نعود أحيانا، وبعد إهمال أو نكران للذات ومشاغلها، الى كتابة ما نهفو الى الإفصاح عنه، من مشاغل ذاتية ومتاعب ومعاناة يومية، حياتية وإجتماعية. لكننا نلمس أن ما يحدث حولنا داخليا وإقليميا وحتى دوليا، يشغلنا عن ذاتنا، ويقضّ مضاجع أفكارنا، ويستوطن وجودنا، ويحوّل وًلًهًنًا عن الأنانية الوجدانية، الى التفاعل مع قضايا وأمور تتخطّى قدرتنا على سبر أسرارها، أو كشف اللثام عن غموض ملابساتها. منذ الإطلالة البائسة للقرن الحادي والعشرين، والدعوة الاميركية لمحاربة الإرهاب حول العالم، بعد تفجيرات التاسع من شهر ايلول (سبتمبر) 2001، تعيش الدول العربية وشعوبها مآسي هذه الدعوة الغامضة المبهمة اللامتناهية، دون وازع أخلاقي أو إنساني أو ديني، من الرأسمالية العسكرية الغربية الشرهة. دُمّر العراق وشعبه، وأعيدوا الى القرون الوسىطى، وأيام حروب داحس والغبراء. شُرّد اليمنيون في حروب القبائل، ولم يبق لهم سوى الإدمان على التخزين اليومي للقات. انتشر وباء النضال الشعبوي لتحقيق العدالة والمساواة، وحرية الرأي والتعبير، والديمقراطية، في مجتمعات جاهلة متزمتة دينيّا ومذهبيا، ومفككة قبليّا وعشائريا، تتحكم فيها عساكر الانظمة الباطشة. نزلت قطعان الكبت والجوع الى ساحات وميادن المدن، وافترشت أديم الأرض بحثا عن أضغاث أحلام، ومع غياب الوعي والتنظيم والإلتزام. إختلط الحابل بالنابل. حدثت مواجهات دامية بين هذه الشعوب القطعان وبين العسكر. فوقف العسكر في جموعهم دعاة حق وحرية وديمقرطية، وتسابق الكهول على ترؤُّس وقيادة التجمعات الشبابية، بعد طلاء شيبهم بالصباغ الأسود، وأوصلوهم الى بلاء وولاء أسوأ مما سبق. انقسمت أمّ الدنيا الى ‘إخوان مسلمين’ و ‘عسكر غير مسلمين’. وتفتّتت ليبيا الى قبائل متقاتلة وتكفيريّين مرتزقة. وأُسقطت تونس من علياء تقدّمها وانفتاحها على الحضارات، الى درك القرون الوسطى وفتاوى توفير الإشباع الجنسي الغريزي ل’مجاهديها’ المرتزقة في بلاد الشام. أُحرقت سهول مواسم الخير والعطاء في سوريا، ودُمّرت المدن والبلدات، وانتشر طاعون التزمّت المذهبي في أزقّة ونواحي الفقراء والمعوزين ليُقتل ابناؤهم، وتُشرّد نساؤهم وبناتهم، وانتهاك أعراضهم على يد حفنات من حثالة أثرياء النفط وأزلامهم الجبناء. وأُسدلت اللحى في أحياء فقراء المدن اللبنانية، وصار لكل من يدّعي الإمامة زمرة مسلحة، لكل منها مربّعها ‘الأمني’، وغطاؤها السياسي، ومرجعيّتها الإفتائية، ومموّلها من البترودولار. طلب الأردن قوات حماية أميركية للدفاع عن الملكية الحاكمة من غضب الإسلاميين، تحت مظلّة مناورات عسكرية أميركية أردنية مشتركة، مقابل تهريب الأسلحة والمقاتلين الى الداخل السوري. أمّا الأردن فهو الواجهة الغربية الشمالية لشبه الجزيرة العربية ومحميّاتها. هل ستتوقف الدعوة الأميركية عن محاربة ومكافحة الإرهاب على أعتاب هذه الواجهة، أم ستتخطّاها الى حيث منابع ومصادر الإرهاب الذي رعته أميركا نفسها لمحاربة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، ولا زالت تدعمه وتسلّحه في سوريا ولبنان! نحن اليوم أمام إستحقاقين داهمين، في سورية ومصر. هناك سباق بين الولوج الى عهود الديمقراطية الإفتراضية، أو الوقوع من جديد تحت سيطرة العسكر. لكن عندما تتشكّل أيّة قوة قتالية للدفاع عن إستمرارية نظام معيّن وليس الزود عن وطن، فإنها لا تؤلّف جيشا، بل عسكرة. وعليه، لا يمكن إسقاط نظام مُعسكر بالوسائل الديمقراطية، بل يمكن ذلك بقوّة عسكرية أعتى منها، كما حصل في العراق على يد الأحتلال الاميركي له. وإذا كان البديل عن الانظمة المّعسكرة هو ما حصل في العراق، فعلى الدنيا السلام. ان ما دُعي بـ’الربيع العربي’ ما هو سوى ربيع أميركي/صهيوني، ومحرقة للشعوب العربية، وفخّا نُصب لهم لإرجاعهم الى كثبان عنترة بن شدّاد والوقوف على الاطلال القاحلة. أتمنى أن تتوقّف النزاعات الداخلية والتدخلات الأجنبية في كل من مصر وسوريا. ومهما كانت عسكرة الانظمة العربية ظالمة لشعوبها، فلا مناص من بقاءها، طالما أن هناك ‘نواة عسكرة سرطانية للغرب’، تدعى إسرائيل. عسى تأتي ساعة الحق وتعيد هذه الانظمة العربية المعسكرة الحق الفلسطيني السليب الى كنف العروبة الحقّة، والى المسلمين المؤمنين غير التكفيريّين. رمضان كريم، عساه يكون خيرا على الفقراء المعوزين، وعودة للنازحين السوريين الى بيوتهم وديارهم كريمين مكرّمين، وأن ينعم على كل الشعوب بالأمن والأمان. آمين. سعد نسيب عطاالله – لبنان [email protected]