الأردن.. مستودع «بشري» ومخزن «لوجستيات».. إلى متى؟

يمكن تفهم الأسباب التي تدفع بعض الدول الشقيقة والمجاورة للأردن لبرنامج أولويات ذاتية يخصها وبصورة تؤثر على توقعات الأردنيين انفسهم عندما يتعلق الأمر بالمساعدات الاقتصادية.
ويمكن ببساطة رصد تلك التحولات المتدرجة في الوعي الرسمي الأردني والتي تحاول عبثا تعظيم خيارات تقنيات الاعتماد على الذات واتباع منهجية جديدة في التفكير خارج الصندوق تجنبا للإحراج الناتج عن المساعدات بكل انواعها بما فيها تلك المشروطة باتجاهات ومشاريع اقليمية الطابع أو تلك المرتبطة بأدوار وظيفية من الواضح أنها تتغير وتتبدل في مرحلة صعبة وحساسة اقليميا وفقا للأجندات الدولية.
أتفهم شخصيا اعتذار الدول الشقيقة بسبب حاجاتها ومشكلاتها عن مساعدة بلد كالأردن لكن ما لا أفهمه حتى الآن هو امتناع القرار السياسي الأردني عن التعددية والتنويع في خياراته السياسية وتنظيم العلاقات الخارجية وبصورة غير مفهومة في بعض النقاط أحيانا.
مثلا بحثت وباهتمام عن تلك الأسباب التي تدفع الحكومة الأردنية لأقصى طاقات الحذر والتقنين في تجنب الانفتاح الاقتصادي والاستثماري مع دولة مهمة مثل تركيا من الواضح أن العلاقات معها قد تكون منتجة.
ثمة إفراط كبير في الحساسية من علاقات متنامية مع دولة مثل تركيا لديها صناعة واستثمار وتبحث عن أسواق وشراكات لكن ما نسمعه في دواوين وأروقة المسؤولين الأردنيين من تفسير لا يبدو منطقيا لأنه يعتمد فقط على الهاجس الأمني وعلى اسطوانة التنميط العثمانية في الخطاب التركي. استمعت إلى أتراك مهتمين ويتحسرون على تلك التفسيرات التي يمكن مناقشتها وحتى الاتفاق عليها.
واستمعت إلى أردنيين يشتكون من الذهنية البيروقراطية والامنية التي تحكم كل مشاريعهم عندما يتعلق الأمر بالتعاطي مع تركيا وحتى اتهامها بعيدا عن حسابات المصالح وتبادل المنفعة.
لافت جدا بالنسبة لي أن كمية الحذر من دولة اسلامية مثل تركيا بالنسبة لبعض المتحمسين جدا للتطبيع في مستويات القرار الأردني غير موجودة عندما يتعلق الأمر بالانفتاح الاقتصادي على دولة مارقة وخطيرة على الأمن القومي الأردني مثل إسرائيل.
نفهم أن لدينا في الأردن مشكلات مع انفسنا مرة، اذا ما فكرنا في الأسباب التي تدفع للشقاق والنزاع والتأزيم مع عدة دول صديقة أو يفترض انها شقيقة في المنطقة، ومرة ثانية عندما نفرط في الحديث عن سياسات الاعتماد على الذات والتخلص من المساعدات والاعتماد عليها لصالح التحول إلى منطقة جاذبة للاستثمار الحقيقي والشراكات الاقتصادية.
تحقيق ذلك يتطلب التنويع في الاتصالات والعلاقات وتجنب الإغراق في الهواجس الأمنية، فتارة نرتاب بالمستثمرين اللبنانيين وأخرى نرفض تماما أي مساحة استثمارية مشتركة مع إيران حتى تحت يافطة السياحة الدينية وثالثة نفتعل مشكلات لا مبرر لها مع دول محددة يمكنها تقديم المساعدة تحت يافطة تبادل المنفعة ورابعة نرفض فيها التعامل اقتصاديا مع دولة تسيطر على حدود بلدين مجاورين لبلادنا.
ثمة أداء دبلوماسي في بعض الأحيان لا يمكن فهمه، وأخطر ما سمعت من خبير اقتصادي بارز هو أن الارادة السياسية العميقة لم تصدر بعد أو تتصدر لمعالجة الأزمة الاقتصادية في إطار معلبات تفكير لها علاقة بالوظيفة والدور والبقاء والقدرة الواهمة على التحدث مع جميع الاطراف.
الانفتاح الاقتصادي والتمكن الفعلي من الانتقال من بلد يتحول إلى مخزن لوجستي أو بشري لأزمات المنطقة إلى بلد جاذب فعلا للشراكات الاستثمارية، يتطلب طبعا مزاجا مختلفا في مساحة الإصلاح الاقتصادي، من الواضح تماما أن بعض القوى النافذة لن تقبل به لأنه يمس بمصالح صغيرة أو ضيقة أو يتطلب تغييرا في بعض أنماط التفكير الموروثة منذ أكثر من نصف قرن.
التنويع الاقتصادي والجذب الاستثماري يريد بيئة مختلفة تماما حتى يستقر أو ينمو في بلد محاط بالتوترات الاقليمية وشحيح الموارد ويعاني من نقص حاد في كل سوائل الحياة المألوفة مثل الغاز والنفط والماء.
نتحدث عن إصلاح سياسي حقيقي وليس فقط الحديث عن هذا الإصلاح كما يتطلب قضاء عميق يؤمن بالاستثمار ويتميز بأقصى طاقات النزاهة والاستقلال وقضاة لديهم أفق وثقافة معرفية خارج حدود حفظ وتطبيق النص القانوني.
جذب الاستثمار الحقيقي يتطلب ليس فقط عدالة اجتماعية بل هيبة قانون ومسطرة ادارية واجرائية في التفاصيل خصوصا تلك المتعلقة بالضرائب والتراخيص ويتطلب قبل كل شيء إعادة الاعتبار للشخصيات المهنية القادرة ونبذ المحاصصة البائسة السقيمة والانتقال الفوري نحو تنمية سياسية واقتصادية شاملة تستند إلى الصدق الحقيقي وارادة العمل والانفاذ بنفس القدر الذي يتطلب فيه وجود وجوه في الادارة البيروقراطية غير الوجوه التي ضجر منها الجميع والموجودة حاليا ومنذ سنوات.
التنويع الاقتصادي والاستثماري بحاجة لدولة مواطنة جدية ولحكومة تستطيع تعريف هوية المواطن ولوزراء ومسؤولين صلاحياتهم مسماة ومحددة بموجب القانون وبدون مزاجية ويستطيعون اتخاذ قرارات مفهومة.
التنويع الاقتصادي يتطلب التوقف عن طرح اسئلة مثل الأصل والمنبت على المستثمرين والحرب الحقيقية على الرشوة والواسطة وعلى الشللية خصوصا عند ترخيص الشركات أو متابعتها ضريبيا وبطبيعة الحال يتطلب صحافة مهنية حرة ايجابية لا ترسم بقدر أهداف صغيرة وفردية لبعض المسؤولين وارادة سياسية في الإصلاح والتغيير.
وقبل كل شيء الديمقراطية الحقيقية لا يصنعها الا الديمقراطيون ومن المنطقي القول بان انجاز الاستثمار الحقيقي يتطلب وجود أدوات في الإدارة مؤمنة أصلا بالاستثمار وبضرورة دفع كلفته ولا تتوقف عند تفصيلة صغيرة اجرائية وسطحية تؤدي إلى إعاقة استثمار ضخم مثل منع دخول كوافيرة ايرانية مثلا، أو الإصرار على عدم الترحيب بألف مليونير من ابناء قطاع غزة المقيمين في الخليج خوفا مما يسمى زورا وظلما بهوس الديموغرافيا.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

الأردن.. مستودع «بشري» ومخزن «لوجستيات».. إلى متى؟

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية