إذعان الحكومة المصرية لشروط صندوق النقد الدولي سيئ الصيت والسمعة.. تم ذلك بإقرار رئاسة الدولة وموافقتها.. وكأنها لا تعلم أنها «تستجير من الرمضاء بالنار».. وقد تجهل أن مصر قد لدغت من جحر الصندوق من قبل.. فوزراء المجموعة الاقتصادية من أجهل الناس بتاريخ بلدهم وتجاربها، التي لا يعلمون عنها شيئا، فهم خبراء في التبديد والسمسرة والمضاربة على السلع والعملات والأراضي والعقارات، وخدم لأباطرة المال وحيتان الاحتكارات والاستيراد.. واستجابوا جميعا للحظر الذي منع مصر من الأنشطة الانتاجية؛ في الزراعة والصناعة والتقانة والاكتفاء الذاتي.
وصندوق النقد الدولي يعمل منذ نشأته لحساب المنتصرين من دول الغرب في الحرب العالمية الثانية.. وهم من وقفوا وراء تأسيسه والحرب تضع أوزارها في تموز/يوليو 1944. وصندوق النقد والمؤسسات النقدية والاقتصادية والمصرفية الموازية والتابعة له هم من توجوا الولايات المتحدة وأجلسوها على عرش العالم السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي.. وكانت واشنطن قد دعت وفودا من 44 دولة؛ مهمتهم المعلنة «صياغة» نظام اقتصادي ونقدي جديد يعبر عن عالم ما بعد الحرب، ويعالج ما سُمي بأخطاء ما بين الحربين؛ وبدا تأسيسه إنقاذا للدول الغربية، وعلاجا لما أصابها من خراب ودمار. ووقعت 29 دولة على ميثاق التأسيس في مؤتمر بريتون وودز الأمريكية.
والولايات المتحدة هي الدولة الأكثر مساهمة في الصندوق، وحق التصويت فيه بحجم المساهمات المدفوعة من الدول الأعضاء، وقد بلغوا 188 دولة، والمساهمة الأمريكية هي الأضخم وتقدر بحوالي ثلاثة مليارات دولار، وتبلغ ضعف المشاركة البريطانية؛ ولهذا فالقوة التصويتية الغالبة هي للولايات المتحدة وحلفائها بجانب ضغوطها على باقي المساهمين. ووُصِف أول مدير عام للصندوق، وهو بلجيكي اسمه كميل جوت، بالمجرم؛ وكان قد سطا على مدخرات الطبقة العاملة وهو وزير للمالية البلجيكية، ومنح بريطانيا كميات من الذهب مساعدة لها في إنفاقها العسكري أثناء الحرب العالمية الثانية، وزودها بالكوبلت والنحاس المستخرج من مناجم الكونغو (المستعمرة البلجيكية السابقة)، ومد الولايات المتحدة الأمريكية باليورانيوم من نفس المناجم الكونغولية لتنفيذ برنامجها النووي. وجاء تعيينه مكافأة له على ذلك الدور!.
ومصائب البدايات مستمرة حتى الآن. وهذه الحقيقة سجلتها صحيفة سعودية؛ لا يمكن اتهمامها بمعاداة الغرب أو رفض سياسة الصندوق.. إنها صحيفة «الجزيرة»؛ ذكَّرَت الناس بما حدث مع مصر، فمنذ خمسة عشر عاما، وفي عدد 12 ايار/مايو 2001؛ كتبت بأن لصندوق النقد الدولي وشقيقه البنك الدولي تاريخا عريقا من الشُّبهات والملابسات؛ اختلطت فيه السياسة بالاقتصاد، والايديولوجية بالتطبيقات الاقتصادية العملية. واستشهدت الصحيفة بأغنية عبد الحليم حافظ الشهيرة التي حكت قصة الصندوق مع السَّد العالي وقرار انسحابه من تمويل المشروع، بعد إصرار وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس على ربط التمويل بموقف مصر الرافض لحلف بغداد.
وبعد سحب التمويل، بحثت مصر عن بديل.. وقبل الاتحاد السوفييتي السابق تمويل المشروع، وذلك الموقف السوفييتي التاريخي أكسب موسكو تأثيرا بالغا بين العرب المتطلعين إلى الاستقلال والتخلص من الهيمنة الغربية، واكتسبت الصداقة العربية السوفييتة بعدا استراتيجيا أمكن الاعتماد عليه في كسر الحصار عن مصر، وحتى في وقت الخلافات وهجوم موسكو على الوحدة المصرية السورية؛ تغلبت المصالح والصداقة الاستراتيجية، وانجلت بحضور الزعيم السوفييتي نيكيتا خروشوف احتفال تحويل مجرى النيل، واتمام المرحلة الأولى للسد.. ومع ذلك فحين طلب السادات من الخبراء السوفييت ترك مصر لم يتلكأوا لحظة وخرجوا خلال ساعات.. وهذه صداقة لم تدم طويلا وانتهت بعد حرب 1973، وما أحدثته من تغير في بنية السياسة العربية التي ألقت بكل بيضها في السلة الصهيو أمريكية.
ونذكر الأجيال الجديدة بدور الصندوق في أمريكا اللاتينية، ففي تشيلي بعد الانقلاب الدموي بقيادة أوغستو بنوشيه، وقيام المخابرات المركزية بقتل الرئيس «المنتخب» سلفادور ألليندى. ووجد ذلك العمل الدموي دعما من الصندوق، وكان المفكر الاقتصادي البريطاني هارولد لاسكي قد تنبأ بحدوث مثل ذلك منذ ثلاثينات القرن الماضي.. متوقعا انقلاب المنظومة الرأسمالية الغربية على شعاراتها في الحريات والديمقراطية ودولة القانون والحقوق الإنسانية. وتتحول إلى وحش كاسر؛ يفترس السياسات الوطنية المستقلة، والمنحازة لمصالح شعوبها والعاملة على رفاهيتها.
وضاعف الصندوق من قروضه لبنوشيه، وانهارت عملة تشيلي، وقلت كمية النقود المتداولة بين الناس، وانخفض الإنفاق الحكومي، وسُرِّح موظفو الدولة، وتخصخص كل شيء؛ بما فيه التعليم والصحة، وتدنت أجور العمال، وزادت الجباية على محدودي الدخل والفقراء، وقلت على الشركات والتوكيلات الأجنبية وأباطرة المال!.. ووصل معدل البطالة إلى 19٪ وكان 3٪ عام 1973، وارتفع التضخم لأكثر من 340٪ فانهارت الطبقة الوسطى وتعاظم الفقر، وقمعت الاحتجاجات الإضرابات العمالية، ومنعت المعارضة السياسية. وما زالت آثار جرائم وتصفيات تلك الحقبة شاهدة على ظلم حكام ذلك العصر وعلى أبشع معالجات صندوق النقد الدولي. وقد اعتمدت على «الصدمات». والأرجنتين كانت من أغنى الدول في ثلاثينيات القرن العشرين، وتعرضت للإنقلابات العسكرية، وكان آخرها انقلاب الجنرال خورخي فيديلا سنة 1976، الذي اعتقل 30 ألف مواطن فيما بين 1976 و 1978، ووجد المساندة من الصندوق؛ فأغرقه بالقروض، ودفعه إلى الاقتداء بتشيلي في الخصخصة وتحرير السوق، وخفض الأجور، وتعظيم استيراد المنتجات الأجنبية؛ وتراجعت نسبة الأجور من 43٪ إلى 22٪ من إجمالي الناتج القومي، والإنتاج الصناعي بنسبة 40٪، وارتفعت الديون من 8 مليارات دولار إلى 43 مليار دولار.
ودخل صندوق النقد بوليفيا بشروطه: خصخصة القطاع العام والمياه؛ ورفع أسعارها حتى عجزت أغلب الطبقة الوسطى والفقراء عن شراء مياه الشرب النقية؛ واشتعلت «حرب المياه»، وبيعت السكك الحديدية لـ«مستثمر رئيسى»، وباعها بدوره كأنقاض وخردة!!
واستمالت الولايات المتحدة يوغوسلافيا السابقة؛ وساعدتها في الحصول على عضوية الصندوق، ومنحتها قروضا ضاعفت من ديونها الخارجية؛ من 2 مليار دولار عام 1970 إلى 18 مليار دولار عام 1980، وعجزت عن السداد، وانهار إنتاجها الصناعي والزراعي المتميز، وزاد معدل البطالة، وانخفضت الأجور بمعدل 40٪، واحتلت المرتبة السابعة في قائمة الدول الأعلى مديونية في العالم.
والأمثلة كثيرة تستعصي على الحصر.. وباختصار فهذا الصندوق أضحى أهم سبل الهيمنة الصهيو أمريكية. ولأننا في منطقة خاضعة لهذه الهيمنة ومستهدفة بالتقسيم والإبادة والتهجير الطوعي والقسري.. فمن لا تنفع معه الحروب الأهلية وعسكرة الجماعات العنصرية والطائفية والمذهبية والانعزالية فالصندوق أولى به..
ومشكلة أصحاب القرار في القاهرة هي ادمان الاستدانة والإلحاح في طلب المال من أي مصدر، ويتعاملون مع الصندوق باعتباره من «أهل الخير» والمحسنين مثلهم، وليس من «أهل الشر» الجاحدين من قوى الشعب الوطنية والقومية والثورية، ويبدو أنهم وقعوا في مصيدة الصندوق، وأذعنوا لشروطه؛ منفذين طلباته دفعة واحدة صادمة؛ أكبر من تحمل الناس.. وتعود بنا الذاكرة إلى صدمات السادات، التي انتهت بصدمة المنصة، ودفع حياته ثمنها!!..
هذه أمور نذر شؤم تتولاها حكومة تسير في واد غير وادي الشعب. ومصر عند واشنطن ليست أغلى من المملكة العربية السعودة ودول الخليج العربية.. وقد تركوا في العراء بعد التورط في سوريا واليمن وليبيا.. ولله الأمر من قبل ومن بعد..
٭ كاتب من مصر
محمد عبد الحكم دياب