‘لا ثورة ثانية في مصر’ قال الرئيس المصري المخلوع ـ المعزول في رأي البعض- الدكتور محمد مرسي. قالها بصريح العبارة، لكن الشارع رد له الجميل بصريح العبارة أيضا. فهل وقع انقلاب على الديمقراطية والشرعية في مصر، أم لم يقع أكثر من محاسبة فصيل سياسي على أدائه بالدعوة إلى إقامة انتخابات مبكرة؟ قد يقول قائل إن السؤال يظل مفتوحا، ولكن بالإمكان الإجابة أيضا على هذا السؤال المفصلي بأن الشعب يمنح ثقته متى يشاء، كما يمكن له أن يمنعها عن وارثها متى يشاء أيضا، على ضوء استثنائية معطيات موضوعية، والمعطيات الموضوعية هنا نجملها في ما يلي : يحكى عن آخر الأزمنة وأكثرها معاصرة أن اتفاقا يدعى فيرمونت رسم إطارا كان يتوجب على رئيس الدخول فيه بالمسار الديمقراطي ‘لاستكمال بناء مؤسسات الدولة بشكل منظم’، لكن يحكى أيضا عن قريب الأزمان وسالف الأيام أن الرئيس انقلب على هذا المسار فوضع إعلانا دستوريا كرس كل السلطات او السواد الأعظم منها بين يدي رجل واحد أو قل ـ إن اردت الدقة ـ جماعة واحدة . فكان يا مكان في حديث الزمان أن دستورا صدر وجرى بشأنه استفتاء لم يكن عليه إجماع اصلا، ثم كان يا مكان في حديث الزمان أن عزز هذا الدستور من سلطات الرئيس الى درجة أن تدخل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية أحدث ما عرفناه من ذروة انقسام داخل جهاز القضاء المصري ترتبت عن عزل أحد أكثر الشخصيات السياسية المصرية تمتعا بالاستقلالية، وهو النائب العام فإعادته في منصبه قبل أيام تحت وطأة ضغط شديد. تواصلت قصة ‘مصر الديمقراطية الحرة’ بتعيين المحافظين الجدد وما أحدثه هذا التعيين من جدل كان بالإمكان تفاديه بمنتهى السهولة. فلا داعي هنا الى استحضار فصل محافظ الأقصر من القصة. كفانا استذكارا ما ينجر من استياء عام عن ممارسة تقوم على تعيين الحاشية والأقارب وحاشية الأقارب وأقارب الحاشية، وهي خطة يبدو أن مجتمعنا المعاصر يضرب فيه أرقاما قياسية. ثم تتابعت ولا تزال قصة ‘مصر الديمقراطية الحديثة’ بفصل جوهري يحمل عنوان: الخبز والكهرباء والطاقة وغيرها من الأحوال المعيشية والاقتصادية والاجتماعية للشعب المصري . فحدث ما حدث من أن قاعدة شبابية واسعة نجحت في التحرك لكنها، بكل منطقية، أخفقت في ملء فراغ السلطة، فتطوعت بمد ‘يد العون’ لها فصيلة لبست ثوب الليبرالية والاعتدال يصاحبها باع طويل في العمل الخيري قبل ان يصطدم الجميع بواقع مرير شعاره ‘أن تحكم بلدا غير أن تنخرط في إيديولوجيا.’ فلا عجب أن تدخلت آنئذ شخصية بارزة لتتبوأ دورا مركزيا في قصة ‘مصر الحرة الديمقراطية الحديثة’، إنها شخصية الاستقطاب، فقسمت الساحة إلى قطبين أحدهما ‘علماني’ وثانيهما ‘إسلامي’، مطلقة للتداول توصيفات وتوصيفات مضادة، ضاربة أولويات البلد بعرض الحائط. وفيما غدت ‘شخصية’ الاستقطاب تشغل مكانها من سيناريو القصة، ظهرت شخصية جديدة على المشهد بكل منطقية أيضا، وهي شخصية لا هذا ولا ذاك، تحمل اسما آخر أيضا هو الشعب، تراقب ‘معركة القطبين’ بذهول، واقفة على مبعدة من الحشد والحشد المقابل، فيما يخيب أملها تدريجيا من التفاف القطبين لمطالبها. و’إذا كانت تتوزع ولاءات المصريين السياسية بين مؤيد لرئيس الجمهورية ومعارض له’، كما يحلو لفضائيتنا الغنية عن التعريف أن تقول، فثمة أيضا مجموعة اخرى لم ‘توزع’ ولاءها سوى للكهرباء والطاقة والخبز، وهي الأغلبية الصامتة التي سئمت من دخول المعترك السياسي في صدام بين مرجعية دينية تقودها جماعة الإخوان المسلمين، التي أعلنت بالمناسبة اعتزالها عن العمل السياسي، ومرجعية ‘مدنية ـ علمانية’ تضم الأحزاب الملتفة تاريخيا حول مشروع عربي قومي. خاضت هذه الأغلبية الصامتة حركة لا علاقة لها بالمعارضة، بل بالسياسة أصلا فتكلمت. تكلمت فنطقت باسم مكون غيبته أذهان الكثيرين، وهو المزاج المصري. جبت مصر وقطعت فيها أشواطا وخبرت القاهرة في الصميم عندما قمت بدارسة بحث في المعهد الأثري الفرنسي بالمنيرة سنة 2005 فاختلطت بالناس وطال النقاش، فوجدت مزاجا مصريا معتدلا منفتحا محبا للتواصل الفكري، هاويا للفكاهة والتندر إلى درجة كبيرة. فلا أتصور أن يقبل هذا المزاج أن تفرض عليه نموذجا او وصاية أو الاثنين معان ولو باسم الدين. صحيح أن مبادئ الديمقراطية تحتم أن تراد جماعة الإخوان المسلمين وأن يراد معها التيار الإسلامي بكامله شريكين طبيعيين في الساحة السياسية، لكن تحتم الديمقراطية أيضا أن تقبل جماعة الإخوان المسلمين وان يقبل التيار الاسلامي معها، التيار المدني ـ العلماني شريكا طبيعيا أيضا في الساحة السياسية. وبعيدا عن معادلات التحزب والاستقراء الفئوي للمشهد السياسي المصري دعونا نلقي نظرة للأمور مبنية على ما جعلت السياسة من أجله اصلا، وهو البحث عن حلول لمشاكل الناس. ولا شك أن حكومة كفاءات، حكومة تكنوقراط، تظل اكثر ما تكون مصر بحاجة إليه حاليا. فحظ سعيد للرئيس الجديد عدلي منصور ولرئيس الوزراء حازم الببلاوي اللذين يقع على عاتقيهما، في هذه الفترة الانتقالية التي تضرب موعدا جديدا مع التاريخ، كتابة سطور جديدة لمصر جديدة.