لقد كان غداليا بن احيكام من النخبة الذين اقاموا في «بنيامين». وبفعل المحسوبية الطاهرة وصل إلى منصب رفيع كمفوض للبابليين. وفي أحد الأيام قتله شخص غير مهم يدعى يشماعيل بن نتانيا. وكانت تلك ضربة قاسية للعائلة اليهودية النبيلة، ولأولئك الذين آمنوا بالعالم الكوني وبالعلاقة مع القوى العظمى الاجنبية. فهربت النخبة، وبعد ذلك جاء الخراب، لأنه بدون نخبة لا يبقى شيء.
بعد مرور 2500 سنة لا يزال الشعب اليهودي يتذكر غداليا في يوم صيام خاص. وهو يظهر على التقويم السنوي العبري لأولئك الذين يعرفون الحكاية واولئك الذين لا يعرفونها. الأرثوذكس، الاصلاحيون والمحافظون يعرفون انه يوجد يوم خاص على اسمه. اما الدروس من القتل السياسي فأقل وضوحا.
لقد كان اغتيال رابين حدثا محزنا في تاريخ إسرائيل. الحدث الأكثر اهمية وخطورة في العلاقات الداخلية في الدولة التي تأسست من مجموعات مختلفة. وكان هذا الحدث ينطوي على صراع ايديولوجي، تطرف، تحريض، وفي النهاية قتل رئيس حكومة. وكان فيه تبادل اتهامات، كراهية متبادلة، وبشكل خاص، المحفز الأكبر (بما في ذلك التلينا) للحرب الأهلية.
من اجل تذكر مثل هذا الحادث الدرامي والخطير، يجب بلورة ذاكرة قومية. عندما قتل رابين كنت اخدم في الجيش، واستغرقني الأمر فترة طويلة حتى فهمت حجم الحقية وكثافة الخطر. واحتجت إلى وقت آخر كي افهم بأن ذلك مضى دون ان افهم معانيه.
اما مهرجان احياء ذكرى اغتيال رابين، مساء السبت الماضي، فقد كان كل شيء باستثناء محاولة تذكر محفزات الخطر الكامن في الحرب الأهلية. إذا كان صوم غداليا هو الدرس في الذاكرة اليهودية طوال آلاف السنين، فان هذا المهرجان هو درس في الذاكرة على المدى القصير. لقد سادت خلال المهرجان النقاشات الآنية كما في برامج الشؤون الراهنة التي اقدمها في الاذاعة: احتجاج على سلطة البث الجديدة، غضب على الثرثار المواظب دافيد بيتان، احتجاج المعارضة، دموع السياسيين، وحتى عنوان ضد حكومة الوحدة والاتصالات الائتلافية. لقد ذكر اسم نتنياهو كثيرا، بينما ذكر اسم رابين المقتول، اقل من ذلك.
كل المقولات مشروعة من جانب المعارضة في إسرائيل. يسمح بانتقاد الحكومة. يجب النضال عندما يتم تبذير اموال الجمهور في موضوع سلطة البث العام، بل حتى يسمح بالوعد بالسلام. ففي السياسة الإسرائيلية يعدون بكل ما هو ليس قائما.
ترامب لم يخترع شيئا. حتى الحديث عن النقاشات السياسية المتعلقة بالمحكمة العليا والمقولات الاشكالية، كتلك التي قالها يئير غربوز او دافيد بيتان، تعتبر جزءا من اللعبة السياسية. يسمح بكل شيء، ولكن ليس هكذا يتم احياء ذكرى الرجل وبالتأكيد ليس الحدث الاكثر خطورة على وجود المجتمع الإسرائيلي.
عندما سمعت بأنه قد يتم الغاء المهرجان، قبل اسبوع من تنظيمه، حاولت تنظيم مهرجان بديل في غوش عصيون. الدرس من قتل رابين بالغ الاهمية بالنسبة لي. وقبل ان اتمكن من انهاء المحادثات الهاتفية فاذا بحزب العمل يقرر تحمل مسؤولية تنظيم المهرجان.
يبدو ان هذا هو المطلوب حين لا تفهم أي وزارة بأن هذا هو دورها، ولم يقفز أي وزير على الحاجة لتنظيم مناسبة الذكرى. ورغم ذلك فقد بدأ الاخفاق في تلك اللحظة.
لقد تحول المهرجان من مناسبة لإحياء الذكرى إلى اجتماع سياسي، حضر عدد كبير من المشاركين يفوق المعتاد. انجاز كبير في الصور، وسيف ذو حدين بالنسبة للمستقبل. تحدثت مع نفتالي بينت في وقت المهرجان، وسألته إذا كان دعي لإلقاء كلمة فقال لا، ولكنهم لو وجهوا اليه دعوة لكان سيشارك.
من يريد تجنيد الجمهور الإسرائيلي لكي يتعلم عن محفزات الحرب الأهلية، يجب ان يحول هذا اليوم إلى مناسبة للذكرى. من يريد عدم الاختفاء مثل بند في برنامج الشؤون الراهنة، يجب عليه اقصاء السياسة. نعم، قتل رابين كان سياسيا، لأن ناشطا يمينيا مجنونا قتله بعد التحريض المتواصل والحاخامات الجبناء. نعم لقد سمع اناس مثلي الأصوات ولم يفهموا حجم الخطر.
إذن ما هو الحل؟ العثور في كل سنة على خصومات محلية والصراع معها. كم من الناس سيتذكرون بعد 20 سنة سلطة البث، والاتصالات مع بوغي (هرتسوغ) او هوس نتنياهو من وسائل الإعلام؟
رابين لا يقل اهمية عن غداليا. قتله أكثر أهمية لحياتنا. من يحول ذكراه إلى اجتماع للمعارضة الآنية يطلق النار على اقدامنا.
يديعوت 7/11/2016