الخرطوم ـ «القدس العربي»: وعد الرئيس السوداني عمر البشير أن هذا العام سيكون لتحسين معاش الناس، ولكن قبيل إنتهاء العام بقليل أصيب السودانيون بصدمة كبيرة بعد الزيادة التي أعلنتها الحكومة على المواد البترولية.
وعند إجازة موازنة العام 2016 من قبل المجلس الوطني في كانون الأول/ديسمبر الماضي وصفت من قبل أنصار الحكومة بأنها «موازنة الفقراء» ولكن تنفيذ الموازنة مطلع هذا العام أفرز واقعاً مختلفاً عن الموازنة كخطة والتي أصبحت قانونا بعد إجازتها من الجهازين التنفيذي والتشريعي.
مفاجأة الخميس
وفي وقت متأخر من مساء الخامس، تفاجأ المواطنون السودانيون بزيادة أسعار الوقود حيث طلب العاملون في محطات الوقود 27.5 جنيه ثمنا لغالون البنزين بعد أن كان سعره 21 جنيها قبل ساعة من ذلك الوقت، وأصبح سعر غالون الكيروسين 18.8 جنيه وسعر اللتر من الغازولين 4.11 جنيه، وشملت الزيادات أسعار الكهرباء لمن يستهلك أكثر من 400 كيلو واط.
واستبق بنك السودان هذه القرارات بإصداره جملة من الإجراءات بهدف السيطرة على سعر صرف العملات الأجنبية حدد بموجبها سعر الدولار مقابل 15.80جنيه سوداني وهو أقل بقليل من سعر السوق غير الرسمي والذي يسمى محليا بالسوق السوداء، وكان السعر الرسمي السابق 6.5 بالعملة المحلية.
ووصف خبراء ومختصون الإجراءات المتعلقة برفع سعر الدولار بنسبة 130% مقابل الجنيه، بالتحرير غير المعلن، وأوضحوا خطورة الخطوة دون أن تتزامن معها قرارات أخرى.
رفع الدعم للمرة الثانية
قرار الحكومة السودانية برفع الدعم جاء بعد عامين من أول قرار بهذا الخصوص، وهو ما تسبب في أحداث أيلول/سبتمبر 2013 التي سقط فيها عشرات المواطنين بعد أن تظاهروا ضد اسقاط الدعم عن الوقود، وحاولت الحكومة السيطرة على تدهور اقتصادي مستمر، خاصة بعد أن فقدت ثلاثة أرباع إنتاجها من البترول بعد إنفصال دولة جنوب السودان التي توجد فيها معظم حقول النفط، لكنها اتجهت في نهاية المطاف لرفع الدعم.
ورغم أن الرئيس البشير الذي أعيد انتخابه في العام الماضي لأربع سنوات، اعتبر أن هذا العام سيكون لترتيب أوضاع معاش الناس وتسهيل سبل الحياة الكريمة للسودانيين، فقد ابتدرت الحكومة السودانية العام بزيادة كبيرة على أسعار الغاز وفاتورة المياه قبل حلول الربع الأول لميزانية 2016.
وفرضت الحكومة زيادة بلغت 200 %على سعر غاز الطهي و100% على رسوم مياه الشرب في ولاية الخرطوم ابتداء من آذار/مارس الماضي وشهدت الفترة الماضية ارتفاعا لأسعار غاز الطهي للمرة الثانية خلال أقل من شهرين.
ومنذ ذلك الحين يشتكي المواطنون من ارتفاع أسعار كل السلع والخدمات بشكل يومي دون أي مبررات. وشهد كانون الثاني/يناير الماضي الإعلان عن فك احتكار استيراد غاز الطهي ووقود الطائرات «جت» والفيرنس والسماح للقطاع الخاص باستيراد هذه المشتقات النفطية.
بطالة وضرائب باهظة
واعتمدت ميزانية هذا العام على الضرائب بنسبة 71% لتغطي الفصل الأول البالغ 60%. واعتبر خبراء أن البطالة هي أكبر المؤشرات التي تحتاج لحلول، حيث بلغت 19.2% وتعني أن مليوني مواطن يبحثون عن العمل ضمن القوى العاملة التي تبلغ 9 ملايين.
وزير المالية السوداني بدر الدين محمود، أثار جدلا واسعا قبيل الزيادات وأعلن عن تقديم استقالته بعد إجازة موازنة العام الجديد مباشرة وذلك بسبب تعرضه لهجوم كبير من بعض أعضاء البرلمان وقال في لقاء تنويري لقوى الحوار الوطني إن هذه الإجراءات تجيء ضمن الإصلاح الاقتصادي طبقا لما جاء في مؤتمر الحوار الوطني، مشيرا إلى أن كل ذلك موجود في البرنامج الخماسي الذي وصفه بأنه وضع أهدافا محددة.
وأكد أن هذه الإجراءات ركزت على ضرورة ترشيد الاستيراد وزيادة الصادرات، ثم اصلاح سعر الصرف بسياسات نقدية جديدة لإحداث النمو الاقتصادي، وشدد على التركيز على القطاع الخارجي والعمل على استقرار وخفض العجز في الميزان الخارجي والعمل على استقرار سعر الصرف.
توصيات الحوار الوطني
الجدل الذي استمر في صفوف أنصار الحزب الحاكم بعد إعلان الإجراءات الأخيرة لم يكن في المقام الأول حول الإجراءات نفسها، بل حول مدى موافقتها أو اختلافها مع توصيات مؤتمر الحوار الوطني في شقها الاقتصادي. ففي حين اعتبر كثيرون أن توقيت القرارات لم يكن مناسبا، أكد آخرون أن القرارات لم تخرج عن ما أوصت به لجنة الاقتصاد في المؤتمر.
وخرج الأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني، سالم على سالم، بتصريح يؤكد فيه عدم مخالفة الاجراءات عن ما نادى به المؤتمر، مشيرا إلى أنها موجودة في توصيات مؤتمر الحوار الوطني وقد وافق عليها قادة وزعماء الأحزاب السياسية والحركات المسلحة بعد أن طرحها للنقاش خبراء وأكاديميون. وأوضح أن أهم التوصيات شددت على ضرورة ان يوجه الدعم الحكومي للإنتاج وليس للاستهلاك.
حلفاء الحكومة والمشاركون فيها من الأحزاب الأخرى ،اختلفت مواقفهم بين الرفض الناعم والتزام الصمت، لكن أحد الأحزاب التي تحمل اسم حزب الأمة ويرأسه الصادق الهادي أبدى تأييده الواضح للقرارات وأعلن ذلك حسن إسماعيل، الوزير في حكومة ولاية الخرطوم حيث قال في إحدى الندوات، ان القرارات الاقتصادية الأخيرة اتخذت في مجلس الوزراء وهم جزء منها. وأضاف :»نتحمل مسؤلياتنا كاملة وتحملناها في 2013 وهي ليست قرارات جديدة ومعلنة في البرنامج الثلاثي» وزاد قائلا «نرى أن يكمل وزير المالية برنامجه الاقتصادي على أن تأتي حكومة ما بعد كانون الثاني/يناير لتنفذ توصيات الحوار الوطني وما يلي توصيات اللجنة الاقتصادية».
ورغم التأييد التام لهذه الإجراءات من قبل أعضاء الحزب الحاكم والمتحالفين معه، فقد رفضتها هيئة علماء السودان التي لم تعارض أي قرار حكومي في السابق، وإن لبس الرفض هذه المرة ثوب «المناصحة». الهيئة قالت في مؤتمر صحافي إن «من واجبات الحكومة توفير معاش الناس» وانتقد أعضاء الهيئة تبديد المال العام وطالبوا بترشيد الصرف الحكومي وأفتوا- للمرة الأولى- بأن التظاهر حق مكفول للجمهور في الدستور وتعهدت الهيئة بالدفع بمذكرة لرئاسة الجمهورية تطالب فيها بالتعامل مع المحتجين ضد هذه القرارت بحكمة!.
أغلبية في البرلمان السوداني تتبع لحزب المؤتمر الوطني الحاكم ولا تعارض القرارت التي يصدرها، لكن هنالك أقلية من الأعضاء المستقلين الذين أعلنوا رفضهم لهذه القرارت وعبروا عن ذلك بمقاطعة إحدى الجلسات في الأسبوع الماضي، معتبرين أن هذه الإجراءات تمثل خرقا واضحا وانتهاكا لميزانية 2016.
وطالب النواب المستقلون مجلس الوزراء بالتراجع عن هذه القرارات التي تفتقد للمسوغ القانوني على حد تعبيرهم وقدموا 22 مقترحا لخفض الإنفاق الحكومي وأصدر النواب المستقلون – متحالفين مع نواب الحزب الاتحادي الديمقراطي – بيانا أشاروا فيه إلى أن هذه القرارت أحبطت الشعب السوداني وقضت على آماله في مستقبل زاهر كما وصفوا ما حدث بأنه تهميش لدور نواب البرلمان.
الأسعار تشتعل
ولم تنتظر الأحوال على الأرض كثيرا، فخلال يومين فقط من إعلان الزيادات والقرارات المتعلقة بسعر الصرف، تراجع الجنيه السوداني أمام الدولار وحقق رقما قياسيا وتجاوز السعر 16.9 و17 بعد أن كان 15 جنيها.
هيئة الجمارك أصدرت قرارا بزيادة ضريبة القيمة المضافة للسيارات بنسبة تراوحت بين 130 %-150 % والألبان بنسبة 40% ورسوم الأثاث بنسبة 50 % والملابس بنسبة 40 % وشملت الزيادة العديد من السلع المستوردة من بينها الصابون ومعجون الأسنان والأدوات الصحية والحديد الصلب ومبردات المياه.
وسارعت وزارة النقل والطرق والجسور إلى تحرير أسعار تذاكر السفر لولايات السودان المختلفة وجاء التحرير بإضافة 20 % للقيمة القديمة والتي زادت هي الأخرى قبل شهرين، وبهذا الوضع يصبح سفر المواطنين المعروفين بصلاتهم الاجتماعية عبئا كبيرا على ميزانة الأسر، وسارع أصحاب حافلات نقل طلاب المدارس إلى رفع قيمة الأجرة، وارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية الضرورية مثل الدقيق والزيت.
ولامتصاص غضب المواطنين أعلنت الحكومة زيادة في رواتب العاملين بنسبة 20%وزيادة الصرف على الضمان الاجتماعي ومنح العاملين حوافز في الأعياد ورفع بدل الوجبة لمئتي جنيه شهريا.
وأعلنت ولاية الخرطوم إبقاء أوزان وأسعار الخبز كما هي والنظر في زيادة تسعيرة المواصلات، لكن أصحاب المركبات لم ينتظروا ذلك وفرضوا تسعيرة جديدة بلغت الضعف في خطوط عديدة في غياب وندرة وسائط نقل الركاب، الأمر الذي أدى لتذمر واسع في أوساط المواطنين.
القرارات التي أعلنت في ليل الخميس قابلها المواطنون صباح الجمعة برفض شديد وشهدت التجمعات في أسواق الخضار والبقالات والمناسبات الخاصة جدلا كثيفا، حيث اعتبر كثيرون أن تطبيق هذه القرارات يعني الحكم على الفقراء بالموت جوعا ومرضا.
وتحولت الأحاديث الاجتماعية لمناقشة هذه القضية ولم تخل «الونسة» العادية من البحث عن حلول لحالة ارتفاع الأسعار المتوقعة والبحث عن البدائل، وصار عاديا مشهد مراجعة الأرقام والحسابات في وسائل المواصلات العامة وأماكن العمل والأسواق واعتبر الكثيرون أن المعادلة صعبة جدا بين الدخل والمنصرف.
تظاهرات محدودة
واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي برفض قاطع لهذه القرارات وعاد الحديث عن الثورة والمناهضة من جديد، وطالب الكثيرون بعدم التعجل والاستفادة من أخطاء أحداث 2013 وشهدت جامعة الخرطوم تظاهرات محدودة وتحركات جماهيرية في مدني ونيالا وعطبرة وقابلت الحكومة هذا الرفض باستعدادات أمنية مكثفة ومصادرة ثلاث صحف بعد طباعتها، ودخلت هذه القرارات فعليا ضمن الرقابة المسبقة على الصحف.
وأعتقلت الأجهزة الأمنية عددا كبيرا من قادة الأحزاب السياسية والناشطين الحقوقيين وذلك على خلفية دعوات وتحركات المعارضة لمناهضة قرار زيادة أسعار الوقود الذي أعلنته الحكومة مؤخرا.
وذكر حزب المؤتمر السوداني أن قائمة معتقليه وصلت 21 على رأسهم رئيس الحزب عمر يوسف، واعتقلت السلطات عددا من الناشطين، وذلك أثناء مخاطبة جماهيرية في الخرطوم بحري هدفها مناهضة الإجراءات الاقتصادية.
المعارضة تحركت وإن اكتفت حتى الآن بالبيانات فقط، واعتبر حزب الأمة القومي أن الزيادات الأخيرة هي محصلة لفشل النظام وتأكيد على شمولية الأزمة التي تعيشها البلاد، وأضاف أن المخرج من كل هذه الأزمات هو تصعيد العمل المقاوم الرافض لسياسات النظام واتساع دائرة الإضرابات والاعتصامات حفاظا على حق الحياة.
وقالت الجبهة الوطنية العريضة في بيان موقع باسم رئيسها محمود علي حسنين إن إعلان الزيادات الأخيرة «يؤكد فشل النظام التام في إدارة شؤون البلاد ويثبت نزعته لتدمير الوطن وإرهاق المواطن الذي عانى من الضنك من قبل ليقع الآن فريسة الضياع والعجز الكامل مقابل تكاليف الحياة».
وطالبت الجبهة بإيقاف الحوار مع النظام وإزالته واسقاطه ودعت جميع فصائل المعارضة للتوحد وأن يكونوا ضمن «قوى المقاومة» وأضافت:»آن لكل هؤلاء وغيرهم ان يتجمعوا تحت قوى المقاومة لإدارة الحراك الجماهيري، وان لا يلتفت أحد إلى دعوة من النظام مشروطة أو غير مشروطة إلى لقاء معه داخل السودان أو خارجه، لأن في ذلك خذلانا للجماهير، فقوى المقاومة هي للاسقاط وحده ومحاسبة ومساءلة كل من أجرم في حق الوطن والمواطن من قيادة هذا النظام والمتعاونين معه».
ودعت حركة جيش تحرير السودان بقيادة مناوي، الشعب كافة للخروج للشارع والعصيان المدني. وطالبت الجبهة السودانية للتغيير بتكثيف كل الجهود واستنفار الجماهير بغرض تنظيمها وتعبئتها في سبيل التحضير للعصيان المدني والإضراب السياسي الشامل ولاسترداد الديمقراطية وحكم القانون، وحددت خطواتها بمقاومة سياسة النظام الاقتصادية بالاعتصامات في الميادين العامة والأحياء، وبالشروع فورا في إقامة النقابات البديلة، والتنظيمات المهنية والفئوية.
وحذر حزب التحرير الإسلامي من ثورة الجياع وغضب الجبار وقال في بيان له إن هذا النظام إذا قال شيئا يفعل نقيضه، مشيرا إلى كثرة الحديث في الآونة الأخيرة عن تحسين معاش الناس لتكون النتيجة زيادة الأسعار والتضييق على الناس وصناعة الفقر.
مبادرة المجتمع المدني استنكرت ورفضت هذه الزيادات وقالت إنها تؤدي بالضرورة إلى ارتفاع فاحش في أسعار المواصلات والنقل والخدمات وكافة السلع الأساسية وتكاليف المعيشة والخدمات المرتبطة بحياة المواطن في مختلف جوانبها.
وعلى مستوى التداعيات الخارجية طلبت الولايات المتحدة، يوم الثلاثاء الماضي، من رعاياها في السودان التحوط تحسبا لاحتجاجات متوقعة وذلك بتفعيل الخطط الأمنية الشخصية ومراقبة الأحداث، خاصة بعد أن أعلنت السلطات استعدادها لمجابهة التظاهرات.