إبنة العشرين

حجم الخط
0

إن من لم يصل في الاسبوع الماضي إلى فندق «انترناشيونال» في الدوحة عاصمة قطر، خسر عرض الساخر المسرحي ايلي سمون. أو ايلي سمحون. وهو يهودي من اصل مغربي ـ جزائري، كان خلال سنوات طويلة شريك ديودونيه الفرنسي، الذي أصبح ممثل اللاسامية في ساحة الدعابة الساخرة في فرنسا. وقد انفصل الاثنان بغضب ليس فقط بسبب اللاسامية، بل ايضا بسبب خلافات مالية.
يبدو أن سمون ينجح بدون ديودونيه ايضا. فظهوره في فندق «انترناشيونال» في الدوحة حيث وصل سعر التذكرة بين 50 ـ 80 دولارا، هو مكان ليس سيئاً من اجل الشهرة.
الاحتفال الحقيقي حدث في الدوحة قبل ذلك بأيام، حيث احتفلت قناة «الجزيرة» بالذكرى العشرين على انشائها، والتي قام بتأسيسها زعيم قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. وفي الخطاب الذي ألقاه تحدث الشيخ حمد عن انجازات القناة والتي تقوم بتشغيل أكثر من 4 آلاف شخص في 80 فرعا في أرجاء العالم.
وأشار إلى ما تم اعتباره في حينه ثورة أحدثتها قناة «الجزيرة» في الإعلام العربي. «لقد حررت المشاهدين العرب من التبعية لوسائل الإعلام الغربية، التي عملت ضد المصالح العربية وضد طموحاتهم»، قال صحيح أن «الجزيرة» لم تكن القناة الفضائية العربية الاولى، لكن الثورة مسجلة، بدون شك، على اسمها. وقد تحولت خلال عقدين على وجودها إلى مصدر الأخبار الاساسي لـ 350 مليون مشاهد عربي. والأهم من ذلك هو أنها أحدثت تحولا جوهريا في العلاقة بين الانظمة العربية ومواطنيها. وقد حطمت القناة احتكار المعلومات التي كانت لدى الانظمة في معظم الدول العربية. ومنحت الصوت والصورة للاصوات المعارضة، وطرحت على جدول العمل مواضيع امتنعت قنوات التلفاز الوطنية عن لمسها، وأظهرت عُري الاجماع العربي.
في فترة الذروة نجحت «الجزيرة» في ازعاج الادارة الأمريكية عندما قامت بتغطية احداث الحرب في افغانستان والعراق، في وقت لم يكن يُسمح فيه لوسائل الإعلام الغربية بالدخول إلى ميادين القتال. وقد دفع الخوف من الصور، الولايات المتحدة إلى قصف موقع بث «الجزيرة» في العراق، الامر الذي تسبب بقتل أحد المراسلين البارزين فيها.
إن الصراع الذي خاضه زعماء الدول العربية ضد قناة «الجزيرة»، سواء من خلال اغلاق مكاتبها أو اعتقال مراسليها. أو من خلال مقاطعة قطر، هذا الصراع لم يجدِ. فحتى بدون المراسلين في الميدان، نجحت «الجزيرة» في نقل المعلومات التي أخرجت الزعماء العرب عن أطوارهم.
ليس هناك حالة مشابهة نجحت فيها وسيلة من وسائل الإعلام في إحداث شرخ عميق إلى هذا الحد بين الدول العربية. «قطر هي محطة تلفاز لها دولة»، كما قيل عن الامارة، التي لم تنجح فقط في الوصول إلى المرتبة الاولى في العالم من حيث نسبة الدخل السنوي للفرد، بل ايضا حولت وسيلة الإعلام إلى سلاح استراتيجي. صحيح أن الزعماء العرب قد حولوا وسائل الإعلام إلى أبواق للدعاية، لكن قطر قدمت شيئا مختلفا، جديدا وقويا. ووضعت نفسها في مكانة القوة العظمى التي تستطيع الحاق الضرر بخصومها عن طريق الصورة التي يتم بثها.
«الجزيرة» ليست شبكة متوازنة. فهي لديها أجندة تعمل على تحقيقها بدون مبررات، ايضا معظم وسائل الإعلام في الغرب هي كذلك، سواء كانت حكومية أو خاصة. وقد تساءلت الادارة الأمريكية دائما عن كيفية التعامل مع قناة «الجزيرة». فمن جهة، يعتبر برنامجها مناهض لأمريكا. ولكن من جهة اخرى، قطر هي من الحلفاء الهامين للولايات المتحدة في الشرق الاوسط. ولم تكن هيلاري كلينتون تستطيع مدح أي وسيلة إعلامية مثلما فعلت مع «الجزيرة» في العام 2011 حيث قالت: «سواء أحببتم ذلك أم لا، فان هذه الشبكة هي شبكة ناجعة وتقوم ببث الاخبار الصحيحة».
لقد مهدت قناة «الجزيرة» الطريق لآلاف الفضائيات العربية، التي أنشأت قنوات ملتفة على الرقابة قبل أن تقوم الشبكات الاجتماعية بفعل ذلك. وقد تراجعت قناة «الجزيرة» في السنوات الثلاثة الاخيرة، لا سيما بسبب تأييدها الكبير للاخوان المسلمين وبسبب انتقادها الشديد للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
إن قناة «الجزيرة» التي استقبلها المثقفون بحماسة، وفيما بعد الجمهور الذي اعتبرها حاملة راية الديمقراطية، فقدت كثيرا من نسبة المشاهدة لها، لكنها لا تزال على قيد الحياة. وعندما تحدث حروب شديدة مثلما في سوريا والعراق، فلا يوجد لقناة «الجزيرة» من ينافسها في تغطية الاحداث.
وعيد الميلاد العشرين لـ «الجزيرة» هو بالتأكيد مناسبة للاحتفال.

هآرتس 7/11/2016

إبنة العشرين
لقد قادت قناة «الجزيرة» عند انطلاقها ثورة في عالم الاخبار واستطاعت أن تقلق الزعماء العرب
تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية