ليس هناك من رذيلة اشنع من الجهل، ولا حماقة اكثر من ان يدعي خيال ضحل قدرته على ايجاد مخرج لازمة. هذا ما تميز به الانقلابيون في مصر، وعلى رأسهم الفريق عبد الفتاح السيسي، خاصة بعد ان فشلوا في مواجهة التحديات التي تعصف بمصر، مما جعل البلاد تغوص تدريجيا في حالة من الفوضى والعنف . فقد اثبتت الاحداث المتسارعة التي عاشتها مصر خلال الاسبوعين الماضيين، وما سقط فيهما من ضحايا، ان قيادة القوات المسلحة المصرية غير قادرة على جلب الهدوء او اشاعة القليل من الامن، كما اثبتت تصرفاتها، انها ليست لاعبا محايدا في الحياة السياسية التي اعقبت الانقلاب، وان تورطها في مقتل معتصمين امام مقر الحرس الجمهوري، أزم الوضع السياسي والامني، وجعله مرشحا لان يشهد المزيد من الصدامات، ويجنح بقوة نحو اتجاهات قاتمة . لقد وسوس شيطان السلطة لمدبري الانقلاب لان يسارعوا إلى اصدار شهادة وفاة لجماعة الاخوان المسلمين ولذراعها السياسية المتمثلة في حزب الحرية والعدالة، ثم شرعوا في اجراءات دفن جماعي لهما، مبتدئين بتغييب الرئيس محمد مرسي، وزجه في مكان مجهول من دون تمكينه من الاتصال بذويه، مرورا باعتقال كبار قادة الإخوان، واغلاق المحطات الفضائية الناطقة باسمهم، او المؤيدة لهم، واقفال مقارهم الرئيسية في خطوة اقل ما يقال عنها انها قمعية. بدت جماعة الاخوان للوهلة الأولى وكأنها قد اصيبت بصدمة سياسية قاسية، وتم تصوير أعضائها، على الفور، على انهم كائنات من فضاء سياسي آخر، وعومل قادتها كما لو انهم خارجون على القانون، وأُقصِيَ الاخوان تماما عن المشهد السياسي المصري، اثناء الحفلة التنكرية الانقلابية، وبُدئ على الفور بترتيب المسرح لاستقبال ابطال الفيلم الانقلابي المدبلج، ثم اعقب ذلك فلتان اقلام وألسُن الشَامِتين، اذ شرعوا يؤرخون لعهد جديد خال من الاخوان المسلمين ويبشرون بزوالهم عن الخارطة السياسية ليس في مصر فحسب، بل في الشرق الاوسط، وترافق ذلك مع دعوات تطالب بان ينال كل مجتهد من الاخوان نصيبه من الاثم الذي اجتهد به. وهكذا بدأت السماء تمطر بالبشائر المزيفة على الذين منحهم السيسي الصفة التمثيلية المطلقة للشعب المصري، بينما كانت سحب الغضب والألم تعلو ميدان رابعة العدوية، لينقسم الشعب المصري إلى فريق في جنة الحكم، وآخر في نار الاقصاء. لم تَدُمْ فرحة الاقصائيين طويلا، اذ سرعان ما تبين- بعد بدء الاعتصام امام مسجد رابعة العدوية- ان جماعة الاخوان لا تزال على قيد الحياة، وأنها لا تزال تحظى بالكثير من الدعم والتأييد. كما ادت المجزرة التي تعرض لها مناصروها امام مقر الحرس الجمهوري، ونفي المتحدث باسم القوات المسلحة تحمل المسؤولية عنها، الى ارتفاع شحنة الغضب لدى قطاعات واسعة من الشعب المصري، واسس هذا الحدث لتحولات على المستوى السياسي، انعكس في انسحاب بعض الاطراف من خارطة الطريق، واعتكاف البعض الاخر. في هذه الاثناء كانت جماعة الاخوان قد التقطت أنفاسها، واخذ حزبها يستعيد احدى اهم وظائفه الدعائية الاساسية، وبدأ بنشر فضائل الرئيس المعزول محمد مرسي بين الجماهير، وإعلان مواقفه المبدئية الصلبة الداعية الى المحافظة على الشرعية الدستورية، كما قام الحزب بمواجهة الآلة الاعلامية التي تقف وراء الانقلاب، ووفق الى حد ما في دحض الدعاية المضادة عبر استعانته بوزراء عملوا الى جانب الرئيس المعزول، ليقوم هؤلاء بعرض موجز لأهم انجازات مؤسسة الرئاسة وبعض الوزارات، كذلك قام الوزراء بشرح الظروف التي رافقت فترة عملهم، والصعوبات والعراقيل التي واجهتهم، وقد حدث ذلك كله على منصة ميدان رابعة العدوية، ليتاح للمعتصمين هناك، كما للرأي العام، ان يتعرف على بعض مجريات الامور التي كانت قبل الانقلاب. وبذلك تمكن الاخوان من استرجاع القدرة على التأثير في الشارع المصري، واثبتوا في فترة وجيزة، انهم لا زالوا بارعين في الحشد، واستخدام التقنيات المعاصرة المؤثرة في الجماهير، واستحضار الخطاب الديني، فاستعادوا زمام المبادرة وأعادوا ترتيب أوراقهم، كما اعادوا توزيع الادوار على كادرهم الحزبي، ليبدأوا في شن هجومهم المضاد، الذي ستظهر فاعليته في الجمعة الاولى من شهر رمضان المبارك. ليس بمقدور السيسي وأعوانه ايقاف الحراك القادم، او تسيير الامور باتجاه آخر، لأنهم وببساطة لم تكن لديهم آلية صالحة لتقييم الاوضاع، فموجة الاعتقالات السياسية التي طالت الإخوان، والحصار الاعلامي الذي فرض عليها، ومجزرة الحرس الجمهوري، بالإضافة الى الاعلان الدستوري المؤقت، كل هذه التطورات، اوضحت ان السيسي وزمرته لا يُُعِدّون مصر لاستقبال ديمقراطية جديدة كما ظن البعض، انما كانوا بصدد انتاج نسخة منقحة عن نظام مبارك المخلوع، كما ان اختفاء ازمات السولار والكهرباء بشكل مفاجئ من حياة المواطنين المصريين، والتدفق المالي الغزير من السعودية والإمارات والكويت، الذي قُدر بنحو اثني عشر مليار دولار أمريكي، كل ذلك اعطى موشرا واضحا على ان صفقة بيع ثورة 25 يناير قد ابرمت منذ وقت بعيد، وحان الان موعد الدفع. ان هذه الحقائق وما واكبها من اخطاء ارتكبها الانقلابيون، ادت الى ارتفاع درجات الاحتقان السياسي، وساهمت في تآكل سريع لمصداقية حكام مصر الجدد، بالمقابل فقد زادت مساحة الصواب التي يبني عليها الاخوان مواقفهم السياسية، لذلك لا يُعتقد ان يُبقي الاخوان على موجات احتجاجاتهم محصورة في ميدان رابعة العدوية، بل سيسعون الى ان تمتد لتصل الى مناطق اخرى اكثر اتساعا، وربما نشاهد في الجُمَع الرمضانية القادمة- إلى جانب المتظاهرين لنصرة الرئيس المغيب وشرعيته الدستورية- اناساً غاضبين يحملون لعنات ابدية تطارد الانقلابيين اينما حلوا.