إسطنبول ـ «القدس العربي»: أجمع محللون سياسيون مختصون بالشأن التركي على أن الرئيس رجب طيب أردوغان مصمم على إقرار إعادة قانون الإعدام في البلاد من أجل تطبيقه على قادة محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف تموز/ يوليو الماضي، مؤكدين أن التحديات كبيرة في هذا الإطار وتحمل مخاطر إغلاق ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بشكل نهائي.
ولفت المحللون في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» إلى أن جميع المؤشرات تصب في اتجاه محاولة إعادة الإعدام إلى القانون التركي من خلال البرلمان أو الاستفتاء الشعبي، محذرين من تبعات كبيرة على صعيد التماسك الداخلي والعلاقات الخارجية للبلاد.
ومنذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي راح ضحيتها قرابة 250 تركيا وأصيب فيها المئات، يطالب أردوغان حزب العدالة والتنمية الحاكم بالعمل على تقديم مقترح للبرلمان ينص على إعادة عقوبة الإعدام التي تم إلغاؤها قبل 12 عاماً تطبيقاً لشروط الاتحاد الأوروبي الذي تسعى تركيا للانضمام إليه منذ عشرات السنوات.
ومنذ أيام عاد الموضوع بقوة إلى واجهة السياسة التركية مع تأكيد أردوغان أن الموضوع سيطرح على البرلمان قريباً، وإعلان زعيم الحركة القومية التركي دولت بهتشلي أن حزبه مستعد لدعم أي قرار من حزب العدالة والتنمية الحاكم لإعادة عقوبة الإعدام.
تطورات متسارعة
السبت، أكد أردوغان انه سيعرض على البرلمان إعادة العمل بعقوبة الإعدام، معتبرا أن الانتقادات الصادرة عن الدول الغربية بهذا الشأن «لا قيمة لها». وقال في خطاب ألقاه في أنقرة ردا على الحشد الذي كان يطالبه بإعادة العمل بهذه العقوبة بعد الانقلاب: «لا تقلقوا، قريبا، قريبا إن شاء الله».
وأضاف الرئيس التركي «حكومتنا ستعرض ذلك على البرلمان. وأنا متأكد أن البرلمان سيوافق عليه، وعندما سيصل إلي سأوقعه». وعن الانتقادات المتوقعة من الاتحاد الأوروبي، قال أردوغان: «الغرب يقول كذا وكذا. عفوا، المهم ليس ما يقوله الغرب بل ما يقوله شعبي».
وأوضح رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، أنّ عدد نواب حزب العدالة والتنمية لا يكفي لإعادة تشريع قانون الإعدام في البلاد، وأنّ حزبه بحاجة إلى دعم حزب آخر من أجل الإقدام على هذه الخطوة، معتبراً أن «إرادة الشعب التركي فوق كل شيء، وأنّ الحكومة التركية لا تستطيع تجاهل مطالب شعبها».
والثلاثاء، أعلن دولت باهتشلي زعيم حزب الحركة القومية جهوزية حزبه للتصويت لصالح قرار إعادة حكم الإعدام في حال أعلن حزب العدالة والتنمية جهوزيته، وقال: «إن كانت هناك حاجة للإعدام فلا داعي للحديث مطولا بهذا الشأن، إن كان العدالة والتنمية جاهزا فالحركة القومية جاهزة».
أوزجان: أردوغان جاد بإقرار الإعدام
المحلل السياسي التركي مصطفى اوزجان رأى أن «أردوغان يبدو مصمماً وجادا لدرجة كبيرة في العمل على تعديل القانون التركي وإعادة عقوبة الإعدام من أجل تطبيقها على قادة محاولة الانقلاب الفاشلة»، معتبراً أن «البعض يرى أن هناك حاجة لإعادة عقوبة الإعدام بسبب ازدياد الجرائم السياسية في البلاد».
وقال اوزجان لـ»القدس العربي»: «أردوغان يريد إعدام قادة الانقلاب وكبار مدبريه من أجل ردع أي محاولات أخرى ولكي يكونوا عبرة لمن يفكر بالقيام بذلك مستقبلاً»، لافتاً إلى أنه غير متأكد من مدى وجود قناعة واسعة داخل حزب العدالة والتنمية لإعادة عقوبة الإعدام.
وعن التبعات المتوقعة للقانون في حال إقراره، أشار أوزجان إلى أن الولايات المتحدة ما زالت تطبق حكم الإعدام لكن أوروبا تمنعه بشكل عام وتعارض تطبيقه بقوة في أي دولة بالعالم، قائلاً: «لا شك أن القانون لو أُقر سيؤشر بشكل كبير جداً على علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي وسيجلب مزيد من التراجع للعلاقات المتراجعة أصلاً».
صالحة: هناك إرادة شعبية لتطبيق الإعدام
الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن التركي سمير صالحه لفت إلى أن هناك إرادة شعبية متزايدة تطالب بإعادة العمل بعقوبة الإعدام وذلك بسبب «دموية الانقلاب» وقصف البرلمان التركي والشوارع وقتل الناس المدنيين والتحشيد الذي قامت به الحكومة شكل رأيا عاما مساندا لإعادة العمل بالعقوبة.
وقال لـ«القدس العربي»: «يبدو أن الأمر بدأ يأخذ منحى جديا أكثر من السابق والمسألة الآن مرتبطة بمدى استعداد حزب الحركة القومية لدعم أي مشروع تقدمه الحكومة للبرلمان»، لافتاً إلى أن القانون في حال إقراره سيكون له ارتدادات كبيرة على علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي.
وأشار صالحة إلى أن أردوغان أكد مراراً أنه سيوقع على القانون في حال إقراره من قبل البرلمان، معتبراً أن ذلك يعني «مسارا سلبيا جديدا في العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي والمجلس الأوروبي وردات فعل دولية كبيرة».
الحاج: انقسام داخلي وعقبات خارجية
سعيد الحاج الكاتب المتخصص في الشأن التركي اعتبر أن مطلب إعادة عقوبة الإعدام تحول تدريجياً إلى مطلب شعبي في ظل سخونة الأحداث داخلياً وتورط الانقلابيين بقتل مدنيين وقصف مقر البرلمان ومحاولة اغتيال الرئيس الذي يتمتع بشعبية واسعة في الشارع التركي، وقال: «القيادة السياسية التركية تريد عقابا قويا للانقلابيين كي لا يتكرر الانقلاب».
وأوضح أن تعديل القانون يحتاج إلى دعم 330 نائباً في البرلمان من أجل طرح التعديلات على الاستفتاء الشعبي العام، وثلثي أعضاء البرلمان من أجل تعديله مباشرة دون طرحه على الاستفتاء.
وعن تبعات القرار، قال الحاج: «عقوبة الإعدام ألغيت عام 2004 من أجل تحقيق مطالب الاتحاد الأوروبي وإعادتها يمكن أن يؤدي إلى إغلاق ملف انضمام تركيا للاتحاد بشكل نهائي»، مضيفاً: «تركيا تعرف أن انضمامها إلى الاتحاد صعب وأن طريقها ليست معبدة بالورود، لكنها مستفيدة من بقاء العلاقات عند هذا المستوى مع الاتحاد».
وكانت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني حذرت من هذه الخطوة منذ تموز/يوليو الماضي قائلة «لا يمكن لأي دولة أن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي في حال أقرت عقوبة الإعدام».
إسماعيل جمال