سؤال التنوير لم يعد مجالا لإثارة حساسية الآخرين، أو لمواقفهم الضدية التي تتهم أفكار الإصلاح والنهضة بالخضوع للفكرة الاستعمارية، بقدر ما صار هذا السؤال ضرورة لازمة لمواجهة سلسلة من الأزمات والصراعات التي نعيش رعبها الدامي، فالتنوير لا يعني مواجهة الدين والجماعة والسنّة كما يتصور البعض، بل هو أفق لصناعة وعي جديد، وللكشف عن كل ما يحوطنا من مصائب تصنعها الأفكار التي تحتاج- كما يبدو- إلى إصلاح، وإلى إعادة توجيه..
رحيل المُفكِّر الجزائري مالك شبل أثار شجنا حول فقدان السؤال التنويري، إذ يعني رحيله في سياق معين نوعا من القطيعة، وإحساسا بتضخم مريع لما يحوطنا من وقائع فاجعة، تلك التي تتحكم فيها الأصوليات الجماعاتية، التي وجدت في حديث التنوير مجالا للغلو، والتكفير، وتحت إيهام الخوف من التعدّي على أصول النص المُقدّس، الذي ينبغي أن تبقى قراءاته كما تركها السلف الصالح.
خصوصية مالك شبل تكمن في جديته في النظر الى موضوعات التنوير في الخطاب الإسلامي، وفي تعرية تعالق هذا الخطاب بمحنة السلطة العربية، ومفاهيم الحكم والرقابة وتقنين الحقيقة، ولعل صاحب كتاب «إسلام التنوير» أكثر دراية بخطورة هذه المحنة، وبأثر انعكاسها على المعيش والتعلّم والتواصل، وأحسب أنّ تاريخه الأكاديمي شاهد على جديته في أنْ يصنع خطابا للآخر الغربي، مثلما يصنع نمطا للتعليم المؤنسن، وأنْ يكون الدرس فيه بمستوى مسؤولية المواجهة، وبقدر انصراف المعرفة لأنْ تؤدي دورها في التغيير والتجاوز والفهم، فإنه سعى ومنذ قيامه بترجمة القرآن للغة الفرنسية إلى وضع رؤيةٍ تعمد الفهم في إيصال النص، وفي وضعه داخل سياق يُحفّز على القبول والتواصل، وهو ما دفعه لوضع قاموس موسوعي للتوضيح، ولبيان الأسباب، وتوخيا للمزيد من التعرّف والفهم أيضا، كما أنّ كتابه «قاموس الرموز الإسلامي»1995 ينضوي تحت هذا المشروع التواصلي، بوصفه تعظيما للدرس الثقافي/ المعرفي من جانب، وتوسيعا للدرس الأنثربولوجي من جانب آخر، إذ وجد فيه مجاله الأرحب لأنسنة الأفكار والحوار مع الآخر، وحتى كتابيه «موسوعة الحب في الإسلام» و»التحليل النفسي لألف ليلة وليلة» لاتخرج عن جوهر الفكرة الأنثربولوجية التي حاول تكريسها في النظر النقدي، وفي أنسنة النظر إلى تاريخية النص.
وضع مالك شبل جلّ اهتمامه لمشروع التنوير في إطار مواجهة الأزمة الحادثة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، إذ تحولت هذه الحادثة إلى عملية فصل تاريخي، وإلى مسافة ملتبسة في النظر إلى الخطاب الإسلامي، وإلى كل التوجهات التي وضعت هذا الخطاب أمام مرجعيات العنف والتشدد والكراهية، وهو ما جعل مشروعه أكثر اندفاعا باتجاه صياغة وجهات نظر تقوم على التوضيح، وعلى الكشف، وعلى تحفيز القراءات الفاعلة، التي من أهدافها السعي إلى صناعة رأي عام آخر، وحساسية ثقافية تُعيد صياغة العديد من الأسئلة التي تتعلق بتاريخ العنف في الأديان، وعلاقة هذا العنف بالسلطة، وبطبيعة الأفكار المهيمنة. الدعوة إلى الإصلاح قد تكون أكثر جهود مالك شبل حساسية، فهو يدرك خطورة هذه الدعوة في ظل ظرف تاريخي ملتبس، لكنه ظلَّ يصرّ عليها، لأنها جزء من مشروعه أولا، ولأنها هدف أخلاقي وتاريخي ثانيا، ولأنها تعبير عن وعيه التنويري، وحاجة هذا الوعي إلى التواصل والتوضيح، وعلى المستويات كافة ثالثا، ولا أحسب أنّ هذه الحاجة مردّها دفاعيا بحتاً، أو حتى تماهيا مع نزعات استعادية لمراحل معينة من التاريخ الإسلامي، بقدر ما هو محاولة لإيجاد سياقات مكشوفة للحوار، والتواصل.
هو يدرك أنّ هذا التاريخ كان صراعيا، وأنّ السلطة أسهمت في صناعة الكثير من مظاهر الرعب فيه، مثلما أنّ النخب الثقافية التي لها علاقة بالسلطة إلى حدٍ ما كانت مسؤولة عن فشل مشروع الإصلاح الذي حدث في نهاية القرن التاسع عشر، إذ ظل هذا المشروع بعيدا عن المجتمع، ومحصورا في إطار جماعات نخبوية معينة، الذي اصطدم في ما بعد بالتيارات المحافظة نفسها في السلطة أو في المجامع الدينية وحتى في الجامعات، كما حدث مع الشيخ محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي ومع طه حسين والشيخ علي عبد الرازق.
هذه القطيعة التاريخية وضعته أمام تصوّر لما ينبغي القيام به، فهو يجدّ في مسؤوليته الثقافية الأكاديمية والعلمية دافعا لأنسنة المشروع الإصلاحي/ التنويري، وتوسيع مديات درسه التعليمي للجمهور، فضلا عن اقتراح عتبات ثقافية للحوار مع الآخر، والدفع باتجاه تحفيز هذا الآخر لمعرفة الكثير من الملتبس والغامض في التاريخ، وفي الإبانة عن منجزات فكرية فلسفية ومعرفية لعبت دورا مهما وفاعلا في التواصل، وفي إعلاء مكانة العقل في مواجهة التطرف والكراهية، وحتى ما يسمى بـ(عصر الانحطاط) لم يكن في الجوهر سوى عصرٍ سياسي، انهارت فيه قيم العقل مقابل صعود المهيمنات السياقية التي فرضت خطابها وإكراهها على الآخرين، التي تسعى اليوم لتكرار خطابها (السلطوي) عبر الإيهام بإنتاج صورة شائهة لـ(دولة) متخيّلة تستعيد أنموذج الإسلام الحنبلي القائم على ظاهرية النص، وعلى فقهيات الجماعة الحاكمة.
وفاة مالك شبل خسارة كبيرة لـ(جماعة الإسلامويين الجدد) إن جازت التسمية، لأنها ستُفقدهم صوتا شجاعا، حاول إعادة الاعتبار للاجتهاد في الأفكار وفي القراءات، ولإنضاج مقترحات حاولت العمل – أيضا- على مشروع التنوير والإصلاح من منطلق الحاجة لـ(إعادة تأويل القرآن والحديث والفقه والتشريع) وضمن سياق أنسنة هذه الحاجة بمواجهة الرعب الذي بدأ يثيره الأصوليون بنزعاتهم الجهادية والتكفيرية، التي باتت تهدد الأمن المجتمعي في أوروبا وأمريكا، وتهدد منظومة الحياة في العديد من المجتمعات الشرقية التي تعيش رعب المركزيات الأصولية، والخوف من هشاشة التنوع والتعدد الأثني والطائفي.
٭ ناقد عراقي
علي حسن الفواز