تتواصل للأسبوع الثالث معركة استعادة الموصل، وقد بدأت يوم الثلاثاء 17 تشرين الاول/ أكتوبر 2016. وقد قلنا آنفا ان الولايات المتحدة على الرغم من نجاحها في جمع الفرقاء المحليين والإقليميين على هدف وحيد هو استعادة الموصل، لم تضع امامها رؤية او استراتيجية أو حتى اتفاق الحد الادنى على ترتيبات ما بعد تنظيم الدولة/داعش، سواء في مدينة الموصل، أو في محافظة نينوى، أو فيما يتعلق بالعراق ككل.
وبعيدا عن مدينة الموصل، تشكل مدينة تلعفر، المنسية، بالون الاختبار الاول، والرئيس، لتقاطع المصالح المحلية والإقليمية، في هذا السياق. فهذه المدينة ذات الغالبية التركمانية، خاضت صراعا طائفيا دمويا بين الاغلبية التركمانية السنية، والأقلية التركمانية الشيعية منذ العام 2004، كانت «الدولة»، عبر أجهزتها العسكرية والامنية، طرفا فيها! فقد كانت مدينة تلعفر واحدة من أوائل حالات الصدام الطائفي والتي فشلت «الدولة» في التعاطي معها بعقلانية. ففي أيلول 2005 أعلن رئيس مجلس الوزراء الأسبق ابراهيم الجعفري عملية عسكرية في تلعفر حملت عنوان «استعادة تلعفر»، لطرد عناصر تنظيم القاعدة في حينها من المدينة، انتهت إلى سيطرة الأغلبية التركمانية الشيعية على المدينة، ومحاولة فرض هوية أحادية عليها! وقد حاولت حكومة المالكي فصل المدينة في مرحلة لاحقة عن محافظة نينوى، من خلال قرار اتخذته في 21 كانون الأول/ يناير 2014 بالموافقة على مشروع قانون استحداث محافظة تلعفر. وعلى الرغم من ان هذا القانون لم يمرر إلى مجلس النواب من اجل التصويت عليه، إلا انه يعكس رؤية ذات طبيعة طائفية تتعلق بالفاعل السياسي الشيعي من جهة، ورؤية ذات طبيعة إقليمية تتعلق بإيران من جهة ثانية.
اما اليوم فان إشارات السيد حيدر العبادي بان القوات العراقية الرسمية هي وحدها من ستدخل إلى مدينة الموصل، لم تشمل مدينة تلعفر! كما لم يتحدث عن طبيعة القوات التي ستدخل اليها، وقد ترك الأمر لمليشيا الحشد الشعبي حصرا! فرئيس هيئة الحشد الشعبي (وهي الهيئة التي تشكلت في اعقاب سيطرة تنظيم الدولة/ داعش على الموصل، من خلال أمر ديواني أصدره رئيس مجلس الوزراء، في انتهاك صريح للدستور العراقي الذي حصر تشكيل الهيئات بقانون يصدر عن مجلس النواب!) قال في بيان صدر في 29 تشرين الاول/ اكتوبر إن واجب مليشيا الحشد الشعبي هو استعادة تلعفر، وان هذا الواجب جزء من الخطة العسكرية لاستعادة الموصل. وقد سبق هذا الإعلان الرسمي إعلان الناطق الرسمي باسم مليشيا الحشد الشعبي أحمد الأسدي في 27 من الشهر نفسه، أن رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي قد كلف هذه المليشيات باستعادة تلعفر. ومع كل هذه التأكيدات، لم يصدر أي تصريح عن أي مسؤول أمريكي بهذا الشأن، بل لم تذكر مدينة تلعفر مطلقا في أي تصريح أمريكي يتعلق بمعركة الموصل!
تشكل تلعفر هدفا جيوسياسيا لإيران في إطار مشروعها الخاص بالوصول إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، فهي المفتاح لتحقيق حلم إيران بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، لغرض تكريس هيمنتها السياسية في هذه المنطقة، وايجاد طريق بري «آمن» بينها وبين سوريا والبحر من جهة، ولبنان حزب الله من جهة اخرى، فضلا عن الإمكانات الاقتصادية التي يوفرها هذا الطريق لعبور النفط والغاز الإيراني في مرحلة لاحقة. وقد نشرت الغارديان في 8 تشرين الاول/ اكتوبر خريطة لما أسمته «ممر إيران إلى البحر الأبيض المتوسط»، والذي يمر ببعقوبة ثم الشرقاط ثم تلعفر فسنجار، وصولا إلى معبر ربيعة، فالقامشلي فحلب وصولا إلى اللاذقية. إلا أن الخارطة التي تفترضها الغارديان مستبعدة تماما. ففضلا عن بعد المسافة، يمر هذا الخط المفترض بمناطق «سنية» خالصة، كما يمر بمنطقة سنجار التي يعدها إقليم كردستان جزءا من المناطق المتنازع عليها، وكان يسيطر عليها تماما قبل سيطرة تنظيم الدولة/ داعش عليها. واليوم يتقاسم النفوذ فيها الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي مع حزب العمال الكردستاني التركي! كما ان الحديث عن معبر يمر بالقامشلي وصولا إلى اللاذقية، يعني انه سيكون خاضعا لتطورات المسألة الكردية شمال سوريا وتعقيداتها المحلية والإقليمية، وهو ما يجعل المشروع غير قابل للتحقيق.
اما ما هو متحقق فعليا فهو خط الحرير الإيراني الجديد الذي يمتد عبر معبر سومار في مندلي، وهو المعبر الذي تم استحداثه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014! بعد ان كان المنفذ الحدودي الرئيسي في محافظة ديالى هو معبر المنذرية في خانقين! ومن الواضح ان الغاية من المعبر الجديد كانت محاولة تحييد أي دور كردي في الخط الجديد، وذلك بسبب سيطرة قوات الاتحاد الوطني الكردستاني على منطقة خانقين بوصفها منطقة متنازعا عليها. ومن المعبر الجديد مندلي سيمر الخط بمحافظة ديالى والتي تحولت إلى إقطاعية معلنة للمليشيات، بغطاء حكومي، ليمر بعدها إلى محافظة صلاح الدين، جنوب مدينة سامراء، وهي المدينة التي يراد فصلها أيضا عن محافظة صلاح الدين وإعلانها محافظة، تماما كما تلعفر، تهيمن عليها مليشيات الحشد الشعبي أيضا، وصولا إلى مناطق جنوب محافظة تلعفر المستقبلية، التي لن تقتصر بالتأكيد على حدود القضاء الحالية، بل ستمتد جنوبا لتشمل مناطق من قضائي الحضر والبعاج، جنوب غرب الموصل، لتأمين الاتصال بالحدود السورية. فهذا الخط، فضلا عن قصره قياسا إلى الخط السابق (تبلغ مسافة الطريق الذي تفترضه الغارديان أكثر من 550 كم، في حين لا يزيد الخط الثاني عن 430 كم)، سهل التأمين، ومسيطر عليه فعلا، باستثناء المناطق الصحراوية المحاذية للحدود السورية.
هذا الطريق سيسهل على إيران أيضا تصدير الغاز (تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطي للغاز)، بدلا من اعتماد خط أنابيب الغاز الطبيعي عبر الاناضول/ تركيا لنقل الغاز إلى أوربا. فضلا عن إمكانية اعتماد الطريق نفسه لتصدير النفط الخام. وسبق لإيران ان وقعت في في تموز/ يوليو 2011 اتفاقية مع العراق وسوريا لمد انبوب لنقل 110 مليون متر مكعب من الغاز يوميا عبر العراق وسوريا إلى البحر الأبيض المتوسط ثم أوربا، ولكن الأوضاع الأمنية في البلدين منعت ذلك حتى الآن.
تلعفر أذن في هذا السياق، هدف مزدوج، لمليشيا الحشد الشعبي من جهة، في إطار صراعها الطائفي المحلي على الهيمنة على المدينة، وللمليشيات نفسها بوصفها ذراعا إيرانيا، في سياق الصراع الإقليمي، ومحاولات فرض واقع جيوسياسي جديد في المنطقة الممتدة من إيران إلى البحر المتوسط، مرورا بالعراق وسوريا ولبنان. وبوصفها هدفا محليا، مع دخول المليشيات إلى المدينة، سيستتبع عملية انتقام طائفية، فضلا عن تغيير ديمغرافي قسري لضمان استمرار هيمنة الأقلية التركمانية الشيعية على المدينة مستقبلا من دون أية تحديات. وهو ما سيدفع تركيا للتدخل العسكري المباشر. ولكن هذا التدخل لن يكون بالتأكيد إلا بموافقة أمريكية، ضمنية او صريحة. فتركيا التي تشتبك في صراع غير مباشر مع إيران في سوريا، وتشتبك بشكل مباشر مع قوات سوريا الديمقراطية التي يهيمن عليها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري (بي واي دي) والذي يهيمن على قوات سوريا الديمقراطية بمشاركة قوات حماية الشعب الكردية (واي بي جي)، وكلاهما حليف لحزب العمال الكردستاني (بي كي كي)! لا يمكنها الوقوف متفرجة على التحرك الإيراني في العراق، مع وجود مؤشرات حقيقية على تعاون إيراني مع حزب العمال الكردستاني الذي استغل الوضع العراقي المفكك ليسيطر على قوس واسع من الاراضي يمتد من زمار إلى سنجار!
اما الولايات المتحدة الصامتة تماما، فهدفها الرئيسي هو طرد تنظيم الدولة/ داعش من المدن التي سيطر عليها، تمهيدا لهزيمته لاحقا! مع غياب الرؤية لما بعد تنظيم الدولة/ داعش، وعلى الاغلب سيحاول المنتصرون على الأرض فرض رؤاهم وخرائطهم، وهو ما سيضطر الأمريكيين إلى البحث عن تكتيك مرحلي آخر للاحتواء، وتوزيع الأدوار، الأمر الذي يؤكد ان العراق ما زال بعيدا تماما عن مرحلة الاستقرار الحقيقي.
٭ كاتب عراقي
يحيى الكبيسي