«الناس يعيشون في مفارقة صعبة. الجميع ينظرون إلى الجسور، ومن أعينهم يطل السؤال المصيري: ماذا لو انهارت الجسور قبل أن نتمكن من العبور إلى الطرف الثاني؟ كيف سنعبر؟ هل سنبقى في الطرف الثاني؟ هل سنخرج؟»، هذا ما كتبه مدون عراقي في مدينة الموصل التي تحدث فيها معارك عنيفة بين الجيش العراقي وقوات داعش. المدونة كتبت باللغة الانجليزية، وكاتبها لم يعرف عن نفسه لاسباب معروفة. إنه يعبر عن اصدق الاقوال في المدينة، التي لا تصف المعارك وحركة القوات، بل تعبر عن الضائقة الشديدة للمواطنين العاديين الذين يفهمون أنهم قد يقتلوا في أي لحظة من قبل القوات التي جاءت لتحريرهم أو من قبل داعش.
حوالي مليون ونصف شخص ما زالوا يعيشون في المدينة التي يقسمها نهر دجلة، حيث أن جسور معدودة تصل بين الضفتين. «المياه والكهرباء مقطوعة منذ اسبوع»، قال المدون، «الناس مسجونون داخل البيوت ولا يعرفون إذا كان من الافضل المغادرة أو البقاء».
ويضيف قائلا: «أمس قتلت عائلة مكونة من سبعة اشخاص بقذيفة سقطت على بيتها. حي الخضراء مقسم إلى قسمين، أحدهما يتعرض للقصف والثاني يسيطر عليه داعش الذي يقوم بمصادرة الكثير من الشقق السكنية لتحويلها إلى مواقع عسكرية. ولكن السكان ما زالوا يتمسكون بشققهم ويرفضون ترك الحي». في الجانب الغربي من الموصل «تبدأ الحياة في الساعة التاسعة صباحا، وتنتهي في الواحدة ظهرا. عدد قليل من الناس يتجولون في الشوارع وكل المحلات تغلق ابوابها في الساعة الثانية ظهرا. عائلات منقسمة بين شرقي المدينة وغربها. البيوت نفسها ملأها داعش بالذخيرة وهو يمنع السكان من المغادرة كي يكونوا دروعا بشرية».
قلق آخر شديد يزعج السكان هو حول القوات القادمة لتحرير المدينة من داعش. منظمة امنستي قالت في هذا الاسبوع إنه قتل ستة مواطنين في تشرين الاول في مدينة القيارة في جنوب الموصل على أيدي القوات العراقية التي اشتبهت بأنهم متعاونون مع داعش. رئيس الحكومة العراقي حيدر العبادي هاجم هذه الانباء بشدة وقال «الانباء غير الصحيحة تضر بأمن السكان وتعيق تحرير الموصل».
المدون العراقي يطلب من القوات العراقية الاحتفاظ بالوثائق الرسمية التي يخفيها داعش. «هذه الوثائق تروي تاريخ المدينة وتتعلق بحياة آلاف المواطنين. رجاء عدم اتلافها»، كتب. وحول أهمية الوثائق يشير التقرير الذي نشرته الصحيفة السعودية «الشرق الاوسط»، والذي وصف صعوبات المواطنين العراقيين الذين يعيشون في أحياء الموصل التي تحررت من قبل العراقيين. عندما احتل داعش المدينة أمر بتغيير جميع الوثائق الرسمية التي عليها توقيع الحكومية العراقية الرسمية، واستبدلها بوثائق وضعها هو. وقام بوضع قوانين جديدة للزواج والغاء الحد الأدنى للزواج وألزم الزوجين بالزواج فقط أمام قاض تابع له.
المواطنون الذين عاشوا في تلك الاحياء قالوا إن داعش ألزم الازواج بتأجيل الزواج إلى أن تطول اللحى. الازواج الذين تزوجوا في محاكم اخرى بعيدا عن داعش، يمكن اتهامهم بالزنا. وقد تصل عقوبتهم إلى حد الموت رجما. بعض هؤلاء الازواج انجبوا اولاد غير مسجلين في سجل السكان العراقي. والنتيجة هي أن مئات آلاف المواطنين يعرضون حياتهم الآن للخطر، حيث أن الفرضية تقول إن من ليست له هوية عراقية فهو من داعش. اضافة إلى ذلك، ولأن سكان الموصل المحررين فقدوا جميع شهاداتهم، فهم لا يستطيعون الحصول على المساعدات من الحكومة العراقية، أو تلقي الرواتب التي يستحقونها.
قبل بدء الحرب الحقيقية في الموصل، تبين أن «الحياة العادية» هي تهيئة جيدة للزعزعة التي ستلي ذلك. المدون غير المعروف الذي ينشر مقالاته مرة كل بضعة ايام، يشارك قراءه في طبيعة «الحياة العادية»، «شاهدت فيديو يظهر فيه الاولاد وهم يجرون جثث رجال داعش في الشارع. بكيت من مشاهدة هذا الفيديو الفظيع. سنتين من التدريب على البربرية والفظاعة، وأنا خائف جدا مما سيحدث اثناء التحرير.
«الاشخاص الذين يعملون بهذه الفظاعة يمهدون الارضية لمشكلات كبيرة مستقبلا. هناك مئات آلاف الاولاد الذين سيتحولون إلى وحوش عندما يكبرون. لقد شوه داعش عقولهم… لقد قتل داعش اليوم أحد اصدقائي المقربين، قطعوا رأسه، أحببت عقله دائما. كم هذا العقل كان يجادلني. كنت أريد على الاقل الاحتفاظ برأسه. لكني لا أعرف أين جسده ورأسه الآن. يمكن أنه ما زال يسمع ويتعلم ويجادل. وأنا أتساءل مع من يتحدث الآن، ومن الذي سأفقده في المرة القادمة؟».
هآرتس 14/11/2016