أثر المخيال الصحراوي القبلي في تشكل الدولة العربية

كانت الشعوب القديمة تولي المخيال مكانة رمزية مرموقة، وكانت تحيطه بهالة من التقديس المبالغ فيه أحيانا، ويتضح ذلك من خلال المنزلة الرفيعة التي احتلتها الأسطورة والشعر والأمثال لدى هذه الشعوب.
على أن المخيال هو المدخل الرئيسي لكل معرفة، إذ يظهر على شكل رسومات تخطيطية لمجتمع ما، وهي رسومات تتطلب جهدا معرفيا وتأويليا للكشف عن معانيها ودلالاتها المضمرة. فالمخيال كما يقول سعيد الغانمي ليس «جمعا وتركيبا للصور، بل هو شرط إمكان وجود الصور، على المستويين الفردي والاجتماعي، وبقدر ما يؤسس المجتمع نفسه بالمخيال فإن المجتمع يؤسس المخيال أيضا».
يعرف جيلبير دوران المخيال بأنه «المسار الذي يتشكل فيه ويتقولب تصور شيء ما من خلال الحاجات الغريزية للشخص، وتفسر فيه التصورات الشخصية المسبقة للشخص في محيط اجتماعي». هذا التعريف الذي توصل إليه دوران هو حاصل إيمانه بفكرة أساسية، تنطلق من أن دراسة الرموز الخيالية يجب أن تتخذ من الأنثروبولوجيا مدخلها الرئيسي، حتى يتسنى لها التحرر من روحانية علم النفس المغلقة من جهة، ولكي تنجو بنفسها من سطوة الأنطولوجيا الثقافية القسرية في علم الاجتماع من جهة أخرى، مع تأكيده على ضرورة الالتزام بقدر من الحذر الإبستيمولوجي، لكي لا تقع الأنثروبولوجيا في فخ التمركز الذاتي، فالأمر يتعلق بأنثروبولوجيا تمارس البحث العلمي بكل الحواس، أي بانفتاحها على كل العلوم التي تدرس الجنس البشري، بدون السقوط في ذاتية علم النفس المفرطة، ولا في موضوعية علم الاجتماع المبالغ فيها. إذ يصر دوران على فهم الأنثروبولوجيا بوصفها «مجموعة العلوم التي تدرس الجنس البشري بدون الاعتماد على أفكار مسبقة، وبدون المراهنة على أنطولوجيا نفسية ليست في الواقع سوى روحانية مغلقة، أو على أنطولوجيا ثقافية ليست عموما سوى قناع لموقف ثقافي يربط الظواهر كلها بعلم الاجتماع». هنا بالضبط يتموقع المخيال، في النقطة الوسط الفاصلة بين ذاتية علم النفس وموضوعية علم الاجتماع، وهي نقطة تضمن في الآن نفسه إمكانيات الاتصال والتفاعل الرمزي بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي.
بدون المخيال لا يمكن لمجتمع ما أن يؤسس وجوده، وأن يضفي على نفسه الصفة الاجتماعية، ذلك أن المخيال هو الأرضية التي يستند إليها وجود المجتمع، كما أن المخيال لا يكشف عن خطوطه ورسومه إلا داخل المجتمع، على أنه ليس نتاج عقلية فرد أو مجموعة أفراد يقرأونه حسب المشيئة، بل هو الهوية غير المنظورة التي يكونها المجتمع لنفسه.
لمفهوم المخيال دوره الحاسم في تشكيل تصورات الناس حول ذواتهم وحول الآخر، وقدرته على تكوين دلالات ومعان، إما أنها تنشط حركة التاريخ أو تعوقها وتعرقلها، وحتى نزيل أي غموض أو لبس يمكنه أن يعتري هذا المفهوم نستحضر ما كتب عنه محمد عابد الجابري: «إذا شئنا الاقتراب من المعنى أكثر وبصورة أوضح، فإنه من الضروري الشروع منذ الآن في تبيئته عندنا، ومن أجل هذا الغرض نقول: إن مخيالنا الاجتماعي العربي هو الصرح المليء برأسمالنا من المآثر والبطولات وأنواع المعاناة، الصرح الذي يسكنه عدد كبير من رموز الماضي مثل الشنفرى وامرئ القيس وعمرو بن كلثوم وحاتم الطائي وآل ياسر وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد والحسين وعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد وألف ليلة وليلة وصلاح الدين الأيوبي والأولياء الصالحين وأبي زيد الهلالي وجمال عبد الناصر… إضافة إلى رموز الحاضر و»المارد العربي» والغد المنشود..إلخ. وإلى جانب هذا المخيال العربي الإسلامي المشترك تقوم مخاييل متفرعة عنه كالمخيال الشيعي الذي يشكل الحسين بن علي الرمز المركزي فيه، والمخيال السني الذي يسكنه السلف الصالح خاصة، والمخيال العشائري والطائفي والحزبي..إلخ» .
يكتفي المجتمع الصحراوي القبلي أو الضروري كما يحلو لابن خلدون أن يسميه، من المعاش بالحد الأدنى الضروري للبقاء، فاجتماع أفراد هذا المجتمع وتعاونهم في حاجاتهم ومعيشهم وعمرانهم من القوت والسكن والدفء كما يقول ابن خلدون «إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة ويحصل بلغة العيش من غير مزيد». يعتبر عامل الزمن غير ذي أهمية بالنسبة لبنية المجتمع الصحراوي القبلي، إنه مجتمع بلا زمن حسب تعبيرسعيد الغانمي، يعيد إنتاج نفسه باستمرار بالطريقة نفسها وكأنها وحدها الموجودة إلى الأبد، هكذا «يملي المكان نوعا محددا من الزمان الدائري ويفرضه في البيئة، وبالطبع فإن الزمان والمكان، كليهما يمليان وجهة نظر معينة تقترن بهما».
لا يمكن لبنية مجتمعية مماثلة لهذه إلا أن تنتج أفرادا يتموقعون على حافة الحياة دائما، وكأنهم في صراع يومي مستمر مع الموت، حيث تسهم هذه البنية في تشكيل وجهة نظر أفرادها وتنشئهم على اللاتفكير، إلا فيما يحفظ لهم استمرارهم في الحياة، وما يحصنهم من أجل مواجهة الموت، وهذا راجع إلى انحصار بنية المجتمع ضمن دائرة تدور على نفسها وتنشطر إلى زمنين متقابلين: زمن للحياة وزمن للموت، الأول يعمل جاهدا ويركز كل قواه وقدراته من أجل مواجهة الثاني، فكل شيء في المجتمع الصحراوي القبلي «أكل ومأكول، وكل شخص فيه قاتل أو قتيل، حياة أو موت، وحين يكون الخيار الوحيد أمام الشخصية هو الوجود في رؤية مكانية منبسطة مشغولة بمقاومة الموت فإن الزمن نفسه تتراجع أهميته، بوصفه تتابعا خطيا، إلى حد الاختفاء».

تشكل الدولة على مثال القبيلة

تحتل التقاليد مكانة مهمة في الدراسات التي تهم المنظومة السياسية العربية المعاصرة، حيت تظهر كمعيار من الضروري الاعتماد عليه بالنسبة للشخص الذي يبحث عن الوصول لفهم المحرك التاريخي للفشل السياسي، وتفسير سلوك المنظومة السياسية العربية، إذ يصعب علينا فهم الأوضاع السياسية في هذه البلدان بدون الرجوع إلى المخيال الصحراوي القبلي، ويكفي أن مفكرا كبيرا كابن خلدون تنبه منذ وقت مضى إلى أهمية المزاوجة بين العصبية القبلية والعصبية الدينية في تشييد الأسس التي تقوم عليها الدولة وتقوي استمرار وجودها وقوتها أو انهيارها، وفي زمننا الراهن لا زالت أنظمة الحكم العربية تضمن استمرارها باللجوء إلى العصبيات القبلية، حيث نجد في كثير من البلدان العربية استمرار العلاقة العضوية بين النظام الاجتماعي والسياسي وبين القبيلة، أي أن الدول العربية لا زالت تتخد من الأيديولوجيا القبلية الصحراوية مصدرا لإضفاء المشروعية على حكمها ، حيت نجد الحاكم في الدول العربية يسود ويملي ويوجه ويلزم المحكومين بقراراته وبكيفية تنفيذها، يعاقب ويسامح في كل المجالات من الدين مرورا بالأخلاق وصولا إلى الاقتصاد والهندسة ومكانة العلوم وكرة القدم والروحانيات. تحيط بهذا الحاكم طائفة من المقربين ترفض الظهور إلا لرجل واحد يكون أقرب المقربين من الحاكم وعادة ما يكون هذا الرجل وزيرا حازما أو مستشارا داهية، وهذا ما دفعنا إلى القول بأن العلاقة بالسلطة في الدول العربية تجد جذورها في القديم. يقتضي تحرير الإنسان العربي من بنى الاستبداد والهدر الكياني إذن، قيام ثورة على صعيد الفكر الإنساني، ثورة تسعى إلى إطلاق طاقات الإنسان الحية واستثمار قدراته، ومن أجل ذلك لا بد من تحرير المبادرة والإرادة الإنسانية من كل قيود التوارث الآسن القائم على المرجعيات الغيبية والحق الإلهي.

٭ كاتب من المغرب

أثر المخيال الصحراوي القبلي في تشكل الدولة العربية

المهدي مستقيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية