دار المعلمين العليا في تونس: الدولة ضد الطلاب

حجم الخط
0

تونس – خلود العدولي: ككل بداية سنة جامعية جديدة، اعتادت دار المعلمين العليا في تونس خوض معركة حادّة ضدّ من أنساهم التاريخ عراقة هذه المؤسسة، وضدّ من يتواطأون لضرب التعليم العمومي وتحويل تدريس النخبة إلى شعار تجاري ترفعه الجامعات الخاصّة.
تعتبر دار المعلمين العليا من أعرق المؤسسات الجامعية، حيث فتحت أبوابها للتدريس منذ الاستقلال وتعهّدت بتكوين الإطارات المشرفة على البحث والتعليم. ورغم تغير مقراتها وجهات تواجدها، إلاّ أنها حافظت على أهدافها الأساسية وهي تكوين أساتذة أكفاء يدخلون الدار إثر مناظرة لا ينجح فيها سوى المتميزين؛ من أجل التحضير لشهادة الإجازة الأساسية في اللغات أوالعلوم الإنسانية أوّلا، ثم المرور بسنتين تشكلان المرحلة التحضيرية لشهادة «التبريز».
مؤخرا، بدأت سياسات الدولة في التعليم تتنّكر لقيمة مناظرة «التبريز» ممّا جعلها هذا العام تقام في ظروف سيئة. حيث لم يصدر من وزارة التعليم العالي أي بلاغ عن موعد انطلاق المناظرة حتى نهاية شهر حزيران/يونيو. علما أنّ موعد المناظرة منذ سنوات هو شهر تموز/يوليو، ممّا جعل الطلبة في حيرة، أضف إلى ذلك الأخبار التي تناقلتها المواقع في تلك الفترة عن إمكانية إلغاء المناظرة هذه السنة تماما. ممّا جعل الطلبة يغلقون كتبهم ويتوقفون عن المراجعة متهيئين للاحتجاج والدفاع عن مناظرة بذلوا من أجلها خمسة سنوات من الدراسة.
أخيرا، أعلنت الوزارة أنّها لن تلغي المناظرة وأنّها ستقام في شهر أيلول/سبتمبر! ورغم الارتباك وقلة الاهتمام والظروف السيئة فقد أكّد طلبة دار المعلمين العليا مرّة أخرى على أنّهم قادرون على تحدي كل الظروف.
إنّ النخبة التي تكوّنها دار المعلمين العليا تعيش ظروفا قاسية لا تليق بها حيث صدم الجميع منذ بداية السنة بغياب أبسط الحقوق: أهمها المنحة التي لا تكاد تكفي لشراء بضعة كتب؛ حيث تأخر صرفها حتى منتصف شهر تشرين الاول/أكتوبر، كما لم تدرج الزيادة فيها إلى الآن رغم قرار الزيادة الرسمي والذي ينصّ على أن موعد استحقاقها هو بداية السنة الجامعية، بالإضافة إلى غياب قاعات للمراجعة وغياب ميزانية مرصودة للنشاط الثقافي وترّدي خدمات الإنترنت بالمبيت والمؤسسة، زد على ذلك النقص الكبير في المراجع والكتب بالمكتبة وتنظيمها العشوائي. ناهيك عن تواجد كاميرات المراقبة في كل مكان لتجعلك تحسّ بأنك سجين في معتقل أو مصحة نفسية.
إنّ مشروع التخلّي عن دار المعلمين العليا ينفذ خطوة خطوة، وما تعيشه الدار اليوم هو حرب بأتّم معنى الكلمة؛ حرب مرحلية ومجزّأة تهدف لتعجيز الطلبة وتنفيرهم من الالتحاق بها حتى يصبح إغلاقها في النهاية أمرا لا يحتاج إلى تبريرات.
إن مدارس المعلمين في فرنسا وغيرها توّفر إلى الآن أفضل الظروف لطلبتها من أجل التميّز، من رحلات بحث إلى أن أجدّ الكتب والمراجع، أمّا في تونس فإنّ الدولة أثبتت فشلها المستّمر في الاستثمار المعرفي متخلّية عن شباب ترك عائلاته على بعد مئات الكيلومترات من أجل التميّز والمساهمة في تطوير هذا الوطن في واحد من أهم قطاعات الدولة وهو التعليم الثانوي والجامعي. فإلى متى تستمر هذه المجزرة التي ترمي بالنخب الجامعية نحو النكران والعجز؟

دار المعلمين العليا في تونس: الدولة ضد الطلاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية