«كفر قاسم» في جغرافية فلسطين، هي مجرد قرية وادعة صغيرة، لا يميزها شيء عن أي قرية فلسطينية اخرى. اما «كفر قاسم» في الوجدان الفلسطيني فشيء آخر مختلف تماما. وهي، بفعل كلام سمعناه منها قبل ايام، جديرة ومؤهّلة لأن تكون قدوة لملايين من الفلسطينيين، على صعيد آخر بالغ التاثير على مستقبل الشعب و مجمل القضية الفلسطينية.
نبدأ من التاريخ القريب، للتعريف لمن لا يعرف، وللتذكير لمن يعاني من لعنة النسيان، (او ربما المحظوظ بنعمة النسيان!)، فنقول ساردين عذابات ومحنة «كفر قاسم»:
قبل ساعات قليلة من بدء العدوان الثلاثي على مصر، وتحديدا: بعد ظهر يوم الاثنين، 29/10/1956، اصدر ديفيد بن غوريون، رئيس الحكومة الاسرائيلية، وبصفته وزيرا للدفاع، أمراً بفرض منع التجول على قرية كفر قاسم، المحاذية لحدود الضفة الغربية.
وتُبيّن وثائق تلك الحقبة، ان ضابط جيش الاحتلال الاسرائيلي المسؤول عن المنطقة التي تشكل كفر قاسم جزءاً منها هو يِشكا شِدمي، الذي مرّر بدوره امر فرض منع التجول على القرية، إلى قائد كتيبة حرس الحدود المكلفة بالمسؤولية عن القرية، وهو الضابط شموئيل مالينكي. وعندما سأل مالينكي شدمي عن طريقة وكيفية فرض منع التجول، كان جواب شدمي: باطلاق النار. وعن سؤال ماذا بخصوص ابناء القرية الذين يعودون إلى قريتهم بعد ساعة فرض منع التجول، دون ان يكون لديهم علم مسبق بفرض منع التجول، كان رد شدمي (بلهجة عربية عامية): «الله يرحمو»، أي ما معناه اطلاق النار بهدف القتل. وهذا هو ما تم بالفعل. حيث قُتل في ذلك المساء الدامي، ثمانية واربعون شخصا من اطفال ونساء ورجال كفر قاسم، العائدين إلى بيوتهم من عملهم في المدن الاسرائيلية، ومن حقول الزيتون الذي تصادف موسم قطافه مع ذلك اليوم المشؤوم. وكان بين الضحايا امرأة حامل، قُتل جنينها في رحمها، فاعتمده ابناء كفر قاسم ضحية حرمته اسرائيل من ان يرى النور والعالم ولو للحظة واحدة، و»قطفته» حتى قبل ان يحظى بإسم.
ولأن لـتطبيق «العدل» الاسرائيلي معاييره واساليبه الخاصة، فقد قضت المحكمة بسجن المتورطين بتنفيذ مجزرة كفر قاسم لمُدد متفاوتة، لكن رئيس هيئة اركان جيش الاحتلال الاسرائيلي خفّض تلك الاحكام لاشهر قليلة، ولحق به رئيس دولة الاحتلال باصدار قرارات عفو عن القتلة. اما الضابط الكبير، صاحب «الله يرحمو»، يشكا شدمي، فقد حُكم بغرامة مالية «باهظة»، مقدارها «عشر اغورات»، أي عشرة ملاليم، أي قرش واحد، واصبح لدى العرب واليهود في اسرائيل، تعبير مُعبِّر جديد هو «قرش شدمي»!!.
احد الجنود الذين شاركوا في تلك الجريمة/المجزرة، واسمه شالوم عوفر، (كما اورد ذلك عوفر اديرت، محرر الشؤون التاريخية في صحيفة هآرتس يوم الجمعة الماضي)، قال في مقابلة عام 1986، بمناسبة مرور ثلاثين سنة على المجزرة، اجرتها معه داليا كاربل، ونشرتها جريدة «هعير» التي تصدر في القدس: « لقد كنّا مثل الالمان، فهم ايضا اوقفوا السيارات وانزلوا اليهود منها واطلقوا عليهم النار. وهكذا فعلنا نحن، لا فرق بيننا وبينهم. نفّذنا الاوامر، كما نفّذ الجندي الالماني الاوامر التي وجِّهت اليه بقتل اليهود».
في محاضر جلسات المحكمة، سأل القاضي بنيامين هليفي، احد الجنود الذين شاركوا في تلك الجريمة: «هل كنت تبررعمل جندي الماني انضبط ونفّذ الاوامر؟». وتشاء الصدف ان القاضي هليفي نفسه كان واحدا من هيئة القضاة في محكمة مجرم الحرب النازي ادولف آيخمان، بعد تلك الحادثة باربعة اعوام، سنة 1961، حيث ادّعى آيخمان انه كان «ينفّذ الأوامر»، ولكنه حُكم بالاعدام، وتم ذرّ رماده فوق البحر الأبيض المتوسط لكي لا يشكل قبره مزارا لنازيين جدد.
كل هذا عن التاريخ لواحدة من اكثر القصص والاحداث الدامية رسوخا في وجدان وضمير الفلسطينيين في اسرائيل. لكن: ماذا عن الحاضر؟ وأهم من ذلك: ماذا عن المستقبل؟
تعلمّنا من آخر الاخبار من كفر قاسم، بمناسبة الذكرى الستين للمجزرة، التي احيتها البلدة نهاية الاسبوع الماضي، ان المطالبة بالتعويض لا تعني نسيان المجزرة ولا مسامحة مرتكبيها. فتحت شعار «لن ننسى، ولن نسامح»، يقول غازي عيسى، احد الناشطين من ابناء كفر قاسم، ردا على سؤال ما اذا كانت وُجِّهت دعوة لبنيامين نتنياهو لحضور ذلك الحفل: «لا، نحن لا نوجه دعوة لمن يمثّل القتلة. في الوسط العربي عندنا، لا يدخل القاتل بيت القتيل الا وفق شروط، هي:
ـ ان يقول: انني اعترف، لقد فعلت ذلك.
ـ ان يقول: ها هي رقبتي بتصرفكم، افعلوا بها ما شئتم.
ـ ان يقول علناً وامام الجميع: انني اطلب السماح.
ـ ان يدفع الثمن.
في حال موافقة نتنياهو (على الالتزام بهذه الشروط)، اهلا وسهلا به».
اما ابراهيم صرصور، رئيس المجلس المحلي لكفر قاسم سابقا، وعضو كنيست سابق عن الحركة الاسلامية الجنوبية، فيقول بشكل اكثر وضوحا: « لقد جلس بن غوريون مع قاتلي الشعب اليهودي، (عام 1952)، ووقع معهم اتفاقا، ما زالت المانيا تدفع بموجبه لاسرائيل حتى اليوم. وفي حالتنا الراهنة، فاننا نحن الضحية، نحن مثل اليهود في مواجهة المانيا. صحيح ان اليهود ليسوا نازيين، لكنهم قتلوا ابناء شعبي، قتلوا فلاحين بسطاء ونساء وشيوخا واطفالا… آن الأوان لأن يجلسوا معنا كما جلس الألمان معهم، وان يقدموا لنا ما طالبوا الألمان به. نحن الضحية، ونريد ان نشعر بان من ارتكب المجازر بحقنا بدأ يشعر بآلامنا».
لأول مرة منذ النكبة عام 1948، ومن «كفر قاسم» بالذات، انطلقت اصوات قيادات محلية فلسطينية عاقلة، تتحدث بلغة العصر ومفرداته وقِيَمه ومقاييسه، تقول دون دجل ولا خوف، وتحت شعار «لن ننسى، ولن نُسامح»، مثل هذا الكلام الصريح والواضح. آن لقيادة فلسطينية شجاعة، ان تقول في مواجهة الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل، وفي مواجهة بريطانيا: إنّ لنا حقوقا مادية ومالية عندكم يجب عليكم تسديدها. لا نقبل ان نظل شعبا مُتسوِّلا يمد يده على قارعة الطريق لـ»محسنين» ولـ»دول مانحة». آتونا حقوقنا.
ليس جدار العزل، ولا الحواجز العسكرية، اكثر سوءاً من «الحاجز الاقتصادي». معدل دخل الفرد في اسرائيل اكثر من خمسة وثلاثين الف دولار سنويا، في حين انه في الضفة الغربية بحدود الف وخمسمئة دولار، هو في غزة بحدود الف دولار فقط، ما يعني ان دخل الفرد في اسرائيل يساوي 35 ضعف دخل الفرد في اسرائيل.
لا مصلحة للشعب الفلسطيني في قيام «دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس العربية» بمثل هذا الدخل وهذه المقاييس. إما ان يدفعوا ما لنا من حقوق مادية عندهم، لنصل إلى مستوى دخلهم وحياتهم، او نستمر في محاولاتنا انزالهم إلى مستوى دخلنا وبؤس حياتنا. لمصلحتنا، ولمصلحتهم ايضا، ان نبحث عن الحل الايجابي لهذه المعادلة البسيطة.
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور