حقيقة الأمر الواقع الذي تخفيه معركة تحرير الموصل 

يشكّل انطلاق عملية تحرير الموصل اختباراً جديدا لقدرة النظام العراقي في إثبات شرعيته السياسية الوطنية في تمثيل العراقيين، والحفاظ على سيادة البلاد من أطماع الدول الإقليمية وخطر التقسيم، بعدما قلّل وتجاهل هذا النظام من مخاطر وجود النفوذ الإيراني في العراق طيلة ثلاثة عشر عاما من التناقضات والملابسات التي رافقت سياسة الإقصاء الطائفي المتعمد.
في الوقت الذي تتكاثر حملاته الإعلامية التضليلية التي تضمنتها رسائل الاطمئنان والتفاؤل لسكان المناطق المحررة، مفادها أن الفترة المقبلة ستكون أكثر أمانا واستقرارا، رغم ضبابية المشهد السياسي العراقي المقبل، بما يحمله من تناقضات وإشكاليات في النوايا والرؤى، نتيجة للتعدد الخطير في الاجندات الخارجية وتدخلاتها في الشأن العراقي وتباين أهدافها. وفي حين ستكون معركة تحرير مدينة الموصل الاختبار الأهم من الناحيتيْن الاستراتيجية والرمزية، باعتبارها الساحة الأخيرة المتبقية لوجود تنظيم «داعش»، وإحدى المدن المهمة التي ستحدد الأطر والاسس السياسية لمستقبل وشكل الدولة العراقية، بغياب هذا التنظيم المتطرف، إلا أن تحرير هذه المدينة قد لا يمحو بصورة نهائية بقاء واتساع تطور الاستراتيجيات الدخيلة الأخرى التي تهدد نهوض الدولة العراقية من جديد.
قد تستغرق عملية تحرير مدينة الموصل عدة أيام وربما لعدة أسابيع أو أشهر، وسيتم في نهاية المطاف تحريرها نظرا لحجم الإمكانيات العسكرية المتاحة، والدعم الدولي من الدول العظمى، بيد أن غياب الاستراتيجية الواضحة لمستقبل العراق، بعد القضاء على هذا التنظيم، ستضع رسائل الاطمئنان والتفاؤل التي يبثها الإعلام الرسمي الحكومي على المحك. لكون هذه الحملة العسكرية الواسعة تخفى في طياتها حقيقة الأمر الواقع المتمثل في إشكالية مشاركة كل هذه القوى العالمية والإقليمية في عملية تدمير مدينة على رؤوس سكانها وتهجيرهم منها.
من هنا أصبح لزاما على كل ذي بصيرة وطنية، البدء بالتفكير جديا بمرحلة ما بعد التحرير، إذا أخذنا بعين الاعتبار، أن معركة طرد الفكر التكفيري ووجوده العسكري الذي عاث في الأرض فسادا قد تنتج حروباً أهلية متعددة، أكثر دموية وتدميراً للعراق وللموصل نفسها، نظرا لتعدد النوايا والقوى التي تُدفع من وراء الحدود، إلى درجة وصول تفكير البعض اعتبار عملية تحرير مدينة الموصل العراقية العربية وكأنها ليست أكثر من غنيمة حرب لبلد مريض، لا يقوى على شيء في ساحة الصراعات الإقليمية والعالمية.
فبالإضافة إلى الاطماع التركية العثمانية التاريخية الثابتة في شمال العراق، تبذل تركيا «الاردوغانية» السنية سعيها لوقف التمدد الإيراني في العراق، من خلال دعمها للعرب السنة والكرد الموالين لمسعود بارزاني، انطلاقا من حقيقة فشل النفوذ الإيراني المتغلغل في عمق الدولة العراقية، في جر المكون السني العربي وأغلبية الكرد إلى المشروع الإسلامي الفارسي في العراق، وليجعل من تركيا، حسب اعتقاد الأتراك أنفسهم، البديل القادر على إدارة ودعم هذا الجزء الباقي من العراق.
وهنا لابد من التأكيد على أن التدخل العسكري التركي في بعشيقة والموصل، وإصرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً على الدفاع عن السنة العرب والتركمان في مدينة تلعفر، ورفضه السماح بدخول مليشيات الحشد الشعبي في هذه المدينة يكشف عن طبيعة الصراع بين إيران الحليفة للأحزاب الحاكمة في بغـداد وموقف تركيا من الملف العراقي والسوري على خريطة الصراع الجغرافي والسياسي القائم بينها وبين إيران في المنطقة، والذي يُمثل في النهاية جزءا من صراع إقليمي طائفي خطير قد يمزق العراق ويبعثره إلى أجزاء متناثرة على خريطة الشرق الأوسط. وهنا لابد من التأكيد أيضا أن تحرك الميليشيات التابعة لإيران باتجاه تلعفر قد يدفع تركيا للتدخل بشكل أعمق إلى معركة تحرير الموصل.
فبوجود النفوذ الإيراني في الدولة العراقية، وفي تشبث «الولي الفقيه» وإصراره في إدارة ميليشيات الحشد الشعبي، تبذل تركيا جهودها لمواجهة هذا النفوذ والسعي لمشاركة قواتها العسكرية في الهجوم على الموصل، ناهيك عن حجم ونوعية التواجد العسكري لقوات البيشمركه التي يدعمها الغرب، والتي تحاول من خلال مشاركتها في معركة تحرير الموصل، الاستفادة من تداعيات الحرب ضد «داعش» للاستيلاء على المزيد من (الأرض المتنازع عليها) ما سيعطي للعملية العسكرية بعدا إقليميا ودولياً ليس للدولة العراقية فيه ناقة ولا جمل.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن الدعم الغربي للكرد في العراق يشمل أيضا دعم وإسناد المليشيات الإيرانية التي يقودها قاسم سليماني التابع عسكريا وعقائديا للولي الفقيه علي خامنئي، الذي يتواجد حاليا في محيط الموصل، تطبيقا، على ما يبدو، لاتفاقات الغرب السرية فيما يتعلق بملف إيران النووي، التي تجعل من «الجمهورية الإسلامية» الشريك المهم في العراق، لأسباب لوجستية تتعلق بعدم قدرة واشنطن والدول المتحالفة معها في المغامرة مرة أخرى من خلال نقل قوات عسكرية كبيرة، كما حدث في عملية الغزو 2003 وما رافقه من خسائر بشرية هائلة للجيش الأمريكي على التراب العراقي.
من هنا يبدو أن استراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي باراك اوباما، فضلت الاعتماد على دور النفوذ الإيراني الممثل في «الحشد الشعبي» والعمل على توفير الدعم الجوي واللوجستي له، بعد أن اثبتت الأحداث عدم قدرة وكفاءة الجيش العراقي الرسمي للقيام بالمهمة بمفرده نتيجة للتغييب المتعمد للحس الوطني وانتشار الفساد في المؤسسة العسكرية وقادتها الذين كانوا السبب في احتلال الموصل من جهة، وتماشياً مع فكرة الاستفادة من وجود التناقض المذهبي والعداء التاريخي بين ثقافة مقاتلي مليشيات «الحشد الشعبي» التي تقودها إيران والثقافة الوهابية المتطرفة «لداعش» من جهة أخرى.
من هذا المنطق، تبدو عملية ربط مليشيات هادي العامري وقيس الخزعلي التابعة للحرس الثوري الإيراني بالقيادة الأمريكية أو ما يسمى بالتحالف الدولي في العراق أشبه باستراتيجية غير معلنة تجمع الغرب مع إيران، من خلال النظام العراقي وجيشه الرسمي لمعركة العراق ضد الارهاب، وإنْ اختلفت الأسباب والرؤى المستقبلية بينهما. وهذا بدوره سوف يعزز من اتساع النفوذ الإيراني في العراق، ومن ثم إدامة المناخ الطائفي واستمرار التطهير المذهبي، اذا اخذنا بعين الاعتبار الظروف التي رافقت عملية تحرير الفلوجة وديالى، والمخاوف من تسليم مدينة الموصل إلى إيران بعد تحريرها من «داعش» بعد التصريحات الخطيرة الأخيرة لقادة ميليشيات «الحشد الشعبي» من خلال الإصرار على تبني فكرة الأغلبية الطائفية للدولة العراقية وعلى حساب دولة المواطنة وعزمهم في الدخول إلى المدينة وتغيير معالهما الديموغرافية ليجعلوا في النهاية من معركة تحرير الموصل، نموذجا لحرب عقائدية وطائفية بامتياز بحجة القضاء والثأر من «داعش». وهذا بدوره قد يهدد بإنهاء ووقف العمل في البنود والصلاحيات التي حددها الدستور العراقي، وينذر في المستقبل القريب بوقوع حرب عرقية مع قوات البيشمركه بعد الانتهاء من تحرير الموصل حينما سيتيقن الكرد من أن مشاركة «الحشد الشعبي» في معركة تحرير الموصل بصبغتها الطائفية باتت تهدد بنود الدستور العراقي والصلاحيات الخاصة بإقليم كردستان العراقي، وهذا ما قد يمنح الفرصة التي طالما تمناها التيار الانفصالي الكردستاني، في حالة غياب اتفاق نهائي في عملية تقاسم الكعكة العراقية في مدينة كركوك النفطية والمناطق المتنازع عليها المحيطة بالموصل من سنجار إلى سد الموصل وبعشيقة والخازر التي تسيطر عليها حاليا قوات البيشمركه، والبدء بتهجير العرب من مدينة كركوك.
وفي الوقت الذي ينتشر الفساد، وتعلو طائفية الدولة والتهميش المتعمد للمكونات العراقية وتضييق الحريات الشخصية، التي كان آخر فصولها قرار حظر تناول المشروبات الكحولية، بات من المؤكد أن يستمر انحناء مسار سياسة إضعاف الدولة المركزية لفترة عراق ما بعد «داعش»، من خلال إدامة المناخ المذهبي الفئوي الشاذ الذي ولد منه هذا التنظيم، والذي من الممكن أن يدفع العراقيين من جديد إلى حروب مقبلة لفترة ما بعد تحرير الموصل، بين العرب السنة والعرب الشيعة، بين قوات البيشمركه «والحشد الشعبي» في كركوك، وبين بغداد وأربيل أملا في الحصول على جزء من الكعكة العراقية، ليدفع ثمنها في النهاية، الملايين من النازحين، وأرواح الآلاف من العراقيين، ممن غُرر بهم، تارة باسم «دولة الخلافة» وتارة «من أجل أخذ الثأر من أتباع معاوية، بعد زجهم في مطحنة الصراع الإقليمي والدولي وعلى حساب وحدة العراق وسيادته في المنطقة.
كاتب عراقي

حقيقة الأمر الواقع الذي تخفيه معركة تحرير الموصل 

أمير المفرجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية