إيران وترامب: التشدد على دكة الاحتياط

حجم الخط
5

لأول مرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تؤثر نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية في تحديد من سيكون الرئيس الإيراني المقبل، والانتخابات الرئاسية المقررة في إيران في أيار/مايو المقبل.
كانت إيران افتتحت عهد الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني الراحل، بترجيح كفة الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في العام 1980 وأصرت من خلال استمرار احتجاز الطلبة «الثوريين آنذاك» أكثر من 50 دبلوماسياً أمريكياً ظلوا محتجزين فيما سماها الإيرانيون «وكر الجاسوسية الأمريكية» السفارة الأمريكية، قبل أن تفرج عنهم يوم 20 كانون الثاني/يناير1980 في يوم تسلم ريغان الرئاسة من الرئيس الأمريكي الديمقراطي جيمي كارتر.

إيران كونترا

ورغم الشد الكبير الذي صاحب عهدي ريغان الجمهوري مع الجمهورية الإسلامية، وقيام واشنطن نفسها وليس طهران، بقطع العلاقات الدبلوماسية في نيسان/أبريل 1980، إلا أن تفاهمات كثيرة جرت بينهما خلف الستار كان أشهرها ما سمي فضيحة «إيران كونترا» أو «إيران غيت» عندما فوجئ العالم كله بأنباء عن موافقة ريغان العام 1985 على صفقة بيع أسلحة أمريكية لإيران خلال الحرب العراقية الإيرانية، مقابل الإفراج عن بعض الرهائن الأمريكيين في لبنان، بينما كان ريغان يناشد الدول الأخرى عدم بيع أسلحة لإيران، حيث كان الاتفاق يقضي ببيع إيران عن طريق الملياردير السعودي عدنان خاشقجي ما يقارب 3,000 صاروخ «تاو» مضادة للدروع وصواريخ هوك أرض جو مضادة للطائرات مقابل إخلاء سبيل خمسة من الأمريكان المحتجزين في لبنان.
وليس هذا وحسب، بل أرسل الرئيس «الجمهوري» سراً إلى طهران، مستشاره للأمن القومي روبرت ماكفارلين ومعه كعكة ونسخة من الكتاب المقدس ومفتاح، صفقة «إيران غيت» تمت في أوج هيمنة اليسار الديني «المتشدد» آنذاك على السلطة، وتمت لقاءات سرية بواسطة الأمريكي من أصل إيراني منوجهر قرباني فر ومسؤولين من مكتب رئيس الوزراء مير حسين موسوي (رهن الإقامة الجبرية منذ 2011 بسبب ثورته الإصلاحية الخضراء) والمقربين منه كانوا يطالبون بعلاقات أفضل مع الولايات المتّحدة والغرب، لكنهم كانوا يدافعون في كل صعيد عن الجمهورية الإسلامية.
وقد تفجرت الفضيحة عندما كشفت الصفقة بين الولايات المتحدة وإيران، وكشف توظيف أرباحها لمساندة ثوار الكونترا في نيكاراغوا. وأنكر ريغان ـ في البداية ـ أن هذه الصفقة كانت بغرض مبادلة الرهائن بالأسلحة، وإنما كانت بغرض محاولة بناء علاقات جديدة مع التيار المعتدل داخل الجمهورية الإسلامية، لكنه أقر في النهاية أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تتفاوض مرة ثانية مع إيران، في إشارة إلى مفاوضات الإفراج عن الدبلوماسيين الذين كانوا محتجزين في السفارة الأمريكية لـ 444 يوماً وبذلك كانت إيران مرة أخرى على طاولة الانتخابات الرئاسية الأمريكية العام 1988.

الحوار المفقود

سيظل باب الحوار مع أمريكا مفتوحاً على الدوام، وإيران لا ترى سبباً يدعو لغلقه كما أعلن رئيس مجلس الشورى (البرلمان) علي لاريجاني، الذي ألمح بطريقة غير مباشرة في مناسبات سابقة، إلى طريقة الإيرانيين في الحوار حول القضايا الاستراتيجية الكبرى. فهم يفضلون دائماً أن يجروا حواراتهم مع الأمريكان بشكل خاص، بسرية تامة، ويرجحونها على الحوارات العلنية في المحافل والأوساط الدولية. وهو اسلوب تعودوا عليه منذ واقعة السفارة الأمريكية في طهران في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1979. واللافت أن انتخاب دونالد ترامب جاء بعد أيام فقط من إحياء إيران تلك الذكرى، بمزيد من التشدد ترافق بوضع علم كبير للولايات المتحدة في مدخل جامعة طهران لكي يدوسه الطلاب والأساتذة وزوار الجامعة، في رسالة تعكس عمق الاحباط الذي يشعر بِه الإيرانيون من تلكؤ واشنطن الديمقراطيين في تنفيذ الاتفاق النووي الذي أبرمته القوى الكبرى مع طهران.
والأهم من كل ذلك فان المرشد الأعلى سيد علي خامنئي كان توقع فوز ترامب وقال إنه يقول ما في العقل الأمريكي، ما يعني أن إيران أعدت نفسها للتعامل مع رئيس من الجمهوريين، تفاهمت مع قبله بطريقتها التي قد تتغير، إذا أقدم ترامب وهو لن يواجه صعوبة «كبيرة» مع الكونغرس: الشيوخ ومجلس النواب في زمن سيطرة حزبه عليهما، على تعليق العمل بالاتفاق النووي، أو مارس أي نوع من التصعيد «المؤذي»، وسيدفع أي تشدد من الرئيس الأمريكي الجديد، إلى تغيير المزاج الشعبي والرسمي في إيران، في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وربما يرفع المرشد خامنئي الحظر الذي فرضه على ترشح الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد للانتخابات، مع ملاحظة أن ترامب قبل الانتخابات الأمريكية كان يوجه انتقادات لأوباما وإدارته لعدم التحدث مباشرة مع إيران.

فن التفاوض

عموما تدرك طهران أنه على الرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهها ترامب لإيران والاتفاق النووي معها خلال حملته الانتخابية، فانه كان في السنوات الماضية مدافعاً للتفاوض المباشر معها، وقد قال في كانون أول/ديسمبر 2011 لـ»سي أن أن» «ربما تكون إيران امبراطورية شيطانية، ويمكن أن يكون الإيرانيون سيئين، لكن لم يتحدث معهم أحد».
وذهب ترامب إلى أبعد من ذلك بعد أن أعرب في تلك المقابلة عن قلقه من إحتمال إعلان أوباما الحرب على إيران فقط ليعاد انتخابه من جديد، وقال أيضاً إنه مستعد لإجراء محادثات مع الرئيس الإيراني (آنذاك ) محمود أحمدي نجاد، وقال عنه إنه يملك دليلاً لكي يكره (أحمدي نجاد) أمريكا!.
وفي هذا الواقع يرى التيار المعتدل في إيران إن رفض ترامب للاتفاق النووي له سبب اقتصادي له علاقة بعقله التجاري، ولذلك فهم مستعدون للتفاوض لعودة الشركات الأمريكية، ولوحوا له بعد انتخابه بصفقة كبيرة أبرموها مع مجموعة توتال الفرنسية، ليسيل لعابه، خصوصاً وأن فرنسا كانت تحاول عرقلة التوصل للاتفاق النووي، فها هي اليوم أول المستفيدين!.
أخيراً.. إذا تخلت واشنطن في عهد ترامب عن الاتفاق النووي مع إيران فإنها ستخسر أوروبا وروسيا والصين التي أيدته، وستصبح إيران دولة نووية عسكرية، ويعود التشدد فيها من جديد وتختار رئيساً، أو يتخلى الرئيس الحالي حسن روحاني، عن الاتفاق النووي، وقد يلجأ إلى نصيحة المتشددين باستخدام الخيار الكوري، إذ يرغب المتشددون في إيران، بتصعيد المواجهة مع واشنطن، وزادتهم معارضة ترامب للاتفاق النووي، حماسة للتفصيل في سرد مساوئه أكثر من ترامب نفسه، فهم يرون أن الاتفاق النووي مأساة لإيران، أكثر من ترامب، وأن ترامب سيتيح لإيران فرصا أفضل لاستعادة مكانتها في العالم.
لكن ترامب الذي سيضع في باله على الدوام، التفاهم مع روسيا لحل بعض الأزمات ومنها بالطبع الأزمة السورية، فانه لن يجد مناصاً إلا التفاهم مع إيران الشريك الثابت لروسيا في المعركة ضد الإرهاب في سوريا، وهو علامة على أن ترامب سيكون أكثر تفهماً من صقور حزبه، لدور إيران الإقليمي، ما يوجد مزيدأً من المرونة بشأن عقد الصفقات الإقليمية.
أو أن ترامب يختار المواجهة فيخسر حينها الاعتدال الإيراني وصفقاته الاقتصادية، والعراق الذي يقف على كف عفريت، بعد اتهامات للجيش الأمريكي بقصف القوات العراقية ومدنيين بـ»نيران صديقة»، تدفع إلى التقدم، ولو خطوة، باتجاه روسيا، وسط مطالبات شعبية واسعة ترتفع هذه الأيام لابرام إتفاقية تعاون عسكري، وربما دفاع، مع روسيا، في ضوء الاحباط العراقي «الحكومي» أيضاً من عدم تنفيذ الإدارة الأمريكية الحالية «الديمقراطيين»، اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي وقعها الجمهوريون، حزب الرئيس الجديد مع العراق، وهي في رأي الكثيرين، معاهدة تكتيكية أراد بها الجمهوريون الحفاظ على مصالح أمريكا الاستراتيجية في العراق وجني ثمار حربهم بطريقة أخرى، وتركوا العراق فريسة لغزو الإرهاب دون أن تفعل واشنطن أي شيء

إيران وترامب: التشدد على دكة الاحتياط

نجاح محمد علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية