أخذ يتبين أكثر فأكثر ان اسرائيل ستواجه في السنوات القريبة تحديات أمنية تختلف تمام الاختلاف عن تلك التي اعتادت عليها في العقود الماضية. وفي الوقت الذي ما زالت فيه قيادتها تحذر من الخطر الذري الايراني، وتُلتقط لها صور في تدريبات ألوية في هضبة الجولان وكأن صداما عسكريا كحرب يوم الغفران يوشك ان ينشب هناك قريبا. يبدو ان الخطر المباشر الذي تحتاج اسرائيل الى مواجهته يكمن في تأثيرات الزعزعة في العالم العربي في الوضع على الحدود. إن كرامة التهديد الايراني محفوظة. وقد وصف وزير شؤون كل شيء ولا شيء، يوفال شتاينيتس هذا الاسبوع في خطبة معلنة، المشروع الذري الايراني بأنه أخطر من المشروع الذري الكوري الشمالي بأربعين مرة. لكن احتمال ان تخرج اسرائيل لتهاجم بؤبؤ أعين آيات الله في السنة الحالية يبدو ضئيلا جدا الآن، ازاء موقف الولايات المتحدة والمجتمع الدولي وانتخاب حسن روحاني المعتدل نسبيا لرئاسة ايران. ويبدو الآن ان القرار الحاسم الاسرائيلي سيؤجل الى 2014، وانه اذا حصل في نهاية الامر تصالح بين ايران والقوى الست الكبرى مهما يكن اشكاليا فان اسرائيل سترغم على قبوله. وقد اختفى التهديد العسكري التقليدي كما يبدو من الأفق في السنوات القريبة، كما تثبت كل جولة على طول الجدار الحدودي في هضبة الجولان. فقد خلت معسكرات الدبابات السورية في الجولان في أكثرها ووجهت فوهات المدافع والدبابات الى الشرق لقمع التمرد الشعبي على سلطة الرئيس بشار الاسد. والجيش السوري مُجرح مضروب بسبب الحرب الطويلة مع المتمردين. وستمر سنوات الى ان ينجح في ان يبني من جديد قدرة ملائمة لمواجهة عسكرية مباشرة مع اسرائيل. وطوي تهديد الجبهة الشرقية فرق مددعراقية تأتي لمساعدة السوريين قبل عشر سنوات مع سقوط نظام صدام حسين وغرق العراق في حربه الاهلية الخاصة. وتمثل مصر خطرا محتملا من نوع آخر، فلها جيش حديث نسبيا يعتمد على نظريات قتال وسلاح من الولايات المتحدة (بدلا من المعدات السوفييتية التي بدأت بها الحرب الاخيرة على اسرائيل في 1973). لكن اتفاق السلام قائم على حاله. ويمكن الى الآن ان نخط سيناريو مستقبل متطرفا يحث فيه عدم وجود مخرج من الازمة الداخلية السلطة المصرية (إما الحالية وإما التي تليها) على محاولة صرف عداوة الشعب عنها الى اسرائيل. ولا يبدو هذا الآن احتمالا واقعيا، هذا الى ان المصريين متعلقون جدا بالمساعدة الامنية الامريكية التي ستقطع فورا ازاء كل مظهر عدائي عملي موجه على اسرائيل. لهذا ينصرف معظم اهتمام الجيش الاسرائيلي الآن الى الوضع على الحدود والى خطر ان تفضي واقعة محددة تبادر اليها احدى المنظمات المسلحة التي تعمل هناك الى تدهور ينتهي الى حريق أوسع، أو ربما (في ظروف متطرفة) الى مواجهة عسكرية اقليمية. وتتعلق المشكلة المباشرة بالاستعداد على الحدود ولهذا يغير الجيش الاسرائيلي نشر مقار قياداته في الجولان بعد ان انشأ قبل ذلك لواء ميدانيا جديدا على حدود مصر. وينشر الجيش ايضا قوات ذات نوعية أعلى ويبني جدرانا جديدة ويركب وسائل تجميع معلومات استخبارية. لكن يجب على الجيش الاسرائيلي ان يفكر في المرحلة التالية ايضا، وهي كيف ينذر وكيف يحبط عمليات عدو ليس دولة من الجانب الآخر للحدود. وكيف يستعدون لخطر ان تتعقد مواجهة محلية كهذه فتفضي آخر الامر الى هجوم بآلاف الصواريخ والقذائف الصاروخية على الجبهة الاسرائيلية الداخلية، التي لم تجرب الى اليوم ضربة بهذه القوة. كان الاسبوع وبعض الاسبوع الاخير أو كل فترة موازية في الحقيقة منذ مطلع السنة الحالية قد قدمت أمثلة شتى على صيرورة الواقع الاقليمي الجديد. بعد الانقلاب العسكري في مصر فورا بدأ هجوم ارهابي من خلايا اسلامية من القبائل البدوية في سيناء على قواعد الجيش ومراكز الشرطة. وفي يوم الخميس الماضي في ساعات الليل أطلقت قذيفة صاروخية ايضا من سيناء على ايلات وقعت في منطقة مفتوحة بالقرب من المدينة. وفي الليلة نفسها وقع هجوم غامض على المدينة الساحلية اللاذقية في شمال سورية. وزعمت مواقع انترنت مقربة من المعارضة السورية بعد بضعة ايام انه كان عملية اسرائيلية دُمرت فيها صواريخ يخونت من انتاج روسيا. وهي صواريخ ساحل ـ بحر دقيقة أعلنت اسرائيل من قبل انها ترى نقلها من سورية الى حزب الله تجاوزا لخط احمر عليها ان تواجهه. وامتنعوا في اسرائيل عن الرد على الانباء المنشورة في لبنان. وفي يوم الجمعة قالت جهات امريكية لشبكة سي.ان.ان إن اسرائيل تقف وراء الهجوم على اللاذقية. في فجر يوم الثلاثاء وقعت سلسلة اعمال تفجير في دمشق يبدو انه قامت بها المعارضة السورية. وحدث بعد بضع ساعات تفجير آخر في قلب الضاحية هذه المرة في بيروت. فجرح عشرات الاشخاص بانفجار سيارة مفخخة وبهجوم متعمد على مركز منطقة حكم حزب الله. وينسب هذا الهجوم ايضا الى منظمات سنية من لبنان أو ربما من سورية أرادت المس بالمنظمة الشيعية انتقاما لمشاركتها في المذبحة التي تنفذها سلطة الاسد في معارضيه في سورية. وفي ذلك الوقت كله استمر القتال ايضا بين البدو والجيش المصري في سيناء وتمت تظاهرات جماعية مصحوبة بمواجهات عنيفة وبقتل في القاهرة والاسكندرية ومدن مصر الساحلية. إن صلة اسرائيل في ظاهر الامر بسلسلة الاحداث الطويلة في المنطقة هامشية. وفي واقعة واحدة فقط هي الهجوم على اللاذقية وجه الاتهام مباشرة اليها وانتقلت وسائل الاعلام الدولية الى عملها المعتاد عن ذلك بازاء الدراما الكبيرة في مصر. لكن يجدر ألا نكتم احتمال الخطر: ففي سيناء والجولان وفي لبنان ايضا بقدر ما توجد في الجانب الآخر من الحدود دول فاشلة لا تنجح في تغليب النظام على الوضع. ويترك فشلها الميدان لمنظمات ليست دولا (حزب الله في لبنان ومنظمات اسلامية متأثرة بالقاعدة في سيناء والجولان). ان هذه المنظمات تحصر عنايتها الآن في الحقيقة في صراعات عربية داخلية لكنها مدججة بالاسلحة ومعادية لاسرائيل. والمسافة بين حادثة محددة وتصعيد واسع ليست بعيدة وإن لم تقطع الى الآن ايضا. وقد ذكروا في الجيش الاسرائيلي في هذا الاسبوع الواقعة في بيروت التي لم تكن اسرائيل مشاركة فيها. ولو اتهم حزب الله اسرائيل بتفجير السيارة فلربما وزنت المنظمة اطلاق قذائف صاروخية على اسرائيل. نُقش القليل جدا من كل هذا كما يبدو في وعي المواطن الاسرائيلي وقد يكون هذا حسنا. وفي هذه السنة يتزايد التنافر بين احتمال التهديد الذي أخذ يتشكل والهدوء النسبي الذي أحدثه الانقطاع الطويل للارهاب الفلسطيني. وقد نسيت صواريخ الفجر من غزة التي وقعت في غوش دان في تشرين الثاني/نوفمبر الاخير منذ زمن، والحوادث في الجولان أقل من ان تؤثر في المزاج العام للمواطنين. وينحصر برنامج العمل العام في قضايا اقتصادية واجتماعية وأصبح أصعب على الجيش ان يُبين ما الذي يحتاج اليه بازاء الظروف الجديدة.