قام المتظاهرون بمهاجمة سجن الباستيل في باريس في الرابع عشر من تموز/ يوليو 1789 وكان عدد السجناء فيه لم يتجاوز السبعة وكان أحدهم الكاتب الشهير المركيز دي ساد (1740 – 1814) الذي كان قد أدين بتهم ممارسة العنف تجاه النساء، وقد اشتهر هذا الرجل إلى درجة ان اسمه أصبح عنوانا لنوع من السلوك المريض.
ولم يكن سبب المتظاهرين الحقيقي في الهجوم تحرير السجناء أو تدمير رمز النظام والطغيان، بل الحصول على الذخيرة الموجودة في الباستيل البالغة 250 برميلا من البارود. وفي البداية فشلت جميع جهود المتظاهرون في اقتحام الباستيل، إلا إن الوضع تغير عندما انضم إليهم جنود منشقون مسلحون بمدافع، وكان هذا عاملا حاسما فقد تم اقتحام الباستيل وقتل مديره الضابط الشاب واعتبر المؤرخون ذلك اليوم البداية الرسمية للثورة الفرنسية.
كان موقف الملك يتدهور بسرعة والعنف يزداد في فرنسا ضد كل من يتهم بمعاداة الثورة حتى انتهى الحال بالملك وعائلته سجناء في قلعة المعبد في باريس في الثالث عشر من آب/أغسطس 1792. وفي البداية أسس قادة الثورة ما يسمى الملكية الدستورية ومن ثم ألغوا الملكية برمتها ومعها جميع امتيازات الملك وتم إعلان الجمهورية. وكأن هذا لم يكن كافيا ففي أيلول/ سبتمبر من العام نفسه وصلت باريس أخبار مفادها أن جيشي النمسا وبروسيا اخترقا الحدود الفرنسية لاحتلال باريس وإطلاق سراح كل السجناء في المدينة لمساعدتهما في القضاء على الثورة. وكان رد الفعل في باريس سريعا ودمويا فقد أمر أحد قادة الثورة، جان بول مارا (1743 – 1793)، بالتحرك فورا ونتيجة لذلك هاجم المتظاهرون السجون وقتلوا حوالي ألف واربعمئة سجين ومئتي قس ومئة جندي سويسري، كان الملك قد جلبهم لحراسة مؤسسات الدولة قبل الثورة، والكثيرين من السجناء السياسيين والنبلاء ومنهم الأميرة دي لامبال (صديقة الملكة) وحدث كل هذا في الأسبوع الأول من سبتمبر 1792 فحسب. ومن ناحية الملك لويس السادس عشر، فإنه لم يكن سجينا صامتا لأنه حاول باستمرار أن يتحدى قادة الثورة بقدر الإمكان ولكن بدون جدوى، وأخذت الشائعات تنتشر في أوساط المتظاهرون واصفة إياه بالعمالة للأجانب والاتصال بملوك الدول المعادية، وشمل هذا زوجته ماري أنطوانيت أيضا التي قيل كذبا إنها قالت إنه إذا كان الشعب لا يجد الخبز فعليه أن يأكل الكعك.
وفي الحقيقة أنها لم تتفوه بهذه الكلمات السخيفة التي كانت في الواقع مأخوذة من كتاب بعنوان «اعترافات» للكاتب السويسري جان جاك روسو (1712 – 1778) عام 1766 وكان موضوع الكتاب عديم الصلة بماري انطوانيت التي كانت في العاشرة من عمرها عندما صدر الكتاب. ومن الواضح أن الملكة كانت قد اتهمت زورا بالتفوه بهذه الكلمات الرعناء التي كانت مناقضة تماما لشخصيتها التي اتسمت بالذكاء والأعمال الخيرية. ولكن الإشاعات والحقيقة ينتميان إلى عالمين مختلفين. أما المتظاهرون فيصدقون كل ما يمتعهم ويخدمهم، خاصة أن الملكة كانت ابنة أمبراطورة النمسا ومن المعروف انه عندما يسقط الجمل تنهال عليه السكاكين.
وفي خضم هذه الأحداث الدموية أصبح مصير الملك نفسه مشكلة بالنسبة لقادة الثورة الفرنسية، فالأجنحة المختلفة للقيادة كانت في صراع مع بعضها بعضا، وكانت هناك صراعات بين أعضاء الجناح الواحد، فالملك كان يمثل العهد القديم برمته، ومن الواضح أنه كان لا يزال يتمتع ببعض التأييد في أوساط الشعب. فقد كان الجناحان الرئيسيان هما الجيرونديون والجبليون (بقيادة روبسبير)، وكان الجيرونديون يميلون إلى الحفاظ على حياته كمحاولة للسيطرة على موجة العنف والإعدامات التي كانت تنتشر واستعمال الملك كأداة في صراعهم مع الجبليين المطالبين بشدة بإعدامه للتخلص منه ومن العهد القديم بالكامل، كي يبدأ العهد الجديد، أي عهدهم هم. وفي بداية تشرين الأول/ أكتوبر 1792 تم تأسيس لجنة لبحث موضوع محاكمة الملك، وذكر البعض أنه حسب الدستور الفرنسي الذي أسس الملكية الدستورية العام المنصرم فإن الملك مصون وغير مسؤول، فرد المعارضون بأن الملكية قد ألغيت، ولذلك فإن ذلك الدستور يعتبر باطلا، كما أن الملك خالف ذلك الدستور على أي حال، وهنا احتدم النقاش الذي كان أكثر المتشددين فيه والمطالبين بمحاكمة الملك هو سانت جوست (1767 ـ 1794) الذي استشهد بالكاتب السويسري روسو، وادعى أن الملك الفرنسي كان قد خالف العقد الاجتماعي، ولذلك فإن مصيره تحكمه القوانين الطبيعية، وليست قوانين البشر وبالتالي فإن الجمعية الوطنية وحدها يجب أن تحدد مصيره وقال «كل ملك هو متمرد ومغتصب للسلطة». وفي وسط هذا النقاش أتت المفاجأة، فقد صرح وزير الداخلية آنذاك بأن وثائق سرية كان قد عثر عليها لدى الملك تثبت أنه كان يمول النبلاء الذين هربوا من فرنسا إلى الدول المجاورة ويتعاونون مع ملوك هذه الدول ضد فرنسا وأن هذا التمويل أتى من خزينة الدولة (لم يتم التثبت أبدا من حقيقة هذه الوثائق) فطالب روبسبير بإعدام الملك بدون محاكمة، لأن الشعب وجده مذنبا أصلا، وأن على الملك أن يموت كي يحيا الوطن.
وفي نهاية هذه المعركة الكلامية نجح اليعاقبة الجبليون بزعامة روبسبير في مسعاهم ففي يوم الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 1792 كان القرار إجراء المحاكمة. وجدير بالذكر أن ابن عم الملك، دوق أورلينز، والكاتب المضطرب والمجرم المدان، المركيز دي ساد، كانا أعضاء في الجمعية الوطنية ومن أشد المطالبين بإعدام الملك. وفي هذه الأثناء كانت المظاهرات تزداد في شوارع باريس من قبل المتظاهرون المتعطشة للدماء كالعادة مطالبة بإعدام الملك فورا، ولذلك تم جلب الملك لويس السادس عشر يوم الحادي عشر من ديسمبر 1792 إلى مقر الجمعية الوطنية وتمت قراءة التهم الموجهة له بحضوره وتركزت على الخيانة والتسبب في نزف دم الفرنسيين، وكان رد الملك هو المطالبة بأدلة تثبت التهم الموجهة إليه والاستعانة بمحامين. ولم تقدم الجمعية أي أدلة إلا أنه سمح للملك بالاستعانة بمحامين، على الرغم من عدم جدوى وجودهم لأن مصيره كان قد تم إقراره. والمشكلة الأخرى هنا من هو المحامي الذي كان سيتجرأ للدفاع عن الملك. وفي نهاية المطاف تم تأليف فريق صغير من المحامين المعروفين كان أشهرهم كريتيان دي ماليسرب الذي كان وزيرا لدى الملك وشخصية معروفة أيضا، وكان الدفاع ممتازا في عمله حتى أن أحد المحامين اتهم أعضاء الجمعية الوطنية بأنهم مدعو اتهام وليسوا قضاة، ولذلك فإنهم غير مؤهلين لتأليف محكمة كما نفى تهمة الخيانة تماما. وبعد خروج الملك من الجمعية الوطنية بدأت المداولات وحاول الجيرونديون بكل ما لديهم من قوة إنقاذ حياة الملك، ومن ضمن حججهم أن إعدامه سوف يؤلب الدول المجاورة ضد فرنسا وطالبوا بإجراء استفتاء شعبي حول الإعدام وهو ما رفضه روبسبير محذرا من أن مثل هذا الاستفتاء سوف يسبب حربا أهلية في فرنسا، وفي الواقع أن هذا كان اعترافا منه بأن الملك كان يتمتع بتأييد شعبي غير قليل في فرنسا. وحاول الجانبان كسب تأييد بقية الأعضاء حتى كانت الغلبة للجبليين وتم التصويت في الجمعية لصالح إعدام الملك يوم الثامن عشر من كانون الثاني/ يناير 1793. وتم إبلاغ الملك من قبل محاميه ووزيره السابق في اليوم نفسه بقرار الإعدام وتقبل الملك ذلك بهدوء وطلب التريث في تنفيذ الإعدام كي يستعد للموت والاجتماع بعائلته ومقابلة قس أيرلندي بارز للاعتراف حسب الشعائر الكاثوليكية، وتم رفض الطلب الأول والسماح بالطلبين الآخرين. وفي اليوم التالي استيقظ الملك في الساعة الخامسة صباحا وحضر الصلاة مع القس الأيرلندي ثم قابل زوجته الملكة ماري أنطوانيت وطلب قص شعره استعدادا لسكين المقصلة إلا أن طلبه رفض. وفي الساعة الثامنة والنصف أتى قائد الحرس الوطني في باريس ليأخذه إلى ساحة الإعدام، وكانت هذه رحلة طويلة حيث دامت حوالي الساعة ونصف الساعة وكان الطريق محاطا بالجنود المسلحين والمتظاهرون الغاضبة والمطالبة بالإعدام بشكل جنوني حتى وصل الموكب ساحة الإعدام (تسمى الآن ساحة دي لا كونكورد) في الساعة العاشرة صباحا وترجل الملك من العربة ثم خلع معطفه وكبلت يداه وصعد إلى منصة الإعدام بهدوء مع القس الأيرلندي، ثم صاح أنه بريء من كل التهم الموجهة اليه وأنه يغفر للذين دانوه ويطلب من الله أن يكون الدم الذي سيسفكونه لن تكون فرنسا مسؤولة عنه. وتم الإعدام في الساعة العاشرة واثنتين وعشرين دقيقة وهو في التاسعة والثلاثين من عمره. لقد واجه الملك الموقف بشجاعة كان يحتاجها عندما كان على رأس السلطة لحل المشاكل التي أدت إلى الثورة. وبعد الإعدام رفع مساعد الجلاد الرأس المقطوع أمام الجموع المسعورة ليصيحوا «يحيا الوطن، تحيا الجمهورية» وتدافع المتظاهرون تجاه المقصلة ليغمسوا مناديلهم في بركة دم الملك. وقد أعدمت بالمقصلة أيضا الملكة ماري انطوانيت بعدة أشهر بعد معاناة شديدة بسبب التنكيل والإهانة التي وصلت إلى حد اتهامها بممارسة الجنس مع ابنها ذي العشر سنوات.
وتلت إعدام الملك حملة إعدامات غير مسبوقة لتبدأ فترة مميزة في تاريخ الثورة الفرنسية سميت بعد ذلك بعهد الإرهاب. وبحلول عام 1799 كان قد تم إعدام 40000 شخص بالمقصلة ووفاة 10000 شخص في السجن بسبب سوء الأحوال والتعذيب ومقتل 20000 شخص في الصدامات التي حدثت أثناء سنوات الثورة، وكان ضحية المقصلة الكثير من النبلاء الذين كانوا أيضا ضباطا في الجيش الفرنسي، بالإضافة إلى مجموعة من خيرة علماء فرنسا مثل أنتوان لافوازييه (1743 – 1794) الذي كان أعظم عالم كيمياء في العالم آنذاك ومحامي الملك الذي دافع عنه ببسالة أثناء محاكمته بالإضافة الى أبنة المحامي وزوجها وأخيرا قادة الثورة أنفسهم ومنهم روبسبير ودانتون ومارا وسانت جست. وكانت مشاهدة هذه الإعدامات من أكثر المناسبات متعة بالنسبة للغوغاء الذين كانوا ينتظرون مشاهدتها بفارغ الصبر.
٭ كاتب عراقي
زيد خلدون جميل