واشنطن – «القدس العربي» اختيار الرجل المفضل لمنصب رئيس الولايات المتحدة يتجاوز اتفاق الأغلبية على أكبر موظف عمومي مناسب للجلوس في البيت الأبيض بل هو تعيين لرئيس الدولة وقائد القوات المسلحة ورمز البلاد والمتحدث الرسمي بأسم رغبات ومصالح المواطنين، وعلى الأغلب، يمثل الرئيس صورة عن «البطل الأمريكي» الذي يبحث عنه الجميع في حياتهم بديلا عن النبلاء والملوك في الدول الأخرى و»السوبرمان».
السياسيون ومدراء الحملات الانتخابية يدركون هذا التصور وخاصة ما يتعلق بالعثور على ذلك البطل الذي يقفز بين صفحات القصص المصورة أو الأفلام السينمائية ولذلك ازداد حرصهم في السنوات الأخيرة على الترويج بأن مرشحهم سيجلب «النهاية السعيدة» وسيحل جميع المشكلات. ولكن الصورة التي يمكن تلمسها خلال الأيام الحالية في الولايات المتحدة بعد فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب هي ان البلاد تعيش حالة من الاكتئاب دون أمل في المستقبل.
تسود على الأرجح، مشاعر من السخط والغضب والاحباط ومشاعر الطرف الخاسر وقد تصل الحالة إلى درجة مكشوفة من الاكتئاب والصدمة، ودون التقليل من القضايا السياسية الحقيقية فان الأطراف المتنافسة عادة ما تكن مشاعر الاحتقار للطرف المنافس وتشعر أن بطلها سيحطم الآخر «الشرير».
هذه الخيالات أدت بشكل تلقائي إلى فترة خيبة الأمل الحالية في الولايات المتحدة، وهي فترة مشبعة بالحزن ومحاولات البحث عن «كبش فداء» لتحميله الأسباب التي قضت بشكل مفاجئ على البطل، وبلغة جدية، فان هناك محاولات لتقييم أسباب خسارة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون واكتشاف وفحص لموقف الجماعات العرقية والدينية أو الأطراف الأخرى مثل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ومكتب التحقيقات الفدرالي.
وقد عثر الكثير من المحللين بالفعل على الأسباب الكثيرة التي قضت على طموحات كلينتون والحزب الديمقراطي، والسبب الأول الذي تم اكتشافه بشكل متأخر هو تجاهل «عامل العرق» في المعادلة الانتخابية لسبب غير مفهوم، حيث رفض الخبراء ورجالات الإعلام بعناد الاهتمام بهذا العامل، وفي الواقع كانت هناك «أغلبية صامتة» تتألف من طبقة غاضبة من الناخبين البيض الذين ينتمون للطبقة العاملة ناهيك عن عدد كبير من الناخبين البيض المحرومين من التعليم الجامعي والكثير من ذوي البشرة البيضاء الذين تصاعدت ديونهم وتعرضت منازلهم للرهن ولم تكن هذه الطبقة تنتمي فقط إلى ميليشيات عنصرية تتخيل أن «أول رئيس أسود ليس من هنا» كما تصورت المنصات الإعلامية. هولاء جميعا شعروا ان «الرئيس الأسود» هو رئيس محبوب ولطيف ولكنه لم يقدم لهم شئيا، ولم تتصور وسائل الإعلام ان الناخبين البيض قد يكونون بهذه «القسوة والوحشية». وفي كثير من الحالات، تعامل الإعلام مع هؤلاء على انهم مجرد هامش، وقد لا تكون هناك عبارة لائقة لوصف أحد أسباب فشل كلينتون ذات البشرة البيضاء من قبل هذه الفئة بسبب النظر إليها على نطاق واسع على أنها مجرد امتداد للرئيس الأسود.
والسبب الثاني لتفوق ترامب كان بلا شك عمل ماكينة الدعاية الجمهورية بشكل رائع، فقد كانت المشاهد الانتخابية مسلية ومثيرة للاهتمام كما زرعت أفكارا في عقول الجمهور بان كلينتون أكثر فسادا من ترامب وانها سياسية كذابة، هذه الادعاءات بغض النظر عن مصداقيتها لا تصل إلى فساد ترامب الذي اعترف علانية بأنه تهرب من دفع الضرائب واحتال على المواطنين لتمويل جامعته الخاصة وقضى حياته في رشوة العديد من المسؤولين وطرد المستأجرين السود من أملاكه وتفاخر بقدرته على التحرش الجنسي بدون عقاب، ولكن دعاية المرشح الجمهوري كانت متفوقة للغاية مقارنة مع أداء ضعيف لحملة كلينتون.
ولا بد هنا من الاعتراف ان هيلاري كلينتون كانت مرشحة سيئة للغاية، وقد تصرفت وسائل الإعلام ومنظمات الحزب الديمقراطي بحذر مع هذا القول، وبرزت محاولات من جانب قادة الحزب الديمقراطي والتيار الليبرالي تتجاهل النقاش عن سلبيات وزيرة الخارجية السابقة بسبب الرغبة في الاحتفال بتولي امرأة لمنصب رئاسة الولايات المتحدة أو تسليم مفاتيح البيت الأبيض لأشهر خبيرة في الشؤون السياسية.
ومن الأسباب الهامة التي ساهمت في فوز ترامب، تكتيك معروف يدعى «قمع الناخبين» وهو اسلوب ذكي يهدف إلى عدم تشجيع الناخبين من الطرف الآخر للذهاب إلى صناديق الاقتراع تحت وهم ان النتائج ستكون لصالح مرشحهم، وقد استبعدت مراكز استطلاعات الرأي دور هذا العامل بشكل كامل رغم انها أول انتخابات منذ 50 سنة دون توفير حماية كاملة لقانون حق التصويت.
وبالغ الديمقراطيون في تقديرات تصويت الأفراد من أصول لاتينية لكلينتون، والمقصود هنا ليس عددهم حيث بلغت نسبة الأصوات اللاتينية في انتخابات 2012 نحو 10 في المئة من مجموع الناخبين ووصلت إلى نسبة أكبر في انتخابات 2016 ولكن الاعتقاد الواهم بان جميع الأمريكيين من اصول لاتينية يكرهون المرشح صاحب الشعر البرتقالي لم تكن صحيحة، والأرقام الأولية تشير إلى ان 29 في المئة من الأصوات اللاتينية ذهبت إلى ترامب وهي أرقام تزيد عن الأصوات التي حصل عليها المرشح الجمهوري السابق ميت رامني. وعلى حد تعبير بعض الخبراء فقد وجدت تعهدات ترامب بابعاد المكسيكيين غير المرغوب فيهم من الأحياء والمدن آذانا صاغية لدى كبار السن والبيض من أصول لاتينية، ولا بد من الإشارة إلى ان اللاتينيين ليسوا جماعة عرقية أو كتلة انتخابية هائلة بل هم مجموعة لغوية متعددة الثقافات من خلفيات عرقية مختلفة.
وبالنسبة إلى محللي استراتيجيات الحزب الديمقراطي وأنصار كلينتون فقد كان من الصعب عليهم هضم فكرة التقارير الأخيرة التي تفيد بالاقبال الضعيف للناخبين السود وان الناخبين من أصول افريقية ساهموا في خسارة كلينتون بسبب هذا النكوص ناهيك عن تعرضهم لخدعة «القمع الانتخابي» التي تحدثنا عنها سابقا، وفي الواقع كان حماس السود لكلينتون أقل بكثير من حماسهم لأوباما وقد صوت 8 في المئة منهم لصالح ترامب بنقطة مئوية أكثر لرامني قبل 4 سنوات.
والفكرة الوهمية التي كانت تعيش في عقول العديد من الإعلاميين والسياسيين وقادة الحزب الديمقراطي هي ان النساء في الولايات المتحدة سيقفزن في يوم الانتخابات لانتخاب أول امرأة في البيت الأبيض وتعزيز فصل جديد في التاريخ الأمريكي مع تجاهل غريب لاستنتاج خرجت به معظم استطلاعات الرأي يفيد ان 50 في المئة فقط من النساء يدعمن كلينتون وان 40 في المئة يدعمن ترامب، وهذا بالفعل ما حصل حيث ذهبت 42 في المئة من أصوات النساء للرجل المتهم بالتحرشات الجنسية والتلفظ بالتعليقات البذيئة.
ما هي الدروس التي يمكن تعلمها من انتخاب ترامب؟ إذا استبعدنا الفائدة الجمة لاستخدام تكتيك «قمع الناخبين» للفوز في أي انتخابات، هناك نتيجة غير مستحبة لحالة الانقسام وهناك عقاب يفرضه اؤلئك الذين يشعرون بالتهميش، وهناك دائما مفاجآت لاؤلئك الذين يتصرفون بثقة زائدة عن الحد دون احتساب الأمور بدقة، وهناك درس مفاده ان الاختلافات العرقية قد تظهر على شكل مشاعر صارخة بوقاحة أو عبر إجراءات صامتة وان صناعة الخوف ما زالت ناجحة.
من غير الانصاف القول ان الرجل صاحب الشعر البرتقالي قد سرق منصب رئاسة أكبر دولة في العالم عبر اطلاق الوعود الكاذبة والتعليقات المهينة والتهديد والتخويف، أو القول ان الرجل حقق أهدافه عبر نشر الخرافات والأوهام لمستقبل غير مرئي، ومن غير الانصاف القول ان الأمريكان في حنين دائم لرجل «كاوبوي» لا يرتدي قبعة، ربما نصفهم فقط.