«مناجم الحزن العربي» لتهامي الهاني: عودة بعد أكثر من ثلاثين عاما

حجم الخط
0

بعد أكثر من ثلاثين عاما من طبعته الأولى في بداية الثمانينات (1984) أعاد الكاتب تهامي الهاني طبع عمله الإبداعي الأول «حكايات من مناجم الحزن العربي» بعد سلسلة من الإصدارات طوال هذه السنوات بلغت حوالي ثلاثين عملا جمع فيها بين الشعر والمقال السياسي والدّراسة الأدبية والفكرية… هذا الكتاب العائد إلى الساحة الثقافية يكتسي بعدا خاصا فلقد طبع في فترة مهمة من تاريخ تونس الثقافي برزت فيها نزعات التجديد والتغيير وارتطم الإبداع بالواقع السياسي والاجتماعي المتأزم محليا وعربيا.. لقد كانت تلك الفترة على المستوى الأدبي فترة تأسيس للمشهد الشعري الجديد ومحاولة جيل من الكتاب الجدد آنذاك افتكاك المشعل عن جيل الاستقلال، وهي الأسماء ذات الطابع الكلاسيكي التي ترسخت في الأذهان ونالت رمزية في المشهد الأدبي التونسي وحظت باحتضان السلطة. وقد اتجه الجيل الجديد نحو محاربة التوجه الكلاسيكي في الكتابة وهو ما دفع إلى الخوض في إشكاليات تتصل بتجديد الكتابة مثل، جدل التفعيلي والعمودي والنثري، وجدل الكتابة بالفصحى وباللهجة المحلية وهي مواضيع برزت منذ ظهور التجريب الطليعي وتعمّقت بعد انعقاد عدد من المؤتمرات الأدبية الشعرية في الثمانينيات مثل ملتقى شعراء الجريد وملتقى الحمامات. ويعتبر الكاتب تهامي الهاني من الوجوه التي ساهمت في ذلك الحراك بنصوص نقدية وإبداعية مختلفة وساهمت في الجدل حول جملة من المسائل.
لا يخلو هذا العمل من جهد تجريبي ومحاولات متعددة للبحث عن الشكل الشعري الجديد فحينا يتجاوز الكاتب معايير الجنس الأدبي المتفق عليها فينتقل من الشعر إلى النثر وحينا يتوغل في التراث باحثا عن أصوات تاريخية وحينا آخر يقلب المشهد اليومي معتمدا صيغه وأشكاله، فالمجموعة تدخل ضمن كتابة النص المفتوح، فرغم الطابع الشعري تبدو الهوية الأجناسية للمجموعة مقامة على طابع الاختلاط ومحو الحدود والسير في درب كتابة تجمع كل الأشكال التعبيرية وهو ما جعل الشاعر يحجم في عتبات كتابه عن وصفها بمجموعة شعرية إذ اكتفى بمصطلح مجموعة تعبيرية …
وقد اهتم الهاني في بداية عمله بالجانب النظري الشكلي فحاول طرح منهجه الشعري فاتحا الباب لتجربة تحتضن كل أنواع الشعر من عمودي وتفعيلي ونثري معتقدا «أن المضامين أزلية، أما الأشكال التعبيرية فتتغير»، ولهذا «مزجت بين النثر في تنوعه والشعر في تعدد هندسته فكان الشعر عموديا مرة ومرة أخرى أحادي التفعيلة وفي مرحلة ثالثة تحرر من التفعيلة، أي ما يعرف بقصيدة النثر أو ما يسميه بعضهم إبداعا». وهو بهذا التوجه يمارس نوعا من التجريب الشعري وتعتبر كتابته خليطا من الأنواع الشعرية يمتزج فيها الشعري بالسردي مثلما نقرأ في نص لوحات من أزمنة الرسم على الجبين: «كان راعيا.. أمضى حياته يلهث خلف فحول الإبل العنيدة وفي زمن الوجود واللاوجود بدأ الرجل في حقن عرقه في شبّابته حتى امتلأت، لكن السّماء حينها جفّت فكشطت وهلع الناس طبعا من شرّ قحط عامر. راح الرجل يسقي المزروع ويروي النبات من سلسبيل ماء الشّبابة إلى أن تفطّن إليه القوم وعلم بأمره السلطان».
أما المظهر الثاني من مظاهر التجريب فيتعلّق بالتوجه نحو التراث العربي وجلبه من سياقاته التاريخية والأدبية إلى سياقات جديدة، فنجد استعادة لعنترة وقميص عثمان وعروة بن الورد وسوق عكاظ وبني عذرة وكتاب الحيوان وغيرها من الاشياء التراثية ومزج لها باللحظة المعاصرة بأسلوب لا يخلو من سخرية:
-»خبر عن وكالة أنباء خاصة
أحاطني علما أحد سماسرة العصر إنه جاء في تقرير قاضي البصرة حسب شريعة حمورابي العصر الآتي ما يلي».
خطبة عروة في سوق عكاظ
قال عروة
يا زماننا شقيا بالغدر والمقصلة
عشتك أذرع الليل
وأركض الصحراء
لافقأ العيون
وأجدع الأنوف…»
في مضارب عبس
يا عنترة الليل والخيل
يا فارس عبس
هل أتتك صرخة ضارعة عبر القرون
ارتجت لها القيم
وحاصر الإنسان الإنسان
أما المظهر الثالث فيكمن في استدعاء عدة أشكال تعبيرية معاصرة مثل الأخبار الصحافية والبلاغات المختلفة واتخاذها جبة للكتابة:
*بلاغ رقم8491
هجين تاريخك
يتركني نهبا للقلق
يصفعني بومض أوشك أن ينفلق
ويسألني إن مارست الرقص صدفة
*بيان
أيها الشعراء الملوك
في الحلق تخثرت الكلمات
ونار الشعر هجرت مواقدها
لقد مثل كتاب «من مناجم الحزن العربي» عملا تجريبيا سباقا في أوانه ولعله يكتسب أهمية أخرى من توجهه الأيديولوجي، حيث يبدو الكاتب حزينا على الوضع العربي ومصورا للكثير من الأحزان والجراح العربية متوقفا عند محطات عربية حزينة كان لها صداها آنذاك في نفسية الإنسان العربي
بيروت على اللافتات ينحت الفقراء ملاحمي
على الواجهات يرسم الأشقياء محنتي
ونساؤك يا بيروت يبحثن عن خبز لأطفال ما عرفوا الجوع في ليالي حظر التجول…
يا مدينة تغترب في رحلة الحناجر
هذي جماجم الأبرياء تنبت أقواسا لنصرك
هذي جحافل الأبرياء تلهث خلفك
«مناجم الحزن العربي» كتابة برغبة التجاوز والبحث عن أشكال جديدة وصرخات في زمن عربي مؤلم تعود بعد أكثر من ثلاثين عاما لتجد الحال العربي أشد بؤسا…

٭ ناقد تونسي

«مناجم الحزن العربي» لتهامي الهاني: عودة بعد أكثر من ثلاثين عاما

رياض خليف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية