«خاركس» تاريخ مجهول في انتظار الكشف عن حقيقته

حجم الخط
0

بغداد – «القدس العربي»: هل تتوقف الأراضي العراقية عن كشف أسرارها التي تظهر يوما بعد يوم؟ ربما يكون جواب هذا السؤل متعلقا بتوقف الحفر في المناطق الأثرية وغير الأثرية أيضا، إذ حتى هذا اليوم لم ينقَّب في منطقة أور في مدينة الناصرية أكثر من 25% من المساحة الشاسعة التي تشكّل المدينة القديمة، وهذا ما أكدّه الدكتور عبد الأمير الحمداني، في مديرية آثار الناصرية ورئيس اتحاد أدباء ذي قار، مشيرا إلى أن من الهبات الكبيرة التي منحتها الحكومة السابقة أن إهمالها الكبير للجنوب العراقي أدى إلى إهمال آثارها والالتفات لآثار بابل التي عبث بها وضيَّعها تقريبا.
ومن المفاجآت الكبيرة التي أعلنها المعهد البريطاني لدراسة العراق اكتشاف المدينة التي بناها الاسكندر المقدوني شمال شرق مدينة البصرة وكانت تسمى «خاركس Charax» وهو ما بيّنه فريق مكوّن من 11 منقبا وآثاريا، وهم: د. جين مون، وستيوارت كامبل، ود. روبرت كيليك/ قحطان العبيد، وجورج فاسبندر، ومارتن كروبر، ود. سيمون مهل، وأحمد عبد الله، وعبد الرزاق كاظم، د. وميري شبرسون، فَي سلات. ففي أوائل آذار/مارس الماضي وفي ختام موسم التنقيب في بقايا التجمع البابلي في تل خيبر، انتقل الفريق بمعداتهم من أور إلى البصرة.
وأشار تقرير أصدره المعهد وأعده فريق التنقيب إلى أنه طوال الشهر التالي كان مقر الفريق أربع غرف منصوبة فوق سطح دائرة شرطة الآثار في الزبير. «كنا نذهب بالسيارة كل يوم، مصحوبين بفريق حماية إلى خاركس سباسينو (الخيابر حاليا) حيث لا تظهر الآن سوى الأسوار العالية المحيطة بمدينة الاسكندر، وهي تضم مساحة نحو خمسة كيلومترات مربعة».
هذه المساحة الكبيرة تثير مشاكل جمة، ففي كل عملية تنقيب يكون وضع خريطة شاملة للموقع أساسا لكل عمل آخر، ولكن كيف ترسم خريطة لهذه الرقعة الواسعة وأين تبدأ بالتنقيب؟ وهناك سؤال آخر: كم من الآثار يمكن أن يبقى في خاركس التي بنيت في منطقة معرضة للفيضانات طوال التاريخ؟
تقع المدينة قرب الحدود العراقية الإيرانية، وقد تركت معارك الحرب الأخيرة آثارها عليها، وبعض أجزائها مغطى بمنشآت عسكرية ما تزال قائمة، بالإضافة إلى كون عوامل التعرية والأنشطة الزراعية والسرقات تمثل تهديدات أخرى. ولذا كان أول هدف للفريق هو وضع خريطة جيوفيزيائية مفصلة للتأكد من مساحة وعمق الآثار.

تخيل المدينة

قدّم فريق التنقيب تصورا لهذه المدينة، قائلين «لو سرنا في شوارع وموانئ خاركس سباسينو في أي وقت خلال القرنين الأولين بعد ميلاد المسيح، لفوجئنا بحشد هائل من الناس والبضائع، تجار يأتون بسفنهم من ساحل كجارات في الهند عارضين العطور والبهارات والعاج والأحجار شبه الثمينة، وتجار من بترا يعرضون البخور وصمغ المير، وسوريون قادمون بقوافل الجمال من تدمر، وفرثيون يطلبون بضائع تليق ببلاط ملكهم أرساسيد. وقد تساوم على حرير من الصين، وقطن من الهند، ودارسين من الملايو، وتدفع الثمن بنقود تم سكّها في خاركس. وبعيدا عن حافة المياه قد تزور أحياء للمسيحيين أو اليهود، أو تمر على بيوت أغنياء قادمين من تدمر، أو تعجب بقصور الأثرياء المحليين. وربما التقيت بكان ينك مبعوث امبراطور الصين الذي كان في طريقه إلى روما ولكنه استقر في خاركس التي كانت في قمة ازدهارها، عندما حلم الاسكندر أن يجعل مدينته الجديدة مركزا تجاريا مهما قد بدأ يتحقق».
مرت المدينة في بداياتها بمراحل لم يكن مستقبلها فيها ليبشر بخير، حيث لم يكن السلوقيون، خلفاء الاسكندر، يعطونها أسبقية في قائمة أهدافهم. وأعيد بناء المدينة في منتصف القرن الثاني الميلادي بعد فيضان شديد خرّب معظم مبانيها، وغيّر اسمها إلى أنطاكية.. ثم جاء فيضاء آخر وأعيد البناء مرة أخرى. ولم تبدأ المدينة بالازدهار إلا بعد أن قام متنفذ قوي يدعى هيسباسينس بانتزاع حق الاستقلال من الحكومة السلوقية الضعيفة، وأعاد بناءها وسميت باسمه «خاركس سباسينو» وصار مع زوجته ثلاسيا أول ملكين لمملكة خاراسين.
اعتمدت قوة المملكة على التجارة والقوة البحرية، مع أسطول يتحكم بمياه الخليج وعاصمة تسيطر على ملتقى الطرق التجارية في العالم القديم. استمرت المدينة في الازدهار حتى عندما وقعت تحت سلطة جيرانها الأقوياء الجدد، الأرساسين حكام فرثيا.. فقد استمر ملوك خاراسين على التمتع حسب علاقتهم مع فرثيا وحسب علاقة فرثيا مع روما. وفي عام 112 للميلاد، أخطأ ملك خاراسين بالتحالف مع روما عندما قدم الامبراطور تروجان للغزو، فأضمرها له حكام الأرساسين ثم قاموا بإعادة السيطرة على خاراسين بعد وفاة تروجان. ولم تكن نهاية الفرثيين عام 224 للميلاد هي سبب انهيار خاراسين، لكن السبب الحقيقي هو الطمى الذي ترسب في النهر وجعله غير صالح للملاحة إلى الخليج، ففقدت المدينة شريان حياتها الوحيد وهجرها سكانها، وتولت الفيضانات المتعاقبة دفنها تحت الغرين والتراب.

مجد خاركس

ما تزال عظمة خاركس مدفونة الآن، ولكن المسح الأولي والخندق الاستكشافي الذي حفره فريق التنقيب يبشران برؤيا مشوقة عن الماضي الثري للمدينة. كانت معظم النقود التي عثر عليها قرب السطح تالفة بسبب الظروف الجوية والتعرية، ولكن تمت دراسة قطعتين أقل تلفا، تحمل إحداهما الرأس الحليق للسلوقيين الذين خلفوا الاسكندر، وتحمل الأخرى صورة لحاكم غطي رأسه ووجهه بشعر أجعد، ربما كان من فترة زمنية لاحقة. كان لخاركس دار سك النقود الخاص بها، ولذلك فنستطيع رؤية وجوه لملوك محليين آخرين.
تظهر دلائل عظمة المدينة وثرائها من بعض ما عثر عليه من قطع لأوعية زجاجية رقيقة، وفص قرصي الشكل من الزمرد بلون برتقالي تشوبه بقع ضبابية بيضاء، ومن القطع الكبيرة من الأحجار المنقوشة وأجزاء الأعمدة التي ظهرت إلى السطح بفعل العمليات الحربية الأخيرة. و»قد عثرنا على مكعب كبير من الزجاج قطع وحفر بفن ومهارة، ربما كان قطعة من موزاييك متألق».
كما وجد الفريق كميات كبيرة من الفخاريات، على السطح أو في بعض الحفريات، بعضها بشكل ملبوسات أنيقة ذات صناعة دقيقة وسطح مزجج، وقد تحوّل التزجيج مع الوقت إلى أصفر أو أبيض، ولكنه ربما كان من البداية أخضر برّاقا. سبق أن وجد المنقبون في جنوب العراق مثل هذه القطع المزججة، وربما كان مصدرها كلها من خاركس سباسينو، وتاريخها كلها يعود إلى ما بين القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول بعده.
وفي خندق الاستكشاف الذي حفر في طرف المدينة، أثار دهشة الفريق، وجود نحو 12 من الأوعية الكبيرة غير محطمة. كانت سبعة من الأوعية الكبيرة مصفوفة في خط واحد على الجدار الجنوبي لساقية تمثل حدود قطاع السكن. كان طول كل وعاء أكثر من متر، وله جـوانب مـستقيمة تماما، ولا يعلم لأي أغراض كانت تستعـمل وهي مقـلوبة ولـها فتـحة مـن الأسـفل.
ذهب تفكير الفريق إلى أنها ربما كانت تستعمل لتفريغ السوائل، ولكن الموضوع ما يزال محيرا. كانت هناك جرار أخرى مطلية من الداخل بالقار، ربما كانت تستعمل لحفظ السوائل كالنبيذ وغيره. وكانت بعض الخنادق مملوءة بالفخار المتكسر أو عظام الضأن والخراف، مما يدل على أن السكان كانوا يتغذون جيدا.

خاكس من الجو

ما تزال الأسوار المبنية من الطابوق والطين حول خاركس ماثلة للعيان بارتفاع يصل إلى أربعة أمتار، وهي الشيء الوحيد الذي يمكن مشاهدته في سهل منبسط على مدِّ البصر. الجزء الوحيد الذي ما زال محافظا على كل ارتفاعه هو السور الشمالي، بطور 2.4 كيلومتر. ولا تزال بعض أجزاء السورين الشرقي والغربي ظاهرة، ولكن السور الجنوبي يكاد لا يبين. يمثل الحد الجنوبي للمدينة قاع قديم لعطفة من نهر كارون، وهو ما كان يسمى نهر يولايوس في التاريخ القديم.
وتمتد المباني ضمن هذه الحدود على ما يزيد عن خمسة كيلومترات مربعة، وكان وضع خريطة لهذه المساحة خطوة أولى ضرورية جدا لفهم مخطط المدينة. ولكن ما هي أكفأ الطرق لإنجاز ذلك؟ «كان حل الفريق هو استعمال طائرة روبوتية تحمل كاميرا لتصوير المدينة، ثم إنشاء مجسم رقمي يمثل المساحة كلها. وجهنا الطائرة للطيران على ارتفاع 100 متر فوق المدينة كلها لمسحها بصور تغطي 80% من مساحة الصورة التي سبقتها، مما ينتج عنها دقة كبيرة».
أما بخصوص البنايات، فقد دلت الخرائط المغناطيسية على وجود مبانٍ ضخمة تحت الأرض، ولكن ما زال الفريق في حاجة إلى إثبات ذلك باستخراج لقى أثرية وكشف الأبنية. لذا قرر إجراء الحفر في ثلاث مناطق مهمة: على حافتي بنايتين، وعبر أحد الخطوط التي تفصل بين قطاعات المدينة.
أظهر الخندقان المحفوران على حافتي البناية وجود حيطان ضخمة في المكان الذي دلّت عليه الخريطة، ولكن بنماذج مختلفة. البناية الأولى مربعة الشكل، بضلع 45 مترا، مع مساحة وسطية مبلطة بالطابوق الطيني وجدران من الطابوق المفخور. في البناية الثانية كانت الجدران من الطابوق الطيني، ولكن الساحة الوسطية مبلطة بالطابوق المفخور. وهناك حول الساحة صف واحد من الغرف على جوانبها الثلاثة، مع مدخل في الجدار الشمالي الشرقي.
ومن خلال هذا البحث ظهر أن الخطوط التي تفصل بين قطاعات المدينة عبارة عن ساقية محاطة بحائطين متوازيين على جانبيها. وهنا، على الجانب الجنوبي من الساقية، وجد الفريق الجرار الكبيرة المقلوبة والمصفوفة بجنب بعضها، وهي مغطاة بطين جامد.
عمق الفريق الخندق إلى نحو مترين ونصف تحت الأرض، ومع ذلك استمر في العثور على لقى أثرية، مما يدل على وجود آثار في العمق ما تزال تنتظر اكتشافها.

جرار طولية وضيقة

وتحدَّث الدكتور روبرت كيليك، وهو منقب من جامعة مانشستر البريطانية، وعمل في تل خيبر الذي يقع شمال مدينة الناصرية لأربعة مواسم فيه، والآن يعمل في موقع شمال مدينة البصرة، قائلا إن هذه المدينة كانت عاصمة في عام 205 قبل الميلاد، قبل ان تصبح مدينة مستقلة في زمن الاسكندر، مضيفا أن تاريخ هذه المدينة غير معروف كثيرا، غير أنه في عام 324 ق. م كان الاسكندر الأكبر في مدينة سوسة الإيرانية، وأوجد هذه المدينة على نهر الكارون في التقائه بنهر دجلة وأشار كيليك إلى أن هناك الكثير من الأسباب الاستراتيجية التي دفعت الاسكندر لإنشاء هذه المدينة، لكنه لو كان يعلم أن الفيضان سيمر عليها لما أنشأها، وقد أعيد بناؤها في عهد الملك الفارسي انتوقيوس، وبعد انتهاء حكم الاسكندر، كان الحاكم المحلي قادرا على إنشاء مدينة مستقلة، لتتطور بعدها حتى أصبحت ميناء تجاريا لمد العلاقات مع الهند في الجنوب والبتراء في الشمال.. وبعد انتهاء الحكم الفارسي تم الاستيلاء عليها من قبل الساسانيون، ثم بدأت تفقد أهميتها كميناء.
وبيّن كيليك أن هذه المدينة تقع شمال البصرة بـ40 كم قريبا من الحدود بين العراق وإيران، وهذا هو السبب الذي جعل الوصول إليها غير ممكن لمدة طويلة، ومن ثمَّ تغير اسمها مع كل حكم جديد، حتى أصبح اسمها الآن «خيابر».
وفي تاريخية اكتشاف هذه المدينة، وضّح كيليك أن أول آثاري أشار إليها هو جونس هانسمان، إذ زارها منذ أكثر من 50 عاما، وتمكن من اكتشاف الجدار، واستطاع أن يمر على نهر دجلة والتقائه بنهر الكارون، وكان داخل هذا الحصن بقايا لجبل خيابر، ومنذ تلك المدة لم يجر العمل عليها، غير أن هناك باحثا بلجيكيا يدعى هوجستان عمل عليها والتقط صورا جوية لها.
مبينا أنه في القرن الأول قبل الميلاد كان لخاركس اتصال مائي بالخليج العربي، وبعد فترة تقدم الخليج شمالا ففقدت الكثير من أهميتها.. وصولا إلى الحروب العراقية الأخيرة، التي جعلت من هذه المدينة تحت ساتر كانت القوات العراقية تستخدمه في الحرب ضد إيران، ومن ثمَّ نهبت الكثير من آثارها بطريقة غير مشروعة خلال العقود الماضية. وأكد كيليك أن الآثار التي تم العثور عليها حتى الآن تدل على غنى المدينة قديما، وهذا واضح من خلال البناء المتبقي والزخارف الكثيرة المنتشرة في أكثر من مكان، فضلا عن أن فرق التنقيب عملت على الحصول على معلومات عن تواريخ وعمق هذه المدينة، غير أن المنطقة التي عملت على مسحها كانت حوالي 5 كم2 فقط، من خلال طائرة مسيرة، ما أدى إلى اكتشاف أن بناء المنطقة كان على شكل مربعات كصناديق، فضلا عن العثور على بعض الأنابيب تحت الأرض.
وبنايات المنطقة التي تم اكتشافها هي الأكبر ضمن الاكتشافات القديمة، فمساحتها 54م في 55 م، وقد شخصت الساحة الرئيسة والغرف الخارجية ومدخل البناية الرئيس، وجدران كثيرة تصل إلى حد الأساسات، إلا أن فرق التنقيب لم تحصل على فخار في هذه البناية ليشير إلى تاريخها، لكن ما وجدته من الممر الخارجي والطابوق يشير إلى المرحلة الفرثية، غير أن الفخار الذي وجد، والذي يشير إلى تاريخ المدينة، كان في الخط الفاصل بين البنايتين، فتم تشخيص الجدار، وفي هذا المكان وجد شكل غريب لجرار طولية وضيقة، وهي مقلوبة من الأعلى إلى الأسفل، فضلا عن فتحات في أسفلها المقلوب، لكن لا يعرف الغرض من هذه الجرار، فربما تشير إلى علاقتها بتصريف المياه.

«خاركس» تاريخ مجهول في انتظار الكشف عن حقيقته
العثور على إسكندرية عراقية شمال مدينة البصرةصفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية