بين الموت والحمى مرارة خياراتنا

يقول المثل العراقي (من يرى الموت يرضى بالسخونة ) والسخونة بلهجة العراقيين هي الحمى، وربما وجدت في كل اللهجات العربية أمثالا مقاربة تعطي معنى الاختيار بين السيئ والأسوأ، أو كما قالت العرب (خياران أحلاهما مر)، إذن هو انحشار بين المر والأمَر، ذلك ما يمكن أن نصف به حالتنا عبر قرن من تاريخنا المعاصر.
الثنائية الحتمية التي طالما وضعنا أمامها دون النظر إلى آلاف الاحتمالات بين الخيارين، ففي مطلع القرن الماضي، كان الانحشار مصاغا بالشكل الآتي، هل تدافعون عن الامبراطورية العثمانية التي بلغت ذروة عنصريتها على يد رجال الاتحاد والترقي وسياستهم الطورانية؟ أم تقفون إلى جانب الامبراطورية البريطانية التي جاءتكم محررة لا فاتحة؟ هؤلاء مسلمون، لكنهم ظالمون، وهؤلاء غير مسلمين لكنهم عادلون، أو من وجهة نظر البعض أقل ظلما من أخيك في الدين، ورضينا بـ (الحمى) البريطانية بديلا عن (الموت) العثماني، ثم كان الخيار بين (موت) الاحتلال العسكري المباشر، حسب مدرسة الهند البريطانية و(حمى) الانتداب، حسب مدرسة القاهرة البريطانية، فهرعنا نحو الانتداب على أمل أن نشفى من حماه سريعا على يد رجل حاول أن يبني أمة، هو الملك فيصل الأول، لكنها كانت أشبه بإفاقة قصيرة بين نوبات الحمى والموت التي تتناوبنا في كل وقت ومع كل تغيير، لنسقط في مطب (الحمى) الألمانية إبان نفوذ النازية في الثلاثينيات و(موت) النفوذ البريطاني الذي لا فكاك منه، فكان الاحتلال الثاني الذي كان نتاجا لرفسة من رفسات الموت في انقلاب 1941 الذي أفرز حكومة رشيد عالي الكيلاني التي أسقطها الاحتلال البريطاني الثاني.
إن الانحشار بين خيارين أحلاهما مرّ طرح كنظرية في الإدارة والسياسة تقوم على معطيات سيكولوجية جمعية، ونسبت هذه النظرية إلى وزير إعلام ألمانيا الهتلرية الشهير جوزيف غوبلز، وسميت (نظرية التأطير في السيطرة على العقل الجمعي) التي أصبحت وسيلة مهمة في تمرير السياسات فيما بعد، وهي ببساطة شديدة تقوم على حشر المقابل في خيارات تعطى له مسبقا فتؤطر نشاطه العقلي وتحصره فيها، ومن الامثلة الشهيرة على ذلك المضيف الذي يستقبلك في بيته فيعرض عليك؛ أﺗﺸﺮﺏ ﺷﺎيا أم ﻗﻬﻮﺓ؟ وفي هذه الحالة ﻳﺴﺘﺤﻴﻞ ﺃﻥ ﻳﺨﻄﺮ ﺑﺒﺎﻟﻚ ﺃﻥ ﺗﻄﻠﺐ ﻋﺼﻴﺮﺍ ﻣﺜﻶ، ﻭﻫﺬﺍ ما ﻳﺴﻤﻰ (ﺃﺳﻠﻮﺏ ﺍﻟﺘﺄﻃﻴﺮ) ﻓﻬﻮ ﻗﺪ ﺟﻌﻞ ﻋﻘﻠﻚ محصورا ﻓﻲ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭﺍﺕ ﻣﺤﺪﺩﺓ ﻓﺮﺿﺖ ﻋﻠﻴﻚ ﻻ ﺇﺭﺍﺩﻳا ﻭﻣﻨﻌﺖ ﻋﻘﻠﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻤﺘﺎﺣﺔ، وهذا ما عانت منه مجتمعاتنا، سواء أكانت الخيارات مدروسة ومخططا لها ممن لعب لعبته أو أن الأمر كان تخطيطا من لاعبين أكبر.
ففي عام 1958 كنا أمام مفترق طرق خطير هل نرضى بالـ(موت) على يد النظام الملكي (العميل المرتبط بسياسات الاستعمار والإمبريالية) كما كانت الاحزاب الثورية تصفه، أم نهرول بأتجاه (حمى) حكم العسكر ونحن نتمنى عليهم أن يطبقوا حكما رشيدا يصل بنا إلى حال أفضل، وبالمقابل ضحينا بفتات الليبرالية التي كنا نعيشها، ضحينا بدستور وبرلمان وتداول سلمي للسلطة لأنها في النهاية لم تقدم العلاج الناجع الذي ينقذنا من الموت كما توهمنا، وخرجت الجماهير الغفيرة تهتف لـ(الحمى) المقبلة على يد الجنرالات، الذين سيتصارعون فيما بينهم وكل واحد فيهم يرى انه يمتلك الدواء الناجع الذي سيخرجنا من وضعنا المريض، لتتحول الـ(حمى) بعد اشهر إلى (موت) زعاف، فينقلب الجنرالات على بعضهم بعضا في دوامة امتدت لأكثر من عقد، وفي اخر المطاف قبلنا بـ(حمى) البعث عام 1968 الذي وعد بتطبيق رؤيته الايديولوجية التي ستخرجنا من دوامة الثنائية القاتلة، مشى البعثيون خطوات على هذه الجادة لكن (حماهم) سرعان ما تحولت إلى (موت) يومي في أقبية السجون والمعتقلات وعبر التهجير ونفي الاخر ومطاردته حتى في اقصى المنافي، لنفتح اعيننا على العيش في ظل الـ(موت) الذي يصبه الديكتاتور علينا وعلى جيراننا باسم القومية العربية تارة وحماية البوابة الشرقية تارة اخرى وقضية العرب المركزية اخرى، لتتعدد الاسباب والموت واحد لا شريك له سوى الديكتاتور، وعندما أحس الناس بثقل الوطأة التي يرزحون تحتها، كان شعارهم نقبل بالشيطان بديلا إن خلصنا من الديكتاتور.
وابتدأت طبول الحرب تدق، وجمع كل من يريد الاطاحة بنظام الديكتاتور من كل فج عميق، معارضات أكلتها المنافي وجعلتها كعصف تذروه الرياح، جمعها من خطط لرسم نظام جديد للمنطقة، وأطرها بثياب لماعة وقدمها لنا مغلفة بحلم مفاده اننا أخيرا سنعيش كبقية خلق الله، لا بل أحسن من الكثير منهم، كيف لا والقوة الاعظم في العالم تقف إلى جانبنا، تدعمنا وتشرف على بناء نموذج ديمقراطي سيشكل مثالا للمنطقة في مطلع الالفية الثالثة، أو كما سماه الخبراء (القرن الامريكي)، ورضينا بـ(حمى) الغزو الامريكي الذي خلصنا من (موت) الديكتاتور، والامل يتجدد في التعافي سريعا من الحمى الجديدة، ونحن نعد الايام لنتخلص من نوبات الـ(حمى) ومشاكلها في المجتمع هنا وهناك، فمن اعراض الـ(حمى) الجديدة تفتت الهوية الوطنية وطغيان الهويات الفرعية: دينية أو طائفية أو إثنية، لكن الامل كان يرسم لنا الواقع على أن كل ذلك ما هو الا طارئ من مخلفات الـ(موت) السابق الذي أنقذونا منه، بينما كانت بعض الاصوات تصرخ، انكم استبدلتم موتا بموت أشد فتكا، فنهز أيدينا استخفافا ونجيب (أهل مكة ادرى بشعابها) انتم لم تتذوقوا قطرة من الموت المقطر والمكثف الذي تجرعناه على مدى ربع قرن، لتأتينا التحليلات بدورة جديدة من الثنائية البغيضة، (موت) الاحتلال ام (حمى) المقاومة التي زرعت في كل شارع في مدننا سيارة ملغمة وقتلت من أطفالنا عشرات الاضعاف مما قتلت من جنود الاحتلال، واخرجت من كهوف التاريخ اكثر صفحاته اسودادا على يد شذاذ آفاق جمعوا من كل انحاء المعمورة ليقاتلوا (الامريكان الكفار) أو ليقاتلهم الامريكان، فلا احد يعلم من جلب من، فولدت «القاعدة» ومن رحمها ولد «داعش»، وتهجرت القرى وافرغت المدن من سكانها الاصليين.
ومن المشاكل التي تترادف مع نوبات الثنائية (الموت/الحمى) الحنين المرضي الذي نصاب به، أو يصاب به أغلبنا، فتجد من يتغزل بفترات الـ(حمى) السابقة ويصورها على انها كانت جنة على الارض، ولا أعلم هل نسي أو تناسى الضيم والقهر وآلام (الحمى) التي تحولت إلى (موت) بعد ذلك لاسباب داخلية وخارجية، لكن رؤية من يحدثك عن (أيام الخير) ربما كانت ضيقة ومحددة بطريقة رومانسية لتنصب على جانب (مشرق) من حياته مقابل تلال من القهر العام التي يغض الذاكرة عنها، ولا يشغل نفسه بمقارنة حالنا وقتئذ مع بقية خلق الله في هذا العالم الواسع وما حققوه أو يخططون لتحقيقه، انما المقارنة المجحفة دائما ما تنصب على (حمى) الماضي الجميل (موت) الحاضر المأساوي، وهو امر ذكرني بصديق سألني مرة وهو في كامل قواه العقلية ومعنوياته الفلسفية؛ هل تفضل أن تعيش حمارا للفلاسفة ام فيلسوفا للحمير؟ نظرت في عينيه لثوان، وأجبته، ومن فرض علي هذه المحنة، أريد أن اكون فيلسوفا بين الفلاسفة أو حتى اطمح لان اكون أفضلهم… فبهت الصديق من ردي الذي كسر (حالة التأطير) التي حاول أن يستدرجني لها، فهل نستطيع أن نخرج من (صندوق التأطير) الذي وضعنا فيه دون أن نعلم من وضعنا فيه ولماذا؟ وهل نرفض تأطير من فرض علينا حتمية هذه الثنائيه البغيضة، أم سنبقى ندور في فلكها الجهنمي لنبحث عن (سخونة) تكون اكثر رأفة بنا من (الموت) اليومي الذي نعيشه؟ سؤال يبقى مفتوحا على احتمالات لا أعلمها، لكن يحدوني الامل أن أجد جوابا فأدلكم عليه.
كاتب عراقي

بين الموت والحمى مرارة خياراتنا

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية