في مناسبة غونكور ليلى السليماني: لغة المستعمر وإشكالية انتشار الأدب العربي

من حقّ ليلى السليماني الكاتبة الصحافية المغربية – الفرنسية، أن تفرح بالتتويج الأدبي – الإبداعي الكبير المتمثل في جائزة غونكور الفرنسية السامقة والعريقة. لها أن تفرح، وحق لها لأنها أصبحت ـ منذ الآن – إسما مكرسا في الأدب الفرنكفوني «العالمي»، ما يعني بتعبير آخر إسما سيدور ويحضر بكل الإشعاع والعنفوان الأدبي المستحق، ضمن الإعلام المصور والورقي والإلكتروني، وضمن البرامج الثقافية التلفزية، والحوارات الصحافية، والتوقيعات، والمنتديات.
وقد يصل رقم طبع روايتها إلى ثلاثمئة ألف نسخة، إذ في هذا الرقم الضخم يكمن عائد الجائزة، وناتج التتويج، حيث إن «النقد» المادي الذي يحصل عليه المُتَوَّج، إنما هو مبلغ رمزي تماما كالتنازل المدني عند حكم ثابت لا يتعدى درهما واحدا عندنا.
لم أقرأ الروايتين الفائزتين، «حديقة الغول» (جائزة المامونية المغربية المراكشية للأدب المكتوب بالفرنسية، وجائزة الغونكورالفرنسية لرواية «أغنية ناعمة» أو هادئة)، ومع ذلك، فإنني أثق في ذائقة ومستوى القراء المتميزين، فما بالك والأمر يتعلق بلجان تحكيم مكونة من نقاد ومبدعين وإعلامين لهم قدم راسخة في مجالاتهم، ومن ثَمَّ، يُعَوَّل على تصويتهم، ومنسوب الموضوعية العالي في تقديرهم، وترشيحهم لعمل أدبي إبداعي من دون آخر.
ستسافر الرواية الفائزة في كل الدنيا، وسيتلقفها القراء الفعليون والافتراضيون، والأدباء، والطلبة، والفضوليون للوقوف على حنكة ليلى الأدبية، وعلو كعبها في لغة موليير، ما مَكَّنها من إثبات ذاتها، وترسيخ أسلوبها، وطريقتها الحكائية، ونمطها في التعبير والقص، ثم نجاحها الباهر في إضفاء شسوع من التخييل على اعتبار أن نواة القصة حدثت، وتناقلت الصحف والإعلام وقائعها في العام 2012.
تستحق ليلى هذا الذيوع والانتشار وهي التي لمَّا تناهز العقد الرابع من عمرها. كما استحق الذيوع إياه فيها، مواطنوها المرموقون أدبيا، والمعروفون في الدوائر والفضاءات الفونكفونية المختلفة، بل والأنكلوفونية الآن: الطاهر بنجلون (رواية)، عبد اللطيف اللعبي (شعر)، وفؤاد العروي (قصة فصيرة). فضلا بطبيعة الحال واللغة، عن أصدقائهم المغاربيين الجزائريين والتونسيين الذين تعرفهم باريس والأوساط الفرنسية والفرنكفونية في افريقيا، وفضاءات عالمية أخرى، والمبدع اللبناني الكبير أمين معلوف، الذي استحق الجائزة المذكورة، كما علا شأنه فرنسيا وفرنكفونيا لما حظي بعضوية الأكاديمية الفرنسية على سنن الراحلة الجزائرية الكبيرة آسيا جبار.
نصل الآن إلى بيت القصيد، أي الكلام بشأن الأدب المغربي أو العربي المكتوب بالفرنسية أو الانكليزية أو الاسبانية أو الألمانية أو غيرها من اللغات، من دون أن نعيد ونستعيد الجدل الكلامي الذي عرفته الاشكالية الكتابية إبان السبعينات والثمانينات، وحركات التحرر والاستقلال مشتعلة في البلدان المستعمرة. أي ما مدى انتماء الأدب المغربي أو العربي المكتوب بالفرنسية أو غيرها، إلى واقع المغرب، وثقافته وحضارته، ولغته، وبنياته النفسية، وقاعه الاجتماعي؟ أليس في الأمر تغريب، ومنفى، واستعارة لغة «استعمارية» لا تعترف بثقافة ولغة وتاريخ الكتّاب «العرب» أو الأمازيغ، الذين يكتبون ويعبرون بلغة موليير أو شكسبير أو سرفانيس؟
أليس في ما يترجمه وجدان الكاتب المغربي فرنسيا، تضحية بهوية معلنة تصنع الفرق والغنى، وتطويح بالحضور الأنطولوجي والتاريخي للكاتب، والذي تعكسه باقتدار وعمق اللغة «المتخلى» عنها لأسباب ودواع ذاتية وتاريخية ووجودية؟
لقد تصدى زمرة من كتّابنا المغاربيين إلى المسألة الشائكة، إلى الاشكالية الأنطولوجية هذه، كاللعبي والخطيبي، وبوجدرة، والشرايبي، وقبلهم محمد ديب، وكاتب ياسين وغيرهما. إذ حاولوا التقليل من النقاش الايديولوجي، الذي وَصَمَ كتاباتهم بالغربة والمسخ، والاغتراب عن واقع حال بلدانهم التي ترزح تحت نير الكولونيالية، والأمية، والفقر، والاستبداد، وحاولوا إقناع المجادلين «العروبيين»، القوميين والإسلاميين معا ، بمغربية، «وعربية» آدابهم وإبداعاتهم لأنها تنقل هموم وتطلعات أبناء بلدانهم إلى باقي العالم بلغة العالم، اللغات الحية التي «قُدِّرَ» لها أن تسود وتتسَيَّد، وتصبح لغات العلم والمعرفة والآداب بالحية، والتكنولوجيا. لن نجادل كتّابنا في أن اللغة الفرنسية هي منفى فيما قال كاتب ياسين، وأنها «غنيمة حرب»، وأن إتقانها، والتعبير بها إبداعيا لدرجة اجتراح وبناء أسلبة فرنسية – مغريبة، مخصوصة، وذات نكهة مختلفة، وجوهرانية، هو اختراق حضاري، واستعادة ندية هائلة كانت مستحيلة، وتقويض لعقدة تاريخية أصَّلتْها، أو حاولت تأصيلها الكولونيالية الغربية، والاستشراق العنصري المغرض، وهو اختراق يتمظهر ويتجلى، بشكل أو بآخر، في أعطاف، وأوصال، ومفاصل المكتوب الفرنسي أو الانكليزي أو الاسباني.
لكن، علينا، في المقابل، أن نقر بحقيقة أن ذهاب هؤلاء إلى اللغة «الأجنبية» واستمرارهم فيها، واستمراءهم لها فاتحين بفضلها آفاقا جديدة لم تطرق من قبل ولو على يد أهلها وبنيها، لا يعني اتخاذها وسيلة، وذريعة لمقارعة الخصم الأوروبي التاريخي، وتفكيك أنويته، وفضح أنانيتة، وإرباك فكره وإبداعه، وموقفه من مستعمراته التاريخية بغية إيلاء الاعتبار للبلدان المغبونة المغلوبة إياها، واعتبار ثقافتها وتراثها، وفنها وآدابها. إنما يعني، من وجهة نظري، الإفادة والاستفادة، وتلميع الاسم، والسفر به بعيدا إلى العالمية، وإضفاء المجد والتكريس على الوجود الأدبي، للكتاب والكاتبات ليس غير.
ومن هنا، لا يمكن بحال أن تفكر هذه الدوائر هناك في تكريس رواية أو ديوان شعر أو مجموعة قصصية أو مسرحية، من خلال تتويجها جائزيا وإعلاميا وأدبيا بعد ترجمتها، من العربية أو الأمازيغية أو الكردية ـ مثلا ـ إلى الفرنسية أو الانكليزية لأن تلك الدوائر الأوروبية المعلومة، والمراكز البحثية الأكاديمية، والصحافة بعامة، لا ترى في اللغة العربية ما يدفعها إلى تتويجها، وتذييعها، وإقامة الدنيا والفضاءات الأدبية والإعلامية من أجلها. من منطلق تاريخي مأزوم، يغذيه التفوق الفعلي و»الموهوم»، يرى في العربية عنوان التخلف والتقهقر، والخرافة، والشعوذة، والعنف المستمد من الإسلام ما دام أن العربية لغة القرآن.
هل كان بإمكان الطاهر بنجلون، أن يتجلى ويلمع إسمه في فرنسا، وغير فرنسا لولا أنه يكتب بلغة فرنسا؟ وهل كان بمقدور عبد اللطيف اللعبي أن يسطع ويتلألأ في فرنسا، وغير فرنسا، لولا أنه يكتب بلغة فرنسا؟ وهل كان بمستطاع آسيا جبار وكاتب ياسين ومحمد ديب، وياسمينة خضرا، وبوعلام وصلصال وأضرابهم من الحاذقين إبداعيا، أن يحققوا المجد الأدبي في فرنسا، وغير فرنسا، لولا أنهم يكتبون بلغة فرنسا؟ وهل كان اسم ليلى السليماني منذورا للفوز والترقي، والوصول إلى أعلى وأشهر جائزة في فرنسا، لو لم تكن تكتب باللغة الفرنسية، وتقتحم المحرمات بخطى واثقة، وقلم شجاع لايعرف التردد والوجل؟
والآن، لا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام، تحاملي على اللغة الفرنسية التي أقرأها وأحبها كما تَمَرْأتْ وتبلورت وفتنتْ على يد أساطينها، وكبار مبدعيها شعرا ونثرا. ولا ينبغي أن يفهم مني أنني أنتقص من قدر الرواية الإبداعي، رواية ليلى السليماني. إذ الاختيار أي اختيار، يدعو إلى الاحترام والاعتبار.
لكني أسأل: هل فوز الرواية المكتوبة بالفرنسية، في نظر ووعي الفرنسيين يعود إلى المغربية ليلى بحكم «تربيتها» التي نهلت ـ على الأرجح ـ من معين الواقع المغربي في فترة الطفولة والمراهقة، أم إلى ليلى الفرنسية، التي قدمت عملا ممتعا يخدم اللغة الفرنسية، إذ يتيح الفرصة للفرنسيين للوقوف على كنوز لغتهم، وما تدخره من جمال وبروق ورعود كامنة؟ من المُتوَّج الفعلي؟ المغرب مُتَرْجَماً، أم المبدعة منغمسة في بحر اللغة الفرنسية، كاشفة للمستور والمخفي؟
ولا شك أن الذي دعاني إلى كتابة المقال هو واقع الأدب العربي في مرآة الجوائز العربية التي تسيل اللعاب، وتحرض على الكتابة الرصينة أو المتهافتة، إذ هو أدب على رغم تتويجه، وترجمته يبقى حبيس الترجمة، وحبيس الأضايير والرفوف، فلا يُقْترَحُ على جدول برامج ومناهج الجامعات الأوروبية والأمريكية، وكليات الآداب هناك، ولا تحتفي به المجلات الأدبية، ولا الدوريات المتخصصة في قراءة وعرض كتب «الأغيار».
فَإلاَمَ يعود تقصيرنا، والدول العربية المانحة للجوائز تملك المال والأعمال، والإعلام الضارب، وبِمُكْنتها تدوير ومعاورة الكتاب الممنوح هناك، لدى الدوائر الأدبية ذات الصولة والشهرة، بعد ترجمته من تعريف طلاب وأساتذة، وجامعات الغرب وأمريكا بالمنتوج العربي المُتَوَّج. أم أن الترجمة تذهب برونق وبريق وبهاء لغتنا، وتُحَجِّمُ قيمة الرواية فنيا وجماليا وبنائيا، ما يجعل أهل اللغة المترجم إليها يشيحون عنها، وينأون بأنفسهم عن عسر واستعصاء، وسطحية وتكرار، يلمسونه في الرواية، أوالمجموعة الشعرية الفائزة المترجمة؟
هو سؤال لا يعدم صوابية ـ في نظري – وإلاَّ لِمَ يشيح الغربيون والأمريكيون والأسيويون والأفارقة عن أعمال كبار أدبائنا ومبدعينا العرب، أقصد محمود درويش، وأدونيس، وسعدي يوسف، ونجيب محفوظ، وجمال الغيطاني، وعبد الرحمن منيف، وصنع الله إبراهيم، وجبرا إبراهيم جبرا، وإلياس خوري، وعبده خال، و الحبيب السالمي، وزكريا تامر، يشيحون عنهم، ولا تُتَلقَّى في مقروءاتهم ومقاربتهم، ومقالاتهم، على رغم ترجمتها ترجمة مبدعة ورصينة؟
وأما بعد: فهل نستغرب ما يجري لنا؟

في مناسبة غونكور ليلى السليماني: لغة المستعمر وإشكالية انتشار الأدب العربي

محمد بودويك

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية