرات» لجبرا إبراهيم جبرا، لقد كان جبرا مشحونا بنرجسيته الفنية وبالجانب الذاتي من حياة المدينة، لقد كان يضع نفسه في مركز الأحداث ويسمح للمجتمع والتاريخ أن يدور من حوله. وربما لهذا السبب لم يجد فرقا بين نكبة عموم فلسطين وخروجه منها. فقد تساوت التراجيديا مع المحنة الشخصية. وهو ما تهرّب منه نجم والي. لقد وضع نفسه في الظل وسمح لبغداد أن تتألق. وكما قال «بدون بغداد لا يوجد نجم». وتجد أبلغ تعبير عن هذه الحقيقة في رده على نبوءة الحاج حنون، فقد قال له «إن المدينة هي التي ربحت الرهان وليس نجم».
النقطة الثانية، أنه لم يكتب سيرة بغداد وفق تسلسل تصاعدي، فقد استعمل أسلوب الفلاش باك والتداعيات والمونولوج الحر. ولذلك كان يقف عند المحطات الحاسمة وفق ترتيب نفسي. الأحداث الأهم من وجهة نظره أولا ثم الأحداث الهامشية. وكان يدخل إلى التاريخ من باب الشخصيات التي تصنعه، لذلك تخطى الذاكرة الشعبية لبغداد، واختصرها في عدة منعطفات: لحظة البناء والتشييد بأمر من الخليفة العباسي. ثم أحداث الفرهود التي رسمت خطا أحمر بين العرب واليهود، ودور الأرستقراطية الهاشمية في إلهاب النزاع.
ثم السياسة الرعناء لصدام التي نجم عنها اندثار المدينة وظهور مجتمعات الفوضى على أنقاضها.
ثالثا، وهذه نقطة في غاية الحساسية أن نجم والي اهتم بصور بغداد وليس بالمدونات المكتوبة وهو سلوك له علاقة بالذاكرة الثقافية ودورها في تحديد الإدراك. ففي بحثه عن ذاكرة المدينة وانتقالها من عاصمة إسلامية تحكم العالم إلى مدينة مسكينة في مستعمرة مغلوبة على أمرها لم يترقف عند ما كتبته مسز بيل أو ما دونه مستر مالوان (زوج أجاثا كريستي الذي اهتم به جبرا في مذكراته). ولكنه أعاد ترتيب ذاكرته بالاعتماد على الصور الحية. وهي غالبا من فصيلة بطاقات المعايدة. وكان يبني بخياله مدينته وعينه على هذه البطاقات والصور. ومن غيرها لم يكن مقدرا له صياغة تأملاته الأولى للعالم وعلاقة المكان بالفرد. وهذه نقطة بالغة الأهمية، أنه يولي السبق للمكان وليس الفرد، ويضع كل شيء ضمن خلفياته وليس بمعزل عنها. فمع كل صورة كانت تنشأ صور أخرى. إن الصور التذكارية تكون عاطفية وتخاطب المشاعر وليس العين فقط كما يقول دولوز، وبالعادة لها معنى حركة تعبير وإبانة. وبلغة والي نفسه إنها تحرض الإنسان على التخيل، مثلا صورة الكنيسة تدعوه ليتخيل نواقيسها وهي تضرب بقوة، وكذلك القطارات يسمعها تصفر وتنهب السكة ويرى بعين ذهنه عمود البخار الأسود وهو يندلع منها. فالصورة ليست طبيعة جامدة، ولكنها إعادة تشكيل لعلاقة المكان مع الأحاسيس ذات المضمون التاريخي ومثلها القراءة. إنها ترتيب لموقع الإدراك في الحدس. وهي منبع ذكريات نجم والي بعد الصور. ولا سيما قراءة الصحف، فقد لعبت دورا مهما في تعريفه بمدينته المحبوبة بغداد. وإذا نظر نجم والي بعين العطف لوفرة المطبوعات قبل انقلاب البعث عام 1963 الذي تسبب بإفقار البلاد وتجميد الحياة العامة، فقد أبدى إعجابا منقطع النظير بـ«الجمهورية» وملحقها الأدبي.
وتستطيع أن تفهم أن بغداد هي بوابته إلى مرحلة النضج ولكن ملحق الجمهورية هو بوابته إلى بغداد. حتى أنه يعتقد أن القراءة أتاحت له أن يعيش في مكانين، حيث يقيم (مدينة العمارة) والعاصمة التي أغرم بها لحد العشق العذري. كان شعوره كما قال ملتبسا ولم تنطفئ شعلته أبدا، وتحول إلى نبراس جعل منه كاتبا وعرفه على مشاهير ونجوم تلك الفترة، وفي المقدمة سعدي يوسف محرر «طريق الشعب»، وعبد الرحمن الربيعي محرر «الأقلام». ويمكنك أن تختصر علاقته بالمكان في الوجوه الأدبية والمطبوعات.
كان لهذا الثنائي دور حاسم في بدايات نجم والي وتحديد ميوله. وبتأثير منهما أقلع عن الشعر وتابع مع القصة ثم الرواية، ولكنه سعى للتميز وبذل وسعه ليحتفظ بشخصية له، وأن لا يشبه أحدا، ولم يكن يحب أن ينتسب إلى جيل أو جماعة، وهذا التعصب في شعار الفرادة والتجديد والإضافة هو الذي قاد خطواته.
ثالث الثلاثة هي المقاهي، ومن الواضح أنها أهم من الصور والمطبوعات. لكن من المؤسف أنها بلا أي رواسب في أعماله الإبداعية. يترنم نجم والي بأسماء المقاهي الشهيرة في بغداد وبأسماء روادها اللامعين، ويرى أنها كتبت سيرة ثقافية شديدة الغنى لمدينته المحبوبة. لقد كانت المقاهي هي المصانع الحقيقية أو المدارس التي خرجت الأجيال وجيشا من النخبة، ففي الخمسينيات رفدت الأدب العربي بالتكرلي وفرمان وفي الستينيات قدمت السياب والبياتي ولكن في السبعينيات أضافت أسماء الصعاليك ومتشردي حقول المعرفة كجان دمو ووالي شخصيا. ومع ذلك لم تنتقل هذه الصور الغنية بمحتواها النفسي إلى رواياته وقصصه. لقد خلت أعمال نجم والي من أي إشارة إلى المقهى، واقتصرت على اختيار المبغى وساحات الحرب ومكاتب الإدارات الرسمية.
ولا أجد سببا مقنعا لذلك. فالجيل اللامنتمي، بمعنى المتمرد على الفروض والواجبات التى تمليها السلطات من فوق، وضع المقهى في مركز الحياة الثقافية. ونادرا ما تقرأ لكاتب من تلك الفترة لا تدور نصف أحداث روايته في مكان عام من هذا النوع.
وخذ على سبيل المثال المرحوم هاني الراهب، فصفحات روايته «ألف ليلة وليلتان» تتابع فصولا من حياة ضباط وموظفين في خريف العمر، لجأوا إلى لعب النرد في المقاهي الصيفية المفتوحة هربا من الدوام في البيت، فالبيت هو مقبرة للرجال والمقهى هو تعبير عن عطالتهم النفسية. ومما يدعو للملاحظة أن بعض من أبقى على ولائه لتقاليد حكومات العسكر استبدل المدينة بالقرية، والمقهى بالمضافة، ومن هؤلاء المرحوم عبد النبي حجازي الذي وجد فرصته في رثاء هزيمة يونيو/ حزيران من خلال انتقاء شخصيات ضعيفة وعنينة تهرب من مواجهة العجز في الفراش للسهر في المضافة وتداول النكات البذيئة والأكاذيب والعنتريات. أما بالنسبة للمؤثرات فيتوقف نجم والي عند اليهود الثلاثة الذين يشترك معهم في عشق بغداد وهؤلاء هم: شمعون بلاص وسامي ميخائيل وسمير النقاش. ويؤكد أن المتاهة التي ضاعوا فيها في أرجاء العالم لم تغرب عنها شمس بغداد ولو لحظة واحدة. إن بغداد حاضرة في أعمالهم من العنوان وحتى الأحداث. وحتى لو أنها كانت ناطقة بالعبرية أحيانا لكن لا يمكن لقارئ أن يشك أنها روايات عراقية وبامتياز.
لقد كانت بغداد كل شيء في حياتهم كما هي عند نجم والي. حتى أنها شغلت مخيلته ودعته لاختراع مدينة قد لا تكون واقعية.
٭ كاتب سوري
صالح الرزوق