باريس ـ «القدس العربي» من عبد الدائم السلامي: ليس أفضل من كتاب «مالك، قصة حقيقية» للروائية الفرنسية جانين بواسّار (منشورات فَايارد 2008) مرجعًا بيوغرافيًّا نقف فيه على السيرة الذاتية للمفكّر الجزائري الراحل مالك شبل (سكيكدة/الجزائر 1953- باريس 2016) وعلى أغلب هواجسه وحُدُوسه الفكرية التي نزّل بعضَها منازلَ بحثيةً في أكثر من 35 كتابا، مثّلت جميعها مشروعًا ثقافيا أثار حوله كثيرًا من الجدل في الأوساط الثقافية الغربية، مصحوبا بكثيرٍ من الحذر منه. وهو جدلٌ كانت أفكار مالك شبل جديرةً به من حيث جرأتُها ووجاهتُها وإثارتُها لأسئلة جديدة متصلة بالإسلام تدعو إلى ضرورة التنبّه إلى دَلالات نصَّيْه المؤسِّسَيْن: القرآن والسنة، وإلى حسنِ قراءتهما بوعي حضاريٍّ، دونما مغالاة في تمجيد محمولهما العقائديّ أو نبذه. وضمن هذا الأفق الفكريّ انصبّ جهدُ مالك شبل على تفكيك مسائل الجنس والحب والتحريم والرقيق في نصوصِ الثقافة العربية والإسلامية. غير أنّ كتابات مالك شبل لم تجد طريقَها السويَّ إلى القارئ العربي، ولم تهتمّ بها مؤسّسات الترجمة العربية، وتجاهلتها مراكزُ البحوث الجامعية. ولعلّ من مظاهر تجاهل أفكار مالك شبل في مشهدنا الثقافي العربي نسيان سياسيّينا الاهتمام بخبر وفاته، بمثل ما اهتمّ به مثلا رئيس وزراء فرنسا مانويل فالس الذي كتب في صفحته الفيسبوكية شذرة جاء فيها قولُه: «إنّ مالك شبل رديفُ إسلام التنوير والحداثة. ومشروعُه الفكريّ يدعونا إلى أن نجعل منه مشروعَنا أيضا: وهو أن نبني إسلامًا يتماشى مع وقتنا الراهن».
توفّي والد مالك شبل وهو في سنّ الثانية، وتعرّضت عائلته، بعد الاستقلال، إلى التضييق عليها من قبل محيطها الاجتماعي والسياسي، حيث تمّ انتزاع أراضيها بتعلّة انتمائها إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية مَرّةً، وبتعلّة تعاونها مع المستعمِر الفرنسيّ مرّةً ثانية، وهو ما أجبر والدته زهرة إلى العودة به صحبةَ أخيه الصغير إلى بيت والدها لتلافي العوزَ المالي، بعد أن رفضت عرضَ زواجٍ جديدٍ. ثم إن صعوبة ظروفها المادية ستضطرّها بعد سنواتٍ إلى إلحاق ابنيْها بمركز لليتامى.
ويذكر مالك شبل في حديثه إلى الروائية الفرنسية جانين بواسّار مشاهد من بؤس الحياة في ذاك المركز/الميتَم وتكفُّلِه بالدفاع عن أخيه من عنف بعض الأطفال. وهو بؤسٌ جعله يطرح، وهو طفلٌ، كثيرا من الأسئلة الوجودية حول الإنسان والاستعمار والحب والحرية والدين.
وقد ظلت هذه الأسئلة تتردّد على ذهنه في سنوات دراسته الثانوية في مدينة قسنطينة، فكان يتساءل مثلا عن سبب احتقار المرأة في مجتمعه الجزائري، وعن سبب تجريم الحُبِّ في بيئته الاجتماعية خاصة بعد أن تعرّف إلى صديقتيْه «كنزة» التي هيّجت فيه قريحته الشعرية، و«نورة» التي اكتشف معها عالمَ الإحساس العاطفي ومظاهرَ قوّة الأنثى (يذكر مالك شبل أنه التقى نورة في ما بعدُ وكانت مُحجَّبة).
لقد تحوّلت أسئلة مالك شبل خلال دراسته الجامعية وسنوات تدريسه معيدًا في الجامعة الجزائرية إلى هاجس فكريّ لم يجد له في الجامعة الجزائرية آنذاك، وقد سيطر عليها الفكر الدوغمائي، بيئةً مشجِّعة على تحويله إلى مُنجَز مكتوبٍ، وعليه كان اجتهاده الدراسيّ شفيعَه لنيل منحة دراسية في فرنسا، وهناك انكبّ على قراءة الإسلام قراءة جديدة وصافية من التوهُّمات، ضمن مسعى فكري لا يطمئنّ إلى الجاهز من التصوّرات الموروثة والمألوفة عن الإسلام والثقافة العربية، وإنما هو يعرضها دوما على الفكر عرضَ الشكِّ والتمحيص. وهو ما مثّل عنده مشروعا ثقافيا نلفي فيه – إضافة إلى ثراء مضمونه وجُرأته ورصانته- ميزتيْن معرفيتيْن على الأقل: في الأولى يناقش شبل النصّ الديني والحديث النبوي من داخل مُدوّنتهما، أي إنه لم ينظر إليهما من الخارج كأغلب العلمانيين العرب مُداوِرًا المعنى ومُناوِرًا تأويلَه في كثير من التقوُّلِ عليه بروح انتقامية، وفي الثانية بدا شبل ذا أسلوب كتابي «فنّي» بعيدٍ عن جفاف الكتابات العلمية، كما لو أنه كان يكتب بحوثَه بروح فنّانٍ عارِفٍ بجماليات اللغة وبقدرتها على التصريحِ بالفكرة دونما تجريحٍ لها ولقارئها. وهو في خلال ذلك لا يعدِم استثمار الحُجّة النَّقْليّة، حيث نلفيه يبحث عنها في مصادرها الأولى ويُجابهها بغيرها، ويُخضعهما معًا إلى تدبيرٍ عقليٍّ عارِفٍ بشروط النص وسياقاته الزمانية والحضارية، ثم هو يخرج منهما بعد ذلك بفكرةٍ قابلة للإنجاز في الواقع وقادرة على تحقيق سعادة الإنسان فيه. وهو الأمر الذي يُجيز لنا القولَ إنّ كتابات مالك شبل ليست أفكارا محكومة بأخلاق متعالية وإنما هي مقترحات جميلة لوجودِ بشري إتيقي، أي مقترحات حول كلّ ما يوفِّرُ للمسلم أسبابَ الحضورِ السعيدِ في جسده وفي فكره وفي بيئته وفي عالَمه.
كان مالك شبل – على حدّ ما تشير إليه «جانين بواسّار» كاتبةُ سيرته الذاتية- متصالحا مع تاريخه، كارها للظلم، مُناصرا لقضايا المُضْطهَدين، حاميًا للضعفاء، ومستعدًّا دائما لمساعدة الآخر وتحريره من قيود خوفه. ومتى وصلنا هذه الصفات بما قلنا عن سعي مالك شبل إلى توفير أسباب الحضورِ السعيدِ للسلم في جسده وفي فكره وفي بيئته وفـــي عالَمه، خلصنا إلى حقيقةِ أنّ هذا المُفـــــكِّرَ كان مؤمنا بمشروعه الفكريّ الحضاريّ، يكتبه ليعيشه، أو هو يعيشه ليكتبه، ماحيًا الهوّة الكبيرة التي ظلّت تفصل سلوك الباحث العربي عن مضمون بحثه (كثرة من باحثينا العرب لا يؤمنون بأفكارهم ويُمَنّون أنفسَهم بأن يؤمن بها الآخرون).
ذلك أننا نجد مالك شبل في أغلب كتبه – على غرار «الإسلام والعقل: معركة الأفكار» و«بيان من أجل إسلام مستنير» و»الكاماسوترا العربية» و«قاموس الحب في الإسلام» و«الرقّ في أرض الإسلام» و«الجنس والحريم روح السراري؛ السلوكات الجنسية المهمشة في المغرب الكبير» وهو الكتاب الوحيد الذي أقبل العرب على قراءته – يدعو إلى تحرير الإسلام من الدوغما والأصولية، وإلى التفكير فيه تفكيرا عقليا مناسبا للراهن الإنساني. وهي دعوة تمثّل بحثا عن الإسلام في نصوص الإسلام، لا بل بحثا عن الإسلام في المسلم، وردّ الاعتبار له في ظلّ تنامي مظاهر الإرهاب والإسلاموفوبيا.
٭ كاتب تونسي