انتخب مجلس النواب اللبناني أمس الاثنين زعيم «التيار الوطني» ميشال عون رئيساً للبلاد في خطوة أوقفت عد القنبلة الموقوتة للفراغ الرئاسي اللبناني الذي استمر قرابة سنتين ونصف السنة كما أنهت امكانية حصول فراغ دستوري شامل في البلاد قبل أيام من انتهاء مهلة التمديد لمجلس النواب.
انتخاب عون الذي يبدو حلاً لإشكاليتين كبيرتين كانتا تتهددان وجود لبنان السياسي مليئة بالمفارقات المهمة الدلالات، بعضها أثيرت على محمل الطرافة ولكنّها تخفي ميلاً للتشاؤم مثل كونه الرئيس الثالث عشر، وذلك لما يحمله هذا الرقم في كثير من الثقافات من معان تحيل إلى الشؤم، وكذلك كونه الرئيس الأكبر عمراً الذي يتقلّد هذا المنصب (81 عاماً)، وهو أيضاً مؤشّر إلى قدرات فيزيولوجية آيلة إلى الانحدار وستنعكس على أدائه السياسي بالضرورة.
والحقيقة أن عون هو ابن المفارقات والإشكاليات فهو قد حكم لبنان سابقاً بالقوّة المحضة بصفة رئيس حكومة عسكريّة استلمت السلطات بتفويض مثير للجدل من الرئيس الأسبق أمين الجميل عام 1984 و1989 وبتنازع مع حكومة دستورية أخرى كان يرأسها سليم الحص.
يرتبط ظهور عون إذن بمرحلة اهتزاز فادح في التوازنات اللبنانية مع خروج المقاومة الفلسطينية إثر الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وتراجع قوة ما يسمى «الحركة الوطنية اللبنانية».
ورغم انتخاب رئيس للبنان عام 1989، هو الياس الهراوي (اثر اغتيال الرئيس رينيه معوض بعد انتخابه بـ17 يوما)، فإن عون تابع مشروع السيطرة على المناطق المسيحية عبر ما سمي بحرب الإلغاء مع «القوات اللبنانية»، وتبعها ما سمي «حرب التحرير» ضد وجود النظام السوري وانتهت عمليا باجتياح قوات الرئيس السوري السابق حافظ الأسد تلك المناطق في تشرين الأول (اكتوبر) من عام 1990، وأدت إلى نفي عون إلى فرنسا ودخول قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، لاحقا، السجن، وهو ما أرّخ، عملياً، لمرحلة من صعود نفوذ «حزب الله»، على لبنان وصلت ذروة اشتدادها مع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق حريري، وانتهاء بطورها الأعلى الحالي مع امتداد «حزب الله» خارج لبنان وتدخّله المباشر في الدفاع عن النظام السوري بعد أن كان مجرد حليف تابع له سابقاً.
المفارقة الكبرى إذن في ميشال عون ضابط المدفعية الذي خدم في الجنوب وصيدا وتل الزعتر وخاض معارك عنيفة مع الجيش السوري و»القوات اللبنانية»، وبعدها معارك سياسية مع النظام السوري وشارك في إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بقانون «محاسبة سوريا» اختار لاحقاً التحالف مع هذا النظام نفسه ومع «حزب الله» بل واستطاع تحت ظل هذا الحلف أن يصل، بعد طول نضال، إلى منصب الرئيس، وعليه لم يكن مستغرباً أن تجيء التهنئة السريعة بانتخابه من إيران.
حضرت ظلال هذا التحالف في خطاب القسم الذي ألقاه عون وإذا تجاهلنا بعض التعهدات التي قيلت باعتبارها لزوم ما يلزم (من قبيل الحديث عن مقاومة الفساد!) فمن المتوقع أن يعلو خطاب العنصرية تجاه السوريين والفلسطينيين بدعوى منع المخيمات من التحول إلى «بؤر أمنية»، فهذا خطاب يعجب «حلف الأقوياء» الذي دفع بعون نحو الرئاسة، ولكنه يتناقض في الحقيقة مع تعهده بـ»ابعاد لبنان عن الصراعات الخارجية»، فالتصعيد ضد السوريين والفلسطينيين هو فاتورة مدفوعة سلفاً لصالح النظام السوري وكذلك لإسرائيل، وهو تراجع عن الشعارات التي رفعها الجنرال العتيق ودفع لبنان ثمنها آلاف القتلى.
رأي القدس