يعتبر الشاعر المغربي عبد الجواد العوفير، من بين شعراء الحساسية الجديدة في قصيدة النثر، الذين قدموا خدمات جليلة لهذه القصيدة، عن طريق تفجير ينابيع جديدة في سرديتها الإيقاعية ..فالإلتماعات الموسيقالية التي عمدها إياها، في تعبيريته الجديدة، مكنته انتباها كاملا وسط مدونتنا الشعرية، وهو ما جعله أحد الشعراء الشباب الذين كرمتهم دائرة الثقافية والإعلام بالشارقة.
فصاحب «ضحكات الكركي» و«راعي الفراغ» شاعر لا يمل افتضاض طرائق جديدة في كتابة قصيدته، التي نعتبر عليها اصطلاحا بالكريستالية، هذا إلى جانب ما عمل عليه من ترجمات لنصوص مهمة لشعراء أمثال: كلود إيزو، وهومبيرتو أكبال، وأنطونين أرتو، وكلود فيجي، وألبيرتو كورابيل
في هذا الحوار نسلط الضوء على محطات أساسية في مسيرة هذا الشاعر ونستعرض معه، جملة من القضايا الراهنة في المشهد الشعري، ونوسع الرؤية مع تكبير الزوايا لهذا الشاعر، الذي مهر منجزه بالاختلاف والمغايرة.
■ كبداية لهذا الحوار، ما فاتحة النص الذي ورطك في عالم الكتابة؟ خبرنا قليلا عن البدايات؟
□ وجدت نفسي غارقا في الشعر من دون أن أدري ذلك. لم يكن بالتأكيد تقليدا لأحد ربما اعجابا بحيوات بعض الكائنات الشعرية، اعجابي بآرثر رامبو أو الشاعر العراقي الذي قضى أواخر حياته في أستراليا جان دامو كان بتجربتهم الحياتية وصعلكتهم وفي المقابل كان استغرابي من تناقضات المتنبي الذي عاش بوجهين جعلت منه فاقدا للمعنى الحقيقي للشاعر. ربما كان تأثير المتصوفة وشعراء السوريالية الفرنسية أقوى. شعرية ابن الفارض وجلال الدين الرومي وفريد الدين العطار أعطتني الشحنة الأولى والحقيقية للحداثة.
بعد اكتشافي في سن المراهقة لأشعار نزار قباني التي أدمنت على اقتناءها أيام اقامتي القصيرة في الأردن من شارع صغير في إربد اكتشفت أنسي الحاج والماغوط وبدا لي نزار صغيرا أمام هؤلاء، أذكر أنني أحرقت جل دواوينه فور عودتي للمغرب، ربما خفت حينها أن يسيطر الصوت الساذج في كتاباته على نصوصي الأولى، ومن ناحية أخرى كرهي الشديد للأشياء الجماهيرية.
بحثت عن الأصوات المهمشة من العالم لأقرأها. اتقاني للفرنسية سمح بذلك. ولكن يبقى الشعر قادما من مكان آخر، من طفولتي الحزينة.
رفض العائلة الشديد لكتاباتي واستهزائهم المستمر دفعني لأقاوم بالكتابة، وبهذه الاخيرة لا نقاوم الأخر فقط بل نقاوم حتى ذواتنا الهشة.
■ ماذا عن طقوسك الكتابية ؟
□ أنا مزاجي وكسول في علاقتي مع الكتابة وخصوصا الشعر، أهاب منه. استماعي لموسيقى غريبة أو لسماعي لكلمة عابرة في الشارع قد تكون الفاتحة الأولى لنص جديد، قد تستغرب إذا قلت لك أنني أفضل الأمكنة الصاخبة فهنالك يمكن أجد الشعر في الأصوات المتداخلة، بشرط أن لا يوجه أحد الحديث إلي. أعيش عزلتي داخل حشد من الأصوات، يرعبني الصمت التام. ولم أكتب أبدا أمام بحر أو طبيعة. أحس أنني أملك العالم داخلي. أغمض أحيانا عيناي وأقول الشعر. وفي الغالب تأتي القصيدة التي أكتبها أقل جمالا من التي أفكر فيها.
■ في منظورك ما وظيفة الشاعر اليوم؟
□ لا دور يقوم به الشاعر اليوم أو سابقا غير الاشتغال على تجربته الشعرية من داخلها. محاولة النظر خارجا هو السقوط في اللاشعر. الشعراء الملتزمون باعوا شعرهم من أجل قضايا زائلة. المفاهيم السياسية والمجتمعية تتغير.، إذا فالقصيدة الحدث تعلن وفاتها مع انتهاء الحدث، ربما سنقرأها كما نشاهد جثة للمرة العاشرة، ما الفائدة من ذلك؟
من منا لا يمكنه الوقوف اعجابا أمام فرناندو بيسوا فهو في قصائده يصنع عوالما ولا يكتب عوالما، هذه هي مهمة الشاعر الوحيدة.
■ ترجمت مجموعة من الشعراء للعربية من أمثال: كلود إيزو، وهومبيرتو أكبال، وأنطونين أرتو، وكلود فيجي، وألبيرتو كورابيل وهي الترجمات التي لاقت استحسانا نقديا غير مشوش عليه، في منظورك ما هي الخلطة المناسبة التي يمكن اعتمادها لترجمة الشعر ؟ وأين تكمن الصعوبات فيه؟
□ لا توجد خلطة سحرية في ترجمة الشعر وهو بطبيعة الحال من أصعب الترجمات. لأننا نتخلص من اللغة القاموسية نحو لغة إحائية. اتقان اللغة ليس كافيا، لأن كلمة معينة في بلد ما قد تعني معنى مختلفا في بلد آخر وهنا تكمن الصعوبة. الصدق في ترجمة قصيدة ما هو بالتأكيد قتلها، لكن أقدر أن أقول لك أنه صدق معكوس حيث يجب نقل الجمال بالجمال من دون تكلف.
أذكر أنني كنت أترجم قصائد الغواتيمالي هومبيرتو أكبال فأصابني بكاء شديد.هذا التماهي يحدث غالبا عندما أترجم نصوصا أحبها. ولا أترجم نصوصا لا أحس بجاذبية نحوها أو تحث طلب مؤسسة. إنها جاذبية العشق الأول.
■ هل تجد أن قصيدة النثر التي تكتبها بإخلاص كامل قد حققت وعدها، الذي انطلقت منه؟ أم أنها بحاجة لمراجعة جملتها النظرية بالكامل؟
□ قصيدة النثر دخلت في كلاسيكية مرعبة. الانقلاب الذي قامت به هذه القصيدة ضد العمودية والتفعيلة يجب أن تقوم به على نفسها. شعرائها أصبحوا تواءما .لا نكاد نميز قصيدة عن أخرى، وهذا ما يقلقني ويحيرني في تجربتي قبل تجارب الآخرين.
كتابتها بإخلاص يعني عبادتها وهذا مطب سقطنا فيه جميعنا. أحاول الانفتاح في قصائدي على شعرية الهايكو التي في نظري هي طوق نجاة من النمطية التي أصابت جسد القصيدة العربية. ولا يجدر تقليد الهايكو الياباني لأن له خصوصيته وأجواءه بل علينا أن ننفخ روح الهايكو في قصيدة النثر لإنقادها.
■ كيف ترى للتجارب الشابة اليوم، التي تكتب هذه القصيدة وتربط نشرها بالانترنت، هل هذا الفضاء أيضا أضاف الكثير للأدب، أم كان وبالا عليه؟
□ من يكتبون الشعر حاليا كثيرون لكن الشعراء الحقيقيون قليلون. يعني نجد أسماء قليلة تكتب بوعي تجربتها وتحفر اسمها بهدوء. فايسبوك مثلا أظهر كائنات نرجسية تجاربهم أقل من عادية، لكنهم يحضون بمتابعات هائلة وأصبح لهم مريدون. أنقول حينها أن الخطأ من الشاعر أم من القارئ العربي بثقافته الشعرية المتواضعة.
قبل الإنترنيت كان النشر في صحيفة أو مجلة أدبية إنجازا وكنا نحس بحلاوة ذلك. اليوم أصبح الهامش الرديء أقوى من الهامش الجيد.
■ كيف يرى عبد الجواد العوفير لواقع للساحة الشعرية المغربية اليوم؟
□ في المغرب هنالك شعراء جميلون ومغامرون. مختلفون عن الشرق لأنهم لم يغرقوا في وحل الايدولوجيا. تجربة التسعينات وما بعدها أفرزت شعرية جديدة تستشرف المستقبل وتشتغل بعمق افتقده شعراء السبعينات والثمانينات.
حاوره عبد الواحد مفتاح