منذ الثالث من تموز/يوليو 2013 لحق بالسياسة الخارجية المصرية ما لحق بغيرها من تغيير وتبديل بما يتوافق ويتماشى مع النظام الذي تولى مقاليد الأمور منذ تلك الحقبة، وقد تشكلت تلك السياسة الخارجية على مبادئ ومحددات واضحة في بعضها وضبابية في أغلبها، وقامت وزارة الخارجية المصرية بتنفيذ هذه السياسة دون تغيير أو تشكيك، ولذلك اقتصر دور الخارجية على القيام بدور السكرتير والمنفذ للتعليمات الصادرة من السيسي وأجهزته السيادية منذ تولى السلطة.
السياسة الخارجية المصرية مرت بثلاث مراحل منذ الثالث من تموز/يوليو، أولى هذه المراحل هى مرحلة الاعتراف والقبول الدولي حيث سعى نبيل فهمي وزير الخارجية السابق إلى بذل الجهود واستخدام كافة الأساليب من أجل نزع اعتراف المجتمع الدولي بالنظام القائم في مصر بعد الثالث من تموز/يوليو، ووصل الأمر إلى التعاقد مع شركة علاقات عامة أمريكية من أجل تحسين صورة النظام لدى كافة دول العالم وخاصة الدول الكبرى، وأثناء ذلك كانت دول الخليج تقوم بجولات مكوكية من أجل إضفاء شرعية دولية على النظام في مصر.
تلت مرحلة الاعتراف الدولي مرحلة الدعم السياسي والمالي والعسكري، فسياسيا تمت محاصرة خصم النظام المصري اللدود- جماعة الإخوان المسلمين- دوليا، وقد تكللت تلك المحاصرة بإجراء بريطانيا تحقيقا موسعا حول أنشطة الإخوان المسلمين ومدى إرتباط تلك الجماعة بالعنف. وكان يرأس لجنة التحقيق السير جون جنكينز السفير البريطاني في السعودية سابقا، كما تم تصنيف تلك الجماعة بأنها جماعة إرهابية في كل من الإمارات والسعودية، وترحيل عدد من قيادات الجماعة، وإغلاق قناة «الجزيرة مباشر مصر» ، أما الدعم المالي فكان لدول الخليج السبق في دعم نظام الثالث من تموز/يوليو، ويكفي في ذلك تصريح أشرف سالمان وزير الاستثمار المصري السابق بأن القاهرة حصلت على دعم مالي بمقدار 23 مليار دولار خلال ثمانية عشر شهرا فقط، أما الدعم العسكري فعلى الرغم من تذبذب الموقف الرسمي الأمريكي مما حدث في الثالث من تموز/يوليو وخاصة بعد مذبحة رابعة ، إلا أن المساعدات العسكرية الأمريكية لم تتوقف وحصلت مصر على تلك المساعدات المقدرة بمليار ونصف دولار أمريكي .
فى أعقاب انخفاض سعر النفط وقلة الدعم المقدم من حلفاء النظام المصري، وتحول هذا الدعم إلى قروض، انتقلت السياسة الخارجية إلى مرحلة جديدة ألا وهي مرحلة الابتزاز والمناكفة السياسة، فلم يكن تأييد القرار الروسي في مجلس الأمن هو الأول من نوعه فقد سبق ذلك مواقف عدة كاستقبال القاهرة لوفد من برلمان الصحراء التابع لجبهة البوليساريو –التي تدعو إلى انفصال الصحراء الغربية عن المغرب – ، كذلك استقبال وفد من الحوثيين فى آذار/مارس 2015، وقد كان الاستقبال متزامنا مع زيارة السيسي للسعودية، وقد أثار هذا التزامن بين الاستقبال والزيارة العديد من التساؤلات ،أما فى سوريا فقد سعى النظام المصري إلى مخالفة الإجماع العربي وضرب بقرارات جامعة الدول العربية عرض الحائط واستقبل مسؤولين من النظام السوري آخرهم كان رئيس الأمن الوطني «علي مملوك».
كل هذه المواقف وغيرها تؤكد بأن النظام الحالى وسياسته الخارجية قائمة على المناكفة السياسية، فمع استمرار الدعم المالي من دول االخليج كانت القاهرة تعلن أن مواقف مصر ودول الخليج فيما يخص القضايا الإقليمية لا خلاف عليها وأنها متطابقة، وعندما خفت الدعم ظهر وزير الخارجية المصري ليدلي بتصريحات في أعقاب الجمعية العامة للأمم المتحدة أن هناك تباينا بين القاهرة والرياض فيما يخص الشأن السوري وأكد تصريحه ما قام به مندوب مصر في مجلس الأمن من تأييد القرار الروسي .
إن السياسة الخارجية المصرية تقوم على ركيزتين أساسيتين هما استمرار الدعم للنظام الحالي بكافة أشكاله ، فما أن يصل الدعم من جهة ما تجد أن السياسة الخارجية المصرية تكون متوافقة مع تلك الجهة ، وما أن يتقلص هذا الدعم أو ينتهي تجد القاهرة تبحث عن جهة أخرى لاتخاذ مواقفها واستمرار دعمها للنظام المصري، وهو ما اتضح من المواقف التي تتخذها القاهرة لاحقا، فعندما انتهى الدعم الخليجي ظهرت التباينات والإختلافات بين المواقف الخليجية والمصرية، وظهر التطابق بين مصر وإيران والعراق وروسيا مما نتج عن ذلك ضخ دعم جديد إلى القاهرة تمثل ماليا في إبرام صفقة نفطية في أقل من ثمان واربعين ساعة مع العراق – بمباركة روسية إيرانية – لتعويض حصة أرامكو التي توقفت ، وسياسيا ظهر الدعم في اشتراط طهران حضور وفد من القاهرة وبغداد قبل بدء إجتماعات لوزان لمناقشة تطورات القضية السورية .
أما الركيزة الثانية فهي اتخاذ موقف معادٍ لكل من يؤيد أو يقبل بمشاركة الإسلام السياسي في الحياة السياسة، فموقف مصر المعارض من المغرب قائم على تخوفات القاهرة من الإنتصارات التي يحرزها حزب العدالة والتنمية ذات المرجعية الإسلامية في الشأن المغربى ، وموقفها من ليبيا قائم على محاربة الجماعات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية ودعم كل من يحاربها، لذلك كان التأييد لحفتر مستمرا ومتواصلا من أجل إنهاء الإسلام السياسي فى ليبيا ، وموقفها من سوريا بأن البديل فى حالة إسقاط النظام السوري هو الإسلام السياسي وجماعة الإخوان، أما اليمن فقوى الإسلام السياسي مع الرئيس الشرعي لذلك تم اتخاذ المواقف السلبية تجاه تلك القضية للعمل على عدم تحقيق أي إنجاز يذكر للإسلاميين، خاصة أن الإسلام السياسى والإخوان المسلمين هم الذين يتزعمون المقاومة الشعبية.
ونظرا لأن إسرائيل تعادي وتحارب كل ما هو إسلام سياسي ، بل وتدعم الأنظمة التي تحاربه، فنجد أن العلاقات المصرية الإسرائيلية متميزة منذ مجيء هذا النظام، وتمت ترجمة ذلك فى العديد من المواقف بين البلدين فنجد القاهرة تصوت لتل أبيب لانضمامها لعضوية لجنة الإستخدامات السلمية للفضاء التابعة للأمم المتحدة، وأن إسرائيل تشارك مصر عمليات البحث عن الطائرة الروسية التي فقدت في سيناء تشرين الثاني/نوفمبر 2015، وأن القاهرة تشارك بوفد رسمي يترأسه وزير الخارجية للمشاركة فى تشييع جنازة شمعون بيريز، وأن السيسي يعلنها «لن نسمح بأن أرضنا تشكل قاعدة لتهديد جيراننا، أو منطقة خلفية لهجمات ضد إسرائيل»، وقد توجت تلك العلاقة بالتنسيق الأمني على أرض سيناء مما دعا السيسي إلى مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي مباشرة لتوسيع وتطوير السلام بين إسرائيل والدول العربية كافة وهو ما اسماه «السلام الدافئ».
إن استمرار القاهرة في اتخاذ مواقفها فيما يخص السياسة الخارجية لينذر بأن هناك من يسعى لتقزيم دور مصر إقليميا ودوليا ويكفينا في ذلك تصريح سامح شكري» مصر ليست دولة رائدة ولا تسعى للريادة «وهذا ما أعلنه السيسي «مصر ليست دولة بل شبه دولة « كل تلك التصريحات والمواقف والأفعال تؤكد بأن النظام الحالي لا يعمل إلى ما فيه صالح الشعب المصري، بل ينظر دائما إلى مصالحه الخاصة الضيقة، وأن تلك السياسات تعتبر مصالح للنظام ولا تمثل إلا أزمات للشعب وللوطن.
كاتب صحافي مصري
عاصم عليوه