بين الخيال والواقع

حجم الخط
0

على مدى سنوات الدولة، كما يقول الصحافي والباحث د. رونين بيرغمان في «يديعوت احرونوت»، عمل منتخبون ومبعوثون من الجمهور، دبلوماسيون ورجال أمن كعملاء سوفيات، أي كجواسيس للحكم الظلامي الشيوعي في الاتحاد السوفياتي. بعض أُمسك به وحوكم. أسماء آخرين تظهر في قائمة العملاء المجندين من كل العالم، والتي قدمها في حينه للولايات المتحدة المسؤول الكبير في المخابرات السوفياتية. يحتمل أنه كان في عهد الحرب الباردة بين الشرق والغرب، قبل سنوات جيل، كل مبعوث من الكي.جي.بي ملزم بأن يأتي بأكبر قدر ممكن من جماجم العملاء الذين اصطادهم على حزامه. بعض من الاسماء سجلت على ما يبدو لتعظيم الانجاز، دون أن يكون «العملاء» عرفوا على الاطلاق بأنهم كذلك.
الكشف، وبشكل عام عودة الحرب الباردة، كما يعترف مراسلنا المبجل، هما إلهام للمرضى بجنون الاضطهاد ذوي الخيال مثلي، ممن يعيشون في الافلام ويهذون في أن الميل مستمر. اليوم، حاكم روسيا، الذي يتطلع إلى استرداد الاتحاد السوفياتي أصبح إمبراطورا رأسماليا بأساليب بلشفية، ينال شعبية كبيرة في بلاده ويفعل ما في رأسه: يشل كل خصومه وخلفائه المحتملين، يعطل أو يستعبد وسائل الإعلام، يوسع حاشية مغدوريه ومبعوثيه لامور يجمل فيها الصمت، يحيي الحرب الباردة ضد الولايات المتحدة، اوروبا الغربية وحلف الناتو، يملأ كل فراغ استراتيجي تخلى عنه أوباما الذي يحذر من ان يكون شرطي العالم ويتثبت فيه ويقيم قواعده فيه في حروب من الدم والدمار.
الآن، أعطوا العنان لخيالكم وتصوروا بأن هناك في مكان ما في المعمورة حكام مصابون بجنون اضطهاد، يستمون الالهام من الحاكم الروسي كلي القدرة، يحلمون بحكم حصري كحكمه ويجربون كل سبيل لتحقيق ذلك. الان، وهذا سينمائي تماما، تخيلوا حاكما في دولة وهمية، صغيرة ولكن قوية، تعد في نظر العالم كاحتلال يتحكم بشعب آخر ويرفض ترتيب شؤونه؛ حاكم يوجد حوله نبش متواصل من التحقيقات والشبهات من هنا وحتى اشعار آخر، ينجح كيفما اتفق في التملص منها. دم هذا الحاكم يزق اصبعا في عين القوة العظمى الاقوى في العالم، بل ويقرر تغيير السبيل والتعاون، بما في ذلك الاستخباري، مع الخصم الاكبر للقوة العظمى الداعمة له، فقط كي يواصل إثارة أعصاب رئيسها، وهو يجر كل شعبه للتحول العالمي غريب الاطوار والخطير هذا.
لا، كل هذا خيال وهذيان. في الواقع، مثلا عندنا (رغم أننا لم نسمع من رئيس الوزراء كلمة انتقاد على الحاكم الروسي وسياسته ورغم السفريات الكثيرة «للتنسيقات» في موسكو) فزعيمنا كما هو معروف مسؤول، عديم الهوس وعقلاني اكثر من أن يربط نفسه ويربطنا بقوة عظمى طاغية وذات نزعة قوة، تغزو الدول المجاورة وتعقد الصفقات النووية والشراكات العسكرية مع كارهينا والساعين إلى إبادتنا، تقصف بوحشية المدن السورية وتحمي زعيمها، قاتل الشعب. فواضح أن رئيس الوزراء تعلم درسا من كل تلاعبات الماضي الفاسدة التي انتهجها بنفسه. وأي ربح سياسي، أمني واستراتيجي سيحققه الارتباط بمثل هذا الحاكم الذي ينصب على حدودنا (رغم التنسيق الاستراتيجي معنا) منظومات صاروخية متطورة، ستمنع سلاحنا الجوي بالتأكيد من إبادة قوافل تسليح حزب الله في الأراضي السورية؟ وفضلا عن ذلك، فإن كل اهتمام رئيس الوزراء مركز الان على تصفية التهديد الوجودي لهيئة البث، أليس كذلك؟
آه، هذا مجرد خيال منفلت العقال. لم يكن شيء ولن يكون شيء. في أقصى الأحوال فيلم سيء.

معاريف 1/11/2016

بين الخيال والواقع
المنظومات الصاروخية التي تنصب حولنا ستمنع سلاحنا الجوي من إبادة قوافل تسليح حزب الله في السورية
اسحق بن نير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية