شئنا أم أبينا فإن مصر تعد واسطة العقد بالنسبة للأمة العربية من الرباط الى بغداد، مصر التي قدمت دروسا في الذود عن حياض الأمة من محيطها الى خليجها، مصر دخلت هذه الايام في نفق مظلم يكاد بصيص النور ينعدم فيه مما ينبئ لا قدر الله بطول ليل حالك قد يطول فجره.
لحساب من ولمصلحة من سيكون انهيار مصر دولة وشعبا، لا شك أن المستفيد الأول هم أعداء الأمة العربية الظاهرون وعلى رأسهم اسرائيل والأخفياء منهم وقد يكونون من بني جلدتنا ويتكلمون لغتنا.
الشارع المصري الهائج المائج بين معارض للرئيس المنتخب ديمقراطيا والمعترف بأخطائه السياسية والمستعد للتوبة منها وبين موالين له أعلنوا ولائهم المطلق لمحمد مرسي وأعطوه ‘البيعة’ على النصرة دون كلل او ملل وبين هاذين اللاعبين الأساسيين بالساحة المصرية تحول الحَكَمُ ونعني به الجيش الى عنصر ثالث في المعادلة المتشابكة أصلا بإعطائه مهلة للمعارضة والرئاسة على حد سواء بحسم أمورهم عاجلا والا فأصحاب البزة والبندقية سيحسمون الموقف لصالح الحفاظ على سلامة شعب مصرها وأمنها القومي؟ !
لا شك أن الجيش المصري اعطى دروسا للأعداء قبل الأصدقاء في كيفية الحفاظ على مصالح مصر والأمة العربية جمعاء، لكن الخوف كل الخوف أن تتحول المؤسسة العسكرية تحت ضغط الشارع المعارض والموال للرئيس الى طرف ثالث يتخذها موقفا داعما لأحدهما وهنا مكمن الخلل، وما يدعو لطرح هذه التساؤلات المخيفة تسارع الاحداث وتواليها وارتفاع حالة الاحتقان يوما بعد يوم بمدن مصر كلها.
الجيش اعلن موقفه صراحة، الرئيس محمد مرسي التقى بالرجل الأول بالمؤسسة العسكرية وأبلغه عدم رضا الرئاسة على بيان الجيش،المعارضة ممثلة بحركة ‘تمرد’ باركت خطوة الجيش والموالين للرئاسة اعتبروها تجاوزا لصلاحيات المؤسسة العسكرية الدستورية، كل هذه التجاذبات تذكرنا بما مرت به الجزائر خلال سنوات التسعينات أين أقدم العسكر الجزائري على توقيف المسار الانتخابي الذي أعطى الأغلبية لجبهة الانقاذ الاسلامية المنحلة وعجلت برحيل الرئيس الشاذلي بن جديد في خطوة اعتبرها البعض إقالة وأصر الرئيس الراحل على انها استقالة وعلّق عنها طرف ثالث بأنها طلاق بالتراضي بين الرئيس الجزائري والمؤسسة العسكرية وقتها، وكانت النتيجة دمار وخراب وقتل دون بهوية ودون هوية وأصبحت الدولة الجزائرية مهددة بالانهيار لو لا رحمة الله وحكمة ثلة من رجالها.
السناريو الجزائري، إن أعيد استنساخه بمصر فقد يكون الحلقة التي سترمي بالبلد في هوة سحيقة، يصعب على من يدعون اليوم الى المليونيات المكررة الخروج منها، وما يدفعنا لدق ناقوس الخطر هو أن الشعب المصري عكس شقيقه الجزائري، شعب مصر به نحل وملل قد تكون وقودا لنار الفتنة والحرب الأهلية، وهذا ما لا نتمناه لمصر العروبة والاباء ويبقى الأمل في المؤسسة العسكرية المطالبة اليوم وأكثر من أي وقت مضى بأن تحمي كيان الدولة وسلامة الشعب بمختلف توجهاته وأيديولوجياته وتبقى مصر الدولة والشعب فوق المعارضين والموالين ونافخي الكير من بقايا النظام السابق على حد سواء.
عقد الأمة العربية بدأ بالاندثار منذ انخرط العرب في مكائد ومصائد نصبت لإخوانهم العرب والمستفيد الأول هو الكيان الصهيوني الذي نفخ أو قد ينفخ مستقبلا في نار الفتنة المشتعلة بمصر، لأن زرع الفتن والحروب الأهلية كما يحدث بسورية وقد يحدث بمصر لا قدر الله من جهة وتفكك وضعف العراق وليبيا واثارة القلاقل في تونس والجزائر من جهة أخرى، يصب كله في مصلحة هذا الكيان الذي لا يستقوي الا بخراب ديارنا وسفك دمائنا وتمزيق وحدتنا واضعاف مقدرات الأمة المدنية والعسكرية.
ندعو ونتمنى من أعماق قلوبنا أن تبقى واسطة العقد وأقصد بها مصر، سالمة تسمك وتستمسك بما تبقى من حبات العقد العربي القابل للاندثار في أي لحظة.
الصحافي حميد بن عطية – الجزائر