باكرا كل يوم يخرج عامل حر يعمل في مقاولته الخاصة من منزل أسرته، مودعا زوجته وأبناءه أو من بيت عائلته أمه وأبيه وأخوته. أحيانا يفطر وأخرى يَعِد نفسه بوجبة الغداء أو العشاء في أحسن الأحوال أو يتغيب عنها جميعا لأنه يحلم بالعودة إلى عشيرته، هو سماك أو خباز أو تاجر أو سائق أو معلم أو نادل أو حداد أو…أو… فهي كثيرة.
باكرا تخرج أمي فاتيحة أو أمي حفيظة أو أمي…فالأسماء كثيرة ولكن مهنهن الشريفة قليلة ، يغصن في عمق السوق الشعبية المتنافسة، وحلمها أن ترجع برزق أبنائها وما يكف عنها ولو مؤقتا مطالب العيش الصعبة التي لا تنتهي.
يخرج العامل «محسن فكري» الذي هو كناية عن ملايين من عمال الشعب إلى عمله الذي اختاره بإرادته بعدما عجزت طاقة الدولة عن توظيف شهادته أو منطقته التي تصارع النسيان وتسخر لأبنائها مصدرا لا تبخل به على الجميع هو البحر مصدر الرزق.
تخرج إحدى الأمهات أمي… إلـى السوق الشعبية «المارشي» يوميا كان أم أسـبوعيا، تحـمل قُفتها لا تبغي الشراء بل تبحـث عن مكان أمام دكان يدفع الضريبة لبلدية الإقليم أو لخزينة الدولة ورغم ذلك يسمح لهم بالبيع في قبول لمبـدأ التـرزق على الـله وليـس المنافسـة الذي غالبـا ما يجعـل الكثـير من أصحـاب «الـحوانيت» تكتـري أو تدفع للسـلطات المحلية كي تطارد كل الباعة المتجولين، ولأني حضرت مرات لمثل تلك التدخلات التي يأمر فيها قائد المقاطعة رجال الأمن صنف «مخازنية» القوات المساعدة بكل قوة تقضي على بضاعتهم ومصدر عيشهم الوحيد. أو غالبا ما تفضل «أمي…» البحث عن مكان إلى جانب أخواتها لتنشر بضاعتها التي أعدتها داخل منزلها نصف الليل الأخير فهن أكثر مواظبة على صلاة الصبح.
العامل «محسن فكري» الذي نسي شواهده وآمن بتنمية منطقته وطبق الجهوية الموسعة فعلا وليس قولا، بل أكثر من مسؤولي الدولة أو نظرياتها في الجهوية الموسعة، فانخرط بقلبه ورأس ماله الذي جمع بنشاطه أو بحثه من أجل نفسه ولأجل والديه وأسرته التي يعيل، يشتري بضاعة من ميناء أو مرسى المدينة ثم يعرضها على إدارة الدولة الرابضة في سوق «مارشي» السمك كي تعطي أذنها وموافقة مندوبها وطبيبها، ثم يمر بعد ذلك إلى السوق الشعبية أو إلى مناطق بعيدة عن البحر منسية بين كهوف الجبال الوعرة أو نائية لا ترى الأسماك إلا في قنوات «ناشيونال جيوكرافي» كي يبيعها وينمي رأس ماله وأرباحه، فهو يعمل وربما مرت سنوات على الطريقة نفسها التي يمر منها كل عامل في ميدان السمك أو كل الميادين التي فيها رقابة، فالدولة شريك المواطن وجابية الضرائب من الجميع. لكن المواطن ينزعج كثيرا عندما يقرأ تقريرا لمنظمات دولية عن استشراء الفساد الإداري في المغرب.
الدولة بترسانتها البشرية من مسؤولين «قواد، باشوات، عمال، قضاة، وكلاء نيابة أو(ملك هنا في المغرب) خاصة الذين يعملون في الميدان القائد والباشا، محاطين بقوات أمن، ساهرين على نظام المنطقة أو القرية وأسواقها وتجارتها ومواردها الاقتصادية والبشرية، فالدولة جهاز حاضر على كل رقعة ترابية مطبقة للأمن وساهرة على راحة المواطنين. فلا صوت يعلو فوق صوتها.
بينما المواطن أو ابن الشعب يخرج ليتنفس في رئته كل تلك الأقانيم السابقة، عليه أن يحترمها حرفيا، وأن لا يتطاول على عصيانها. طبعا عرف تاريخ المغرب عادات ورثها كل أبناء المدينة القادمين من الأرياف وهي أن المخزن «دار كبيرة» أي من يأكل في طبقها فهو في مأمن ومن تطاول على أحد أشيائها تقطع يده أو يدفن في أسوار المدينة العريضة جدا، كما تروي بعد حكايات القواد القدماء الذين كانوا يدفنون المعارضين أو المتمردين السائبين على سلطة المخزن بين جدرانها.
إلا أننا اليوم في عهد دولة جديدة وعريقة. دولة المخزن والمؤسسات فكل العادات القديمة ستجدها تتكرر بشكل معاصر فإذا كان لك قريب في البيروقراطية أو المؤسسة المعاصرة فستحاكمه بمنطق القبيلة والدم، كما أنه سيترشح للبرلمان من دواره أو قبيلته التي هي أيضا مازالت تبحث عن أصولها إلا أن المال والثروة هما الحاسم في هذا الأمر خاصة بعد عام ألفين.
الدولة تواصل تحكمها وتطبق دستورها وقوانينها الضريبية والاقتصادية وتحكمها من أجل الشعب أو المواطن، ولكن لا تمس بموظفيها بل تحمي حتى أصغرهم.
مثلا القائد «أصغر مرتبة من رئيس الدائرة ومن عامل الإقليم فهو يتحكم في نفوذ إداري محدود إلا أن له الامتيازات البيروقراطية نفسها التي قد لا يتمتع بها شخص له شهادته نفسها في قطاع آخر للدولة فحتى داخل الدولة هناك تفاوت تم تصويره شبه عار في غرفة نوم مواطن بدعوى الابتزاز، بينما أكد المواطن أنه نتيجة تحرشه الدائم بزوجته وحينها نصب له الكمين، وطبقت الدولة عدالتها بسجن المواطنين وتبرئة خادمها.
أو الآخر الذي تسبب طرده «أمي فتيحة» من سوقها الشعبية ورفست قوات الأمن بضاعتها، لتحرق نفسها حتى الموت رفضا لذلك التدخل وعلى «حُكْرتها» لأنها امرأة تكافح من أجل قُوتها.
وإذا كانت حالات «الحُكرة» وهي مصطلح شعبي يمكن أن تطابق «الاحتقار باللغة الفصحى» أخذت دلالتها السوسيولوجية تتماهي مع احتقار المواطن أو ابن الشعب في عيشه وعمله وأجرته وبضاعته وسكنه وحقوقه الإدارية، فإجراء بسيط قصد أخذ أوراق شخصية قد تكلفه السب والشتم والمحسوبية وضرورة تقديم رشوة أو «قهوة» كي يقضي غرضه، أي يحصل على ما يريد. وفي السياسة خاصة الاحتجاجات الشعبية، ضدا على سياسات الحكومة في إصلاح التقاعد الذي أفلسوا صندوقه أو صندوق المقاصة أو غلاء «العدس» أو ارتفاع فاتورة الكهرباء والماء الصالح للشرب بعد إفلاس صندوقيهما، أو رفع الضريبة على السكن الاقتصادي أو أي موضوع قد يمس بالقدرة الشرائية للمواطن بينما رجال الدولة وكل مسـؤوليها لا يمسـهم ولا يضـرهم أي سـوء من ذلك.
لقد ظهر هذا المصطلح أو المفهوم الشعبي بكل قوة في ميدان التحليل الأكاديمي، وما جعله يتقوى ويتخذ سلطانا وقوة رمزية، (دليلها أنه يخوف أي مسؤول حكومي، لأنه سيجمع آلاف من الشعب في حشد هادر، وهذا ما لا تريده وزارة الداخلية الساهرة على الأمن الداخلي للدولة) هو الجريمة النكراء في «طحن» الشهيد «محسن فكري» فبينما تنتفض كل المدن خاصة شمال البلاد، وهنا قوة المكون القبلي واللغوي الذي يتحكم في الخطاطة السوسيولوجية للمغرب في احتجاجات حضارية، مدعمة بقوة رهيبة في مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت كل دولة تضع لها حسابات أحيانا يمكن متابعة أي متحرر من خلالها خاصة بعد الثورة المصرية أو كما حدث للمدون السعودي ولبعض الناشطين المغاربة. وقد خرجت مقابلها دعوات رسمية وشعارات في الصحافة و«الفيسبوك» تدعو إلى عدم «إيقاظ الفتنة»؟
وهذا مصطلح أيضا خرج لينافس ثورة الاحتجاج ضد «الحكرة» التي تعرض لها مواطن، هذه المرة من مؤسسة أو إدارة لم يمر على خطاب ملك البلاد شهر واحد على التنديد بعدم خدمتها للمواطن، حتى حدث العكس في ملابسات قضية السماك الضـحية. فلو خرج الشعب قبل ذلك ضد غلاء العدس أو ضد الضرائب أو تدهور التعليم أو الصحة سيقولون فتنة، ولعن الله من أيقظها. وهنا صراع بين مصطلح شعبي «الحكرة» ضد مصطلح ديني استعمل في حرب مقدسة قديمة «الفتنة» فأيهما سيمضي قدما في نيل احـترام وعي الشـعب.
كاتب من المغرب