من نقطة الانحطاط غير المسبوقة التي وصلت اليها الولايات المتحدة في الشرق الاوسط خلال ثماني سنوات لبراك اوباما ـ يمكن فقط الصعود. قد تكون هذه نقطة الضوء الايجابية الوحيدة بالنسبة للرئيس المنتخب دونالد ترامب حين يأتي لدراسة الواقع المعقد في منطقتنا ومحاولة بلورة سياسته في الامور الجوهرية المطروحة. الشهادة على ذلك توجد في الرد الايجابي المتحمس لكثير من دول المنطقة على انتخاب ترامب كرئيس.
جميع زعماء المنطقة تقريبا، بدءا بمصر وحتى تركيا والسعودية وسوريا ايضا، يريدون فتح صفحة جديدة في العلاقة مع واشنطن ويريدونى رؤية سياسة مختلفة واكثر فاعلية للولايات المتحدة في منطقتنا.
لقد تسلم الرئيس اوباما شرق اوسط مستقر كانت فيه الولايات المتحدة هي صاحبة القرار الرئيسة والوحيدة. صراع جورج بوش المصمم ضد الخط الشيطاني الممتد من طهران مرورا بدمشق وانتهاء بحزب الله وحماس، لم يؤد إلى النتائج المرجوة لكنه كبح وردع إيران وحلفائها عن التوجه إلى مناطق اخرى في الشرق الاوسط وتهديد حلفاء واشنطن.
ترامب في المقابل يتسلم منطقة مليئة بالزعزعة وعدم الاستقرار، حيث إن الولايات المتحدة في حالة تراجع ويتم أخذ مكانها من قبل لاعبين جدد مثل فلادمير بوتين. الرئيس الروسي حول إيران إلى شريكة اساسية في جهوده لتعزيز مكانة روسيا في كل المنطقة. المقابل الذي يحصل عليه الإيرانيون من بوتين هو اليد الحرة في تلك المناطق التي لا تصل اليها يد روسيا. والثمن يدفعه حلفاء واشنطن.
اوباما بدأ طريقه في محاولة شراء القلوب والراي العام العربي عن طريق توجيه الكتف الباردة للزعماء العرب ولإسرائيل. والى جانب ذلك عمل من اجل التصالح مع اعداء واشنطن في المنطقة وعلى رأسهم إيران، في محاولة للتوصل إلى تفاهمات تضمن الهدوء لنظامه طوال ولايته. وبعد اشتعال المنطقة مع اندلاع الربيع العربي انقطع اوباما عن المنطقة وابعد نفسه عن مشاكلها، وبذل بعض الجهود لتأجيل النهاية مثل الاتفاق مع إيران الذي من الممكن أن يسمح بامتلاكها للسلاح النووي، لكن بعد انتهاء ولايته. الامر الملفت هو أن الموضوع الإسرائيلي الفلسطيني الذي فقد أهميته الاقليمية قد حصل على الاهتمام من قبل ادارته. وفي هذه الحالة ايضا كان تدخل اوباما ضعيف.
ترامب يرث منطقة فيها كل الالغام هي الغام تحييد. بكلمات اخرى معظم الازمات هي محلية ولا تؤثر على الفور في المصالح الأمريكية. ومع ذلك، قد تكون خطيرة ولها تأثير بعيد المدى.
يستطيع ترامب مواصلة سياسة سلفه وفصل نفسه عن المنطقة، لكنه لا يستطيع تجاهل المفارقات التالية: أولا، ما هي تأثيرات الضعف الذي تظهره واشنطن في الشرق الاوسط وخصوصا أمام روسيا، على مناطق اخرى هامة بالنسبة لها مثل شرق اوروبا، مركز آسيا وشرقها.
ثانيا، هل سياسة عدم التدخل بأي ثمن قد تنقذ حياة الجنود الأمريكيين وسكان المنطقة؟ أم العكس. هل سياسة الهجوم الزائد هي الرد على التحدي الذي يواجهه الأمريكيون؟ ويطرح سؤال إذا كانت سياسة الهدوء غير المستقر بكل ثمن وتأجيل النهاية هي التي ستضمن الهدوء والاستقرار لوقت طويل. أم أن مشكلات المنطقة يجب حلها وعدم تأجيلها إلى التفجير القادم.
يستطيع ترامب السماح لروسيا وإيران بضرب داعش والمتمردين في سوريا وتعزيز السيطرة العليا المشتركة لطهران وموسكو في العراق وسوريا واليمن ولبنان. ويستطيع تجاهل دعوات النجدة للسعودية ومصر، وبذلك دفعهما إلى احضان موسكو أو طهران. ولكن من الافضل أن يستمع لبوتين وأن يستخلص مثله الدرس المطلوب، بأن الصراع ضد المتطرفين الإسلاميين وايضا ضد طموحات إيران للسيطرة من اجل الحرب على اراضي المنطقة وليس على اراضي الولايات المتحدة.
ايال زيسر
إسرائيل اليوم 13/11/2016
صحف عبرية