بيروت- «القدس العربي»: لم يعد صوت ريما خشيش مختصاً بالتراث وحده، باتت لها هويتها الفنية عبر العديد من الأغنيات الخاصة بها. إنها بصمتها في اختيار الكلمة واللحن وحتى مشاركة ربيع مروة في المهمة الأجمل أي صياغة النغمات التي تظلل الكلام بعزف يليق به. في مولودها السادس من الـ»سي ديز» بعنوان «وَشْوشني» فاض صوت ريما بعذوبة، وتلقى رواد حفليها في مسرح المدينة جديدها بإعجاب.
ريما الصوت الذي يغرّد في فضاء خاص به تخبرنا أنها «توشوش» الموسيقى: لجميع من يرغب بسماعها، «ولمن يحب ما أقدمه من فن». لها مذاق خاص في الفن وما يتسلل دون إذن إلى احساسها ومشاعرها «هي موسيقى التراث العربي برمته والذي نشأت على سماعه، وكذلك كل جديد جميل ومميز، فمن الضروري أن ينتمي الإنسان إلى عصره بقدر ممكن».
لا تسمي ريما من لفتها في عصرنا هذا من أصوات وتؤكد: في الذوق الفني آسف للقول بأني لا أنتمي كثيراً للعصر الذي أعيشه. كان مفترضاً أن أكون في عصر آخر. نحن في عصر يرهقنا في حياتنا اليومية وبأشكال لا تُحصى. نعم لكل عصر مشاكله، إنما أفضل لو عشت في العصر الذهبي الذي رحل.
«وشوشني» كما تقول ريما خشيش استغرق ثلاث سنوات من التحضير. وتضيف: بعض أغنياته قدمتها مع ربيع مروة في حفلات صغيرة منذ عشر سنوات ولم تُسجل. وكل عمل موسيقي يأتي في وقته الطبيعي من توزيع وتسجيل. الموسيقيون أوروبيون وكنا نلتقي للتمارين والعمل وصولاً إلى مرحلة التسجيل، في مراحل متباعدة.
العنوان الذي حمله الـ»سي دي» ناتج عن كونه موسيقي الوقع على الأذن. هكذا تقول ريما مضيفة: من «وشوشني» إلى صورة غلاف الـ»سي دي» جميعها خطوات تشي بما هو مختلف بحدود ما عن ما سبق وقدمته. أنا في طريق فتحت خلاله هلالين من ضمن طريقي المعروف. هو جديد ينتمي لما قدمته من قبل. لن يتم قفل الهلالين بل للطريق صلة. المختلف في هذا العمل الموسيقي أن أغنياته جديدة وخاصة، في حين كانت أعمالي السابقة إعادات تراثية مع القليل القليل من الغناء الخاص. وشوشني أغنياته خاصة، وهذا أصعب من إعادة غناء التراث.
ريما خشيش التي حفرت لنفسها مكانة خاصة في الثقافة العربية الموسيقية ظهرت على غلاف «وشوشني» بما يشبه جنون الفن فما رأيك؟ جوابها: ليس جنوناً بقدر ما هي حركة غير كلاسيكية بعيدة عن «بوز» الصورة. ريما في هذه الصورة تشبهني مئة في المئة. نسألها عن أغنيات ثلاث جميلة من لون الموشحات من ألحان فؤاد عبد المجيد؟ تقول في حكاية تلك الألحان: حصلت من الورثة على حقوق سبع ألحان. فأنا على معرفة بفؤاد عبد المجيد وعائلته منذ كنت في عمر الـ13 سنة. وسبق وسجلت بعض هذه الأغنيات في «سي دي» «فلك». بقيت أغنية واحدة لم تُسجل. والأغنيات السبع من نوع الموشحات العصرية التي تميز بها عبد المجيد، والتي أغنيها في كافة حفلاتي. في ألحان عبد المجيد ما يذكرنا بالمبدعين الذين رحلوا والذين تركوا بصمة كبيرة على موسيقى القرن الـ20 ستستمر لمدى الحياة. عبد المجيد كان من صلب القرن العشرين في موسيقاه، وتمكن من التجديد والمعاصرة من ضمنه بحيث جمع بين الأجيال الحاضرة والماضية على صعيد الذائقة الفنية.
ربيع مروة فنان يتواءم مع ذائقة وصوت ريما خشيش، بينهما مسيرة بدأت مع «قطار الشرق» سنة 2002 وهو الـ»سي دي» الأول الذي حمل اسمها. في هذا التعاون تقول: ربيع مروة داعمي الدائم حتى وإن لم يتضمن عملي الموسيقي لحناً له ومنذ خطواتي الأولى. حضوره مهم جداً معي لأننا نتوافق في الأفكار. في وشوشني حققت الكثير من الأمنيات التي كنت أرغبها على صعيد اختيار الأغنيات وبخاصة من ألحان ربيع مروة.
ريما كانت في غاية الرضا عن حفلات مسرح المدينة. تقول: أن نقدم حفلاً بأغنيات جديدة من مغنية معروفة بأداء التراث فهذا أمر صعب للغاية. بعض هذه الأغنيات قدمتها في حفلات سابقة دون توزيع موسيقي. كانت مفاجأة لدى الجمهور إنما إيجابية كما شعرت، وأتمنى أن يكون شعوري حقيقيا.
أن تسعى ريما خشيش لتكون لها مكانة في ركن الثقافة العربية الموسيقية فهذا ليس هدفاً مفتعلاً، بل هو جزء من نسيجها الخاص ونشأتها الفنية الرصينة. تقول: بدأت الغناء في عمر الطفولة، حافزي شغف دون حدود للموسيقى. وهذا هو العمل الوحيد المهم الذي قمت به في حياتي. لم يكن لي مرة هدفا غير الموسيقى بحد ذاتها، وأن استمر بالعطاء عندما أمتلك ما يمكن التعبير عنه بصوتي. المسيرة ليست سهلة. توقعاتي من ذاتي كثيرة، ومحاسبتي لذاتي أكثر. أدرس خطواتي، وأشعر قبيل كل حفل أقدمه بأنه الأخير في حياتي نتيجة الخوف الذي يعتريني. لست في هذا النشاط الفني بهدف الظهور والشهرة. لهذا أعمل بالتدريج ودون ضجيج. من يحب هذا النوع من الموسيقى يعرفني في الوطن العربي جميعه.
تتقن ريما خشيش التفريد والتطريب الذي هو جزء من الغناء الشرقي بات منقرضاً لطغيان الغناء الاستهلاكي. لكنها وبإصرار ترفض أن تكون سيدة الارتجال. في رأيها لم يعد للإرتجال حضور ملحوظ. تقول: دخلت عالم الإرتجال الذي هو جزء من عالم الطرب من خلال عملي مع موسيقيين لهم خلفية متينة في موسيقى الجاز التي تعطي مساحة مطلقة للتفريد والارتجال. وهكذا صار الارتجال جزءاً طبيعياً من عملي مع هؤلاء الموسيقيين فعازف الإيقاع ألماني، والآخرون من هولندا ونحن نترافق في التسجيل والحفلات.
غنت «لأني أغني» نسألها ما الذي تغير في ريما لأنها تغني؟ تقول منذ ولدت أغني وليس لي تصور آخر لحياتي. نسألها إن ندمت مرّة على هذه الولادة وسط النغم؟ بحماس تجيب: أكيد لا. هي أغلى هدايا الحياة أن يكون لأحدنا صوت يغني.
متى ستغنين لفلسطين؟ وهل من كتاب زاهي وهبي «هوى فلسطين»؟ ممكن. بعد اسبوع من صدور الـ»سي دي» بدأ التفكير إلى أين الخطوة التالية؟ الماكينة في دماغي بدأت الدوران. لا شك سأبحث عن كلام لفلسطين من زاهي وهبي أو سواه. قيل الكثير لفلسطين وعن فلسطين. أرغب بفكرة غير مكررة وجديدة كلياً تليق بفلسطين. الخيار صعب خاصة وأن التراث العربي يزخر بأغنيات خالدة كُتبت لفلسطين. لهذا التحدي في الاختيار عالٍ جداً.
عندما نسألها عن إيجابية وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة في نشر أغنياتها في ظل عدم وجود شركة إنتاج كبيرة تدعمها تقول: لا وجود لشركة إنتاج مطلقاً لا كبيرة ولا صغيرة، فأنا الشركة «وتضحك». نعم تساعد وسائل التواصل في انتشار الأغنيات. وتساعد الراغبين في سماعي في تحقيق ذلك عندما لا يتمكنون من شراء العمل الغنائي أو متابعتي في حفل. هذا رائع وعظيم حيث اكتشف كثيرين يعرفون الأغنيات خلال حفلاتي. ولا شك أن لوسائل التواصل الاجتماعي سلبيات ومنها أنها تتيح وصول أي مادة فنية. في عصر الإذاعة الواحدة كان يفترض للصوت أن يمر على لجنة مشهود لها ليصح له أن يسمعه الناس. حالياً من يرغب بالغناء له أن يصل مهما كان حجم هذا الوصول.
والختام؟ أتمنى أن يحب الجمهور أغنيات وشوشني. من جهتي أنا فرحة بأن عدد أغنياتي الخاصة إلى ازدياد. عندما أكون في حفل ويطلب مني الجمهور غناء «بيكفيني، حفلة ترف» أو غيرها من أغنياتي، فهذا ما اعتبره رائعاً جداً. وأنه يشكل جزءاً من مسيرتي نحو المستقبل، وهو الذي سيبقى لي. فمهما أعدت غناء التراث، فهذا بالنهاية موقّع بأسماء عظماء وبشكل جميل جداً، وهو لن يترك بصمة لي. لكن وصول أغنياتي للجمهور وبالتالي أن يغنيها، فهذا مصدر سعادة كبرى لي. وآمل أن يحدث هذا.