«القدس العربي»: أطلقت غرفة عمليات جيش الفتح (جبهة النصرة سابقا) المرحلة الثانية من «ملحمة حلب الكبرى»، يوم الخميس الماضي. وشن مقاتلو جيش الفتح هجوما مزدوجاً على أحياء حلب الغربية في مشروع الـ3000 شقة وحلب الجديدة.
وفجّر جيش الفتح عربتين مدرعتين في حلب الجديدة، قاد أحدهما خطاب التبكوي الذي فجر نفسه بعربة الـ«بي ام بي» في تجمع لجنود النظام والميليشيات على الخط الدفاعي الأمامي لقوات النظام. بعدها تمكن مقاتلو جيش الفتح من التقدم والسيطرة على عدة مبان من الجهة الغربية لحي حلب الجديدة.
في التزامن، قصفت مدفعية جيش الفتح وفتح حلب حي الـ3000 شقة الملاصقة لأكاديمية الأسد للهندسة العسكرية من الجهة الجنوبية. وخلال القصف المدفعي فجر جيش الفتح مفخخة بالقرب من أحد مقار قوات النظام، في محاولة لتشتيت هذه القوات النظام بين محوري الهجوم.
وعن تكتيك الهجوم من محورين، صرح لـ«القدس العربي» النقيب عبد السلام عبد الرزاق، الناطق العسكري في حركة نور الدين زنكي (المنضوية مؤخرا في جيش الفتح):»في التكتيك العسكري الحديث تقدم على أكثر من محور، بعضها محاور للتضليل ومحور هو اتجاه الضربة الرئيسية، لكن إن استطاعت القوات التي تعمل على تضليل العدو التقدم على محورها، فإنها تتقدم وتحتل خطوط دفاع العدو الأولى وتبني خطا دفاعيا وتتمسك بالأرض. هذا تكتيك في الحروب الحديثة، تساعدنا به أعدادنا الكبيرة».
ولأول مرة استخدم اقتحاميو «الفتح» الدراجات النارية بعدد كبير، بهدف تجاوز الأرض المكشوفة على جانبي الطريق الواصل إلى الراموسة، تجنبا لنيران قناصة النظام والرشاشات الثقيلة وقواعد الكورنيت المتمركزة على أسطح مباني مشروع الـ3000 شقة، والتي ترصد طريق الراموسة والكتل السكنية المواجهة في مشروع الـ1070.
وتراجع مقاتلو جيش الفتح في حي حلب الجديدة، بعد سيطرتهم على عدة مبان، بسبب المقاومة العنيفة لقوات النظام المتحصنة في المباني الغربية لحلب الجديدة. وأعلنت فصائل جيش الفتح أنها كبدت قوات النظام أكثر من 90 قتيلا على محوري الهجوم يوم الجمعة، قبل أن تتراجع في حلب الجديدة وتثبّت نقاط دفاع في مشروع الـ3000 شقة.
وتشير التقديرات إلى فشل جيش الفتح في إحداث ثغرة كبيرة تسمح بتدفق المقاتلين إلى داخل مدينة حلب، كما حصل في ربيع عام 2015 خلال معركة السيطرة على مدينة إدلب، رغم المحاولات المتكررة والعدد الكبير للسيارات المفخخة التي فجرها جيش الفتح. وفي حال تمكن اقتحاميو «الفتح» من اختراق ثغرة في خط الدفاع العريض، فهذا يعني أن آلاف المقاتلين قد أصبحوا داخل حلب، ما يعني سقوطها بعد أيام قليلة في حرب شوارع ستنهار قوات النظام فيها غالباً.
وصرح الناطق الرسمي في صقور الشام، مأمون شيخ موسى، في حديث لـ«القدس العربي»، أن «فتح العمليات بمساحة واسعة يمكن الثوار من المناورة والصمود فيها وتحييد الطيران بنسبة جيدة، لذلك وسّعنا نطاق العمليات ليشمل عدة ضواحٍ كبيرة في غربي حلب». وتوقع شيخ موسى أن تؤدي السيطرة عليها إلى «انهيار نظام الأسد في حلب بشكل كامل»، الأمر الذي يفسر «ضراوة المعارك وشراستها، واستماتة قوات الأسد في عدم خسارة المزيد من الأحياء، بعد خسارتها لضاحية الأسد وقرية منيان» حسب تصريح شيخ موسى، الذي اعتبر أن «السيطرة على تلك الأحياء تعني تطويق الأكاديمية العسكرية، أكبر حصن لميليشيا النظام في المنطقة، وعزله تماما قبل العمل على تحييده».
في الغضون، انتهت المهلة التي أعلنتها روسيا، مساء يوم الجمعة. وتترقب المعارضة مدى التهديد الروسي وجديته بقصف حلب الشرقية والبحث عن انتصار عسكري للنظام، بعد خمسة عشر يوماً من تخفيف حدة الطلعات الجوية الروسية وقصفها حلب المحاصرة.
وعن الهدنة الروسية المعلنة، علق الناطق في صقور الشام: «إرادة المدنيين في حلب الشرقية واستعدادهم للصمود سيزيد من رباطة جأش الثوار هناك ويجعلهم صامدين كالجبال الراسية، ولن تثنيهم جميع التهديدات الروسية بتحويل حلب الى غروزني». وأشار شيخ موسى إلى أن الخيار الوحيد للمعارضة هو «كسر الحصار ومن بعده التحرير».
إلى ذلك، شهدت حلب الشرقية اقتتالا داخليا هو الأول من نوعه، حيث قامت حركة نور الدين الزنكي وكتائب أبو عمارة وعناصر من جبهة فتح الشام بالهجوم على مقرات قيادة «تجمّع فاستقم»، أكبر فصائل الجيش الحر في حلب المحاصرة، ولاحقت قائد «التجمع» مصطفى برو ونائبه ملهم عكيدي، فيما وضعت كتائب أبو عمارة قائدَ القوة المركزية، علاء سقار، قيد الإقامة الجبرية.
وفشلت محاولات الجبهة الشامية في فصل القوى المتصارعة عن بعضها، ما دفع برو إلى الالتجاء إلى حركة أحرار الشام الإسلامية، حيث تجري تفاهمات اندماج «التجمع» مع الحركة. ويتخوف مراقبون من انتهاء الجيش الحر في حلب، إذا ما اندمج «التجمع» مع أحرار الشام، الأمر الذي يعني أن حلب الشرقية المحاصرة باتت تحت أمرة جيش الفتح، ولم يعد الأمر كما كان سابقا عندما كان ممثلو «أصدقاء الشعب السوري» يواجهون روسيا بأن الجيش الحر هو من يسيطر على الشرقية.
استخفاف المعارضة العسكرية والسياسية في ما حدث، وسكوتها عن ابتلاع فصيل كبير من الجيش الحر ودمجه بفصيل إسلامي، هو بداية حريق لن تتأخر ناره حتى يكتوي الجميع بها.