أثار تصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مؤتمر الشباب في شرم الشيخ نهاية الشهر الماضي موجة من السخرية الحادّة على وسائل التواصل الاجتماعي المصرية والعربية، وخصوصاً ضمن قطاع الشباب الذي تقصد السيسي توجيه النصح الأبوي له بالتقشف والقناعة والرضا بالقليل… إلى آخر ما يمكن من معان يرجح أن التصريح تقصد أن يقولها.
دوافع السخرية مفهومة لأن المبالغة في التصريح أكثر من واضحة إضافة إلى كونه يحفل بتناقضات لا يمكن رتيها وإصلاحها، بدءاً من القسم بالله على أمر يصعب تخيله حتى في بيوت عشرات الآلاف من سكان المقابر في القاهرة فما بالك بشخص كان ضابطا عسكريا كبيرا، وصولاً إلى قوله في التصريح نفسه، إنه من عائلة بالغة الغنى، فإذا كان ضابط في مؤسسة الجيش المصري الذي هو أشبه بدولة داخل الدولة، يتمتع رعاياها بالامتيازات المادية والمعنوية التي ترفعهم درجات فوق أقرانهم من المصريين، ومن عائلة غنية جداً، غير قادر على ملء ثلاجته إلا بالماء، فماذا ترك السيسي للمصريين الغلابة الذين لا يملكون شروى نقير.
للأسباب الآنفة فإن نصائح التقشف والقناعة والرضا بالقليل ومديح عزة النفس وعفتها، لم تقع بالتأكيد موقعاً حسناً لدى أغلب المصريين الذين يعانون اشتداد أزمات الغذاء والدواء والتعليم والطبابة والسكن، ثم يرون الرئيس الذي تخيّل كثيرون من البسطاء أنه سيفرض الأمن والعدل ويعمم الرخاء، والذي يُفترض فيه أن يطمئنهم على مستقبل بلادهم، يقسم أنه (في الجملة نفسها التي يقول فيها إنه من عائلة غنية جدا) كان يعيش حياة أفقر من فقرائهم، ثم يكرر، على مدار الأشهر الماضية، المرة تلو المرة منهم طلب التبرع بالغث الطفيف الذي يملكون فيما حكومته تتحضر لإعلان قرارات اقتصادية تجعل حياتهم أصعب وأقسى وأشد مرارة.
الإعلام المحسوب على السيسي وحكومته سارع، كما هو مفروض منه، لتخفيف وقع مبالغات رئيسه الفاقعة واستهتاره بظروف شعبه المعيشية، بحرف الأنظار إلى قضية أخرى وذلك بعد مزحة قام بها الوزير السابق السعودي إياد مدني مع الرئيس التونسي باجي قائد السبسي استخدم فيها حكاية الثلاجة التي ليس فيها غير الماء، فانهال بعض ذلك الإعلام بهجاء مقذع تجاوز السعوديين إلى أهل الخليج عموما بل وصل الأمر إلى استخدام السيرة النبوية للتدليل على فقر الرسول كأن في ذلك تعييراً له وتحوّل جرح التبعية والاستبداد والفساد ومستتبعاته من فقر واذلال وإساءة للكرامة المصرية والعربية معاً إلى هجاء للعروبة (وضمناً للإسلام) لا ينفع المصريين ولا العرب ولا المسلمين، ولا يضير السعوديين والخليجيين بالتأكيد كما لا يغيّر شيئاً من حقيقة أوضاع مصر الاقتصادية السيئة ومسؤولية السيسي وحكومته المباشرة عنها.
كشفت هذه الحادثة البسيطة أزمة مستفحلة لدى بعض النخب العربية، تتحوّل فيها الذات المصابة بنرجسية جريحة لتناسي مشاكلها ومصاعبها الأساسية وتنهمك فجأة في حمأة كره الآخر، وهو ما حصل، في الحالة الأخيرة، مع معارضين للسيسي انغمسوا بدورهم في حمى صراع عبثيّ أقرب إلى نقائض وهجائيات الشعر العربي منه إلى خطابات السياسة في العالم الحديث.
الواضح أن بعض النخب تجد أن تكلفة الصراع مع أسباب الاستبداد والفساد والفقر أعلى بكثير من تكلفة الصراع مع الآخرين التي تعتاش على النزعات العنصرية والمقارنات المتهافتة، وهي نزعة تكاد تعمّ العالم وآخر أمثلتها هي دونالد ترامب مرشح الرئاسة الأمريكي الذي يعد الأمريكيين بحلول سحرية لمشاكلهم عبر رفع الأسوار ضد المكسيكيين ومنع المسلمين من دخول البلاد، وسياسيي «بريكزيت» البريطانيين الذين أقنعوا غالبية الشعب بأن قطاعات السكن والصحة والتعليم والاقتصاد ستتحسن وأن 200 مليون جنيه ستسحب من ميزانية بريطانيا للاتحاد الأوروبي وتوجه إلى قطاع الصحة، ولم يستغرق الأمر يوماً واحداً بعد التصويت بالخروج حتى اعترف أكبر قادة الحملة، نايجل فراج، بأن ذلك لن يحصل.
رأي القدس