هل مفتاح العلاقة بين تونس والجزائر بيد الأمريكان؟

قبل أن تقلع طائرة الممثلة السينمائية بهية راشدي، الاحد الماضي، نحو الجزائر دخل وزير الثقافة التونسي صالة المغادرة بمطار قرطاج ليقدم لها ما يشبه الاعتذار الرسمي، عن الاسلوب المهين وغير اللائق الذي تعامل به المنظمون للدورة السابعة والعشرين لايام قرطاج السينمائية معها ومع باقي اعضاء الوفد الجزائري المرافق لها.
وقبيل وصوله المطار صدر بيان رسمي عن وزراته اشار إلى أن «للفنانين الجزائريين مكانة كبرى ومنزلة رفيعة في بلدهم تونس، وأنهم يحضون بكل التقدير والاحترام». وطالب الجهة المنظمة للمهرجان «بتحمل المسؤولية التنظيمية والاعتذار الصريح عن مواطن الاخلال». ورغم أنه لا يبدو مؤكدا أن الصفحة طويت بالكامل، وأن التحرك السريع للدكتور محمد زين العابدين نحو المطار وقراره دعوة بهية وباقي اعضاء الوفد الجزائري مجددا إلى تونس في الثامن عشر من الشهر الجاري، ليتم تكريمهم في الدورة المقبلة لايام قرطاج المسرحية، سوف يضع حدا لحادث من المفترض أن يكون عرضيا ويطوق بالكامل تداعيات شبه ازمة سببها ظهور شريط فيديو مساء السبت الماضي على عدة مواقع اخبارية في البلدين، بدت فيه النجمة الجزائرية في قمة الحزن والتأثر، وهي تمسح دموعها وتقول «جيراننا التونسيون أهانونا ولم ينظروا لنا مجرد نظرة احترام، وكأننا لا نملك ثقافة أو سينما… لماذا تدعوننا للمهرجان، حتى تقولوا لقد دعونا الجزائر؟ إذا دعوتم الجزائر ولم تعطوا قيمة لبناتها وابنائها فإنكم قد خسرتم كل شيء، خسرتم الجزائر والحكومة الجزائرية والشعب الجزائري…».
إلا أنه من الواضح أن العلاقات بين الجارين المغاربيين ليست الان في افضل حالاتها وانها تعاني شيئا من البرود والجفاء، رغم مظاهر الحرارة والحفاوة التي لاحظها الجميع قبل ايام في احتفال السفارة الجزائرية بتونس بذكرى الاول من نوفمبر، الذي حضرته ارفع الشخصيات السياسية التونسية، وعلى رأسها رئيس الحكومة يوسف الشاهد، ورغم زيارة الاخير إلى العاصمة الجزائرية مؤخرا واعلانه الغاء الضريبة على العربات الجزائرية عند مغادرتها تونس، كانت اثارت في السابق حالة من القلق، خصوصا في المناطق الحدودية بين البلدين وحديثه عقب لقاء الرئيس بوتفليقة عن أن «حكومة الوحدة الوطنية في تونس ستدفع نحو المزيد من تعاونها مع الجزائر».
ويرجع تواصل الجمود والفتور بالاساس، وحسب الكثير من المراقبين، إلى تأثيرات خارجية وعوامل داخلية واقليمية. وليس هناك شك في أن الازمة المالية والاقتصادية التي يمر بها البلدان ساهمت إلى حد ما في تثبيت تلك الحالة وخفضت نسبيا من النسق المتوقع للمبادلات والتعاملات بينهما، وجعلت التونسيين يستبعدون تماما على المدى القريب وربما المتوسط ايضا، أن تتدفق عليهم اموال الجارة الكبرى لتنقذ اقتصادهم من مخاطرالانهيار الوشيك، بعد الهبوط الحاد الذي سجلته اسعار البترول في الاسواق العالمية. وحتى في المؤتمر الاستثماري الذي يستعدون لتنظيمه اواخر الشهر الجاري فإن آمالهم تعقد بالدرجة الاولى على الحليف الاوروبي ثم بدرجة اقل على بعض دول الخليج، وفي افضل الاحوال فان الجزائر قد تكون فقط واحدة من بين المساهمين وليست المساهم الاكبر أو الاهم فيه.
والمشكلة أن الجزائريين انفسهم يشعرون بأنهم باتوا بحاجة اكثر من اي وقت مضى إلى تونس، لا لحماية انفسهم من اي اختراق محتمل من الجهة الشرقية لحدودهم، بل حتى لايجاد بعض البدائل والحلول للنقص المتوقع في العوائد البترولية، ولكن الهاجس الامني والسياسي لا يزال مسيطرا بقوة وحاضرا في اذهانهم، وما يزالون ينظرون بشيء من الشك وربما الريبة للجارة الصغرى التي وقّع مستشار رئيسها في مايو من العام الماضي مع وزير الخارجية الامريكي جون كيري ما وصف حينها بمذكرة تفاهم طويل المدى، لم يكشف بعد عن اي من تفاصيلها، لتبقى محل تخوف وعدم رضا من الجانب الجزائري الذي لا يبدو أنه اقتنع تماما بما قاله مبعوث الرئيس الباجي قائد السبسي بعد شهر من التوقيع، وفي اعقاب لقائه بالرئيس بوتفليقة في يونيو من العام الماضي من انها اي مذكرة التفاهم لم تتسبب في اي خلاف بين العاصمتين وأن «كبار المسؤولين في الجزائر يعلمون أن تونس رفضت وترفض وسترفض اي مشروع لاقامة قاعدة أو قواعد عسكرية امريكية أو اجنبية على اراضيها. وهم يعلمون جيدا أن العرض الامريكي لتونس باسم الحلف الاطلسي سياسي وليس عسكريا وسبق أن منح لدول عربية اخرى من بينها الاردن والمغرب».
لقد عادت قصة القاعدة الامريكية في تونس تطفو على السطح من جديد بعد أن نشرت صحيفة «الواشنطن بوست» اواخر الشهر الماضي ما قالت عنها انها معلومات استقتها من مصدر حكومي امريكي يشير إلى قيام طائرات استطلاع امريكية بدوريات مراقبة واستطلاع بليبيا انطلاقا من قاعدة عسكرية امريكية في تونس. وهنا ايضا وجدت السلطات التونسية نفسها مجددا في مواجهة الاتهامات ذاتها التي طالتها قبل اربع سنوات من الان، بأنها سمحت بفتح اراضيها للامريكان حتى يقوموا بالتدخل العسكري في ليبيا، وربما يهددوا بشكل مباشر أو غير مباشر امن واستقرار الجزائر. وترافقت تلك الاتهامات حينها مع زيارة مهمة لوزير الدفاع الامريكي ليون بانيتا إلى العاصمة التونسية، وتسرب انباء عن أن الامريكان قد اتخذوا قرارا حاسما بتقديم مساعدات عسكرية إلى الجيش التونسي وصفتها شبكة «فوكس نيوز» في ذلك الوقت بـ»الضخمة». وربما غفل الكثيرون عن أمر مهم وهو أن العلاقات بين البلدين الجارين لم تكن في تلك الفترة بالذات في افضل حالتها بل انها كانت ملبدة بالشكوك والمخاوف المتبادلة من الجانبين . فلم تكن القيادة في الجزائر تنظر بعين الرضا والاطمئنان لما كان يجرى وراء حدودها الشرقية من انفتاح وحريات وتجربة ديمقراطية اوصلت للمرة الاولى اسلاميين معتدلين إلى اعلى هرم السلطة دون احتجاج أو سفك دماء كما حصل في الربيع الجزائري القصير في بداية التسعينيات والذي تحول فيما بعد إلى عشرية حمراء، ولم تكن السلطات الجديدة في تونس ترتاح بدورها كثيرا لما كانت تراه عجرفة واسلوبا متعاليا وغير ودي من جانب المؤسسة العسكرية الحاكمة في الجزائر.
لم تحصل قطيعة دبلوماسية بالمعنى الحقيقي والمتعارف ولكن ما جرى كان نوعا من التجميد غير المعلن للعلاقات، جعل التونسيين أمام حدة المخاطر الداخلية والخارجية التي كانت تواجههم وأمام عدم رغبة فرنسا في مساعدتهم يطلبون دعم واشنطن لهم لحماية بلدهم من التهديدات المحدقة به. ولم يكن الدعم الامريكي بالطبع من دون ثمن أو شروط، ولكنه كان الخيار الوحيد الذي كان متاحا ومفتوحا أمام السلطات. والسؤال المطروح هنا هو هل أنه كان مطلوبا من تونس أن تستشير الجزائر قبل أن توقع على اي اتفاق مع الامريكان، ثم تنتظر مصادقة البرلمان الجزائري عليه حتى لا تنزعج جارتها الكبرى وتتهمها بعد ذلك بانها تقف ضد أمنها وسيادتها ومصالحها؟ واذا كانت الاخبار التي ينفيها المسؤولون التونسيون باستمرار حول وجود قاعدة امريكية داخل ترابهم تسبب ازعاجا وقلقا فمن الاولى بالانزعاج والقلق هل هم التونسيون أنفسهم أم جيرانهم؟ ولماذا لا تقحم تونس نفسها فيما يحصل في الجزائر وتعتبر أن اي اتفاق أو تعاون جزائري مع بلد اخر أو حتى اي خلاف أو نزاع بين الجزائر وبلد اخر قد يكون مسا بأمنها القومي؟
ان الربط المقصود والمتعمد بين اي تصرف أو قرار سيادي تأخذه السلطات التونسية وبين مصالح الجزائر وامنها واستقرارها لا يحل المشكل المزمن في تلك العلاقات، ولا يجعلها صلبة قوية واستثنائية وتاريخية مبنية على وحدة العرق واللغة والدين والمصير، كما يردد القادة في كل المناسبات. والمأساة الحقيقية هي أن الناس ومنذ خمسين عاما لا تسمع غير الشعارات والخطب الرنانة التي تتحدث عن الاخوة التونسية الجزائرية، ولكنها لا ترى أبدا أي اثر فعلي أو مباشر لها على ارض الواقع. والامر المؤكد هنا هو أن اتهام الامريكان بانهم السبب الوحيد والاصلي في بقاء الامور على حالها وبأنهم لو تركوا تونس وشأنها فسوف يحل الاشكال على الفور وينقلب حال العلاقات بين البلدين مئة وثمانين درجة ليس الطريق الانسب لتصحيح مسار العلاقات ووضعها على السكة الصحيحة. فمفتاح العلاقات هو بالتاكيد في تونس والجزائر قبل أن يكون في واشنطن أو غيرها، ويكفي أن يفتح المسؤولون في الجانبين أعينهم وضمائرهم قليلا على آلاف من مواطنيهم الذين يعانون ويذرفون كل يوم دموع القهر والحسرة مثلما فعلوا مع دموع نجمة السينما بهية حتى يعرفوا ما الذي يجب فعله من أجل مصلحة شعوبهم واوطانهم قبل فوات الأوان وخروج الامور من أيديهم.
كاتب وصحافي من تونس

هل مفتاح العلاقة بين تونس والجزائر بيد الأمريكان؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية