هوس الانتخابات الأمريكية وتداعيات فوز ترامب

لم أكن أنوي الكتابة عن فوز ترامب في الانتخابات الامريكية، حيث أحاول ان انأى بنفسي عن هوس الانتخابات الامريكية ونتائجها، فالكل يعلم أن أمريكا دولة مؤسسات لها استراتيجيات تكاد تكون ثابتة في التعاطي مع المصالح الأمريكية، سواء أكان الجالس في المكتب البيضاوي من الحزب الجمهوري أو منافسه الديمقراطي.
الكل بات يعرف أن تعاطي الجمهوريين يتسم بنشاط ملحوظ في الشأن الخارجي يقابله نكوص على مستوى الشأن الداخلي الامريكي، بينما يركز خصومهم الديمقراطيون على الشأن الداخلي بهمومه المتمثلة بالصحة والتعليم ورفاه المواطن، مع تراجع واضح في الشأن الخارجي، اذن لماذا اكتب في هذا الشأن؟ ربما لان وقع انتخاب شخصية اشكالية مثل ترامب له سمة كارثية مختلفة تكسر مألوف الانتخابات الامريكية، ولأن تداعيات الحدث ستكون بالتأكيد خطيرة على المنطقة التي نعيش فيها .
السمة الاولى لفوز ترامب، هو التشاؤم الذي اصطبغت به المواقف، فالرجل صاحب تصريحات نارية، يشوبها الكثير من العنصرية تجاه المختلف بدءا بالاسلام والمسلمين، ومرورا بالجاليات اللاتينية التي تعيش في أمريكا ووصولا الى الشركاء الاوروبيين الذين ربطتهم علاقات إستراتيجية بالولايات المتحدة عمرها يقارب القرن، والان اصبحنا ازاء ابتهالات الجميع وتمنياتهم بأن يكون ترامب الرئيس مختلفا عن ترامب المرشح.
المتشائمون يشبهون فوز ترامب بسقوط جدار برلين، كما اشار الى ذلك الفيلسوف الامريكي فرانسيس فوكوياما في مقال نشرته صحيفة «الفايننشال تايمز» قبل ايام حيث يقول «تشكل الهزيمة الانتخابية المذهلة التي ألحقها دونالد ترامب بمنافسته هيلاري كلينتون نقطة تحول مفصلية، ليس فقط بالنسبة للسياسة الأمريكية بل وللنظام العالمي بأسره». وحذر من خطورة الانزلاق نحو عالم من القوميات المتنافسة والغاضبة، و»إذا ما حدث ذلك فإننا بصدد لحظة تاريخية حاسمة مثل لحظة سقوط جدار برلين في عام 1989».
بينما يشير البروفيسور جوزيف ناي مساعد وزير الدفاع الامريكي للشؤون الأمنية الدولية في حكومة بيل كلينتون، الذي اشتهر بابتكاره مصطلحي القوة الناعمة والقوة الذكية، في مقال له بعنوان «دونالد ترامب وتحديات السياسة الخارجية» الى ما يلي «سوف تزاحم قضايا مهمة عديدة أجندة ترامب في السياسة الخارجية، ولكن القليل من القضايا الرئيسية من المرجح أن تهيمن على الساحة، على وجه التحديد، علاقات القوة مع الصين وروسيا والاضطرابات في الشرق الأوسط. لتبقى المؤسسة العسكرية الأمريكية القوية ضرورية، ولكنها ليست كافية لمعالجة القضايا الثلاث، ولا شك أن الحفاظ على التوازن العسكري في أوروبا وشرق آسيا من المصادر المهمة للنفوذ الأمريكي، ولكن ترامب محق عندما يقول إن محاولة السيطرة على السياسة الداخلية للشعوب القومية في الشرق الأوسط وصفة أكيدة للفشل».
أما فيما يخص توقعات العلاقة الامريكية – الاوروبية فقد كتب فيرهوفشتات – رئيس وزراء بلجيكا السابق – في مقال صحافي «كانت أوروبا أكثر سعادة من أن تعمل على تسهيل الحياة لنفسها، فعلى مدار القرن الماضي، تمسكت العلاقات عبر الأطلسي بديناميكية ضارة غير معلنة، بموجبها كانت أوروبا تستسلم لسباتها بشكل أكبر كلما أصبحت الولايات المتحدة أكثر نشاطا. فعندما يتدخل الأمريكيون في الخارج ــ كما فعلوا في العراق ــ تستجيب أوروبا بمحاضرات استعراضية متعالية حول «التمدد الإمبراطوري المفرط»، وعندما تتقاعس أمريكا عن التدخل، أو تتدخل متأخرة أو بطريقة غير فعّالة ــ كما هي الحال في سوريا وليبيا ــ يطالب الأوروبيون بالمزيد من الزعامة الأمريكية»، ليصل هوفشتات بمرارة في نهاية مقاله الى الخلاصة التالية «ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يصبح قادرا بشكل مستقل على ضمان أمنه، وأي شيء أقل من هذا لن يكون كافيا لتأمين أراضيه، الواقع أنه قرار صعب ولكنه بالغ الأهمية، وقد أرجأ الاتحاد الأوروبي اتخاذه لفترة طويلة للغاية. والآن بعد انتخاب ترامب، لم يعد يملك ترف الانتظار».
أما موقف ترامب من منطقة الشرق الاوسط، أو على الاقل المعلن منه فيمكن تلخيصه بالآتي، موقف متشدد من تيارات الاسلام السياسي، دون تمحيص او تفريق بين تيارات راديكالية او معتدلة، كما انه يفضل شراكات مع زعامات قوية حتى ان كانت ذات مشاكل فيما يتعلق بملفات حقوق الانسان والديمقراطية، مثال ذلك موقفه من الرئيس السيسي الذي اعتبره نموذجا جيدا للقيادة في الشرق الاوسط، كما انه يرحب بتصنيف حركات وتيارات اسلامية ضمن قائمة الارهاب مثل حركة الاخوان المسلمين وحركة حماس وحزب الله وغيرها من الحركات ذات النفوذ الاقليمي، كما انه يبدو متشددا تجاه الملف النووي الايراني. ويرى عدد من المراقبين ان هذا الأمر سيشهد تعثرا ملحوظا ابان حكم الرئيس الجديد، مقارنة بالنجاحات التي حققتها إيران مع إدارة الرئيس اوباما، كما ان علاقات الولايات المتحدة مع الشركاء الخليجيين ستشهد توترا نتيجة مطالبة ترامب دول مجلس التعاون الخليجي بدفع فواتير هذا التعاون للحصول على (الحماية والدعم الامريكي)، ومن المتوقع ان تشهد العلاقات الامريكية الاسرائيلية تحسنا مشوبا ببعض التوتر، نتيجة توجه إدارة ترامب لحل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي على أساس حل الدولتين مقابل الضغط باتجاه قمع حركة حماس ومحاولة اخراجها من المعادلة الجديدة.
اما في الملف السوري، فإن موقف ترامب مثير للكثير من التكهن والجدل، فتصريحاته المتقربة من موقف الرئيس الروسي بوتين تشير دون لبس الى ان بقاء الرئيس الاسد في المرحلة المقبلة لم يعد نقطة خلافا بين الروس والامريكان، كما ان اطلاق يد روسيا في ضرب حركات المعارضة السورية بات امرا محسوما قد تقابله المطالبة بتحجيم دور ايران وحزب الله في الساحة السورية. كل ذلك يمكن ان نستشفه من التعرف على ادارة ترامب المقترحة، فهي ادارة صقور بامتياز، فقد أشارت تحليلات المتابعين للأمر إلى ان نائب الرئيس (مايك بنس) من اعتى الصقور في الادارة المقبلة، فقد دعم حرب العراق ورفض اي موعد لسحب القوات الامريكية من العراق، كما دعم زيادة القوات الامريكية عام 2007، ورفض اغلاق معتقل غوانتانامو، وطالب بمحاكمة من فيه في محاكم عسكرية، كما دعم الاطاحة بالقذافي في ليبيا، وهو مناصر لاسرائيل ودعا الى منحها الفرصة لضرب البرنامج النووي الايراني، كما دعم اسرائيل في استخدام القوة لفرض الحصار على غزة. اما اهم المرشحين لمنصب وزير الخارجية فهما نيوت غينغريتش وجون بولتون. الأول كما هو معروف مرر قانون تحرير العراق عام 1998 في الكونغرس وله اراء قوية فيما يخص المسلمين في امريكا، فقد دعا الى طرد كل مسلم يؤمن بالشريعة من امريكا. كما دعا الى تجريم اي شخص يتصفح مواقع الجماعات الارهابية على الانترنت، كما يعرف باحتقاره للعديد من المنظمات الدولية، كالامم المتحدة وحتى حلف الناتو، حيث وصف الاولى بالفاسدة والثاني بان اعضاءه لا يدفعون حصصهم العادلة. أما بولتون فهو معروف بمساندته لحرب العراق، ويعد من مهندسيها كما يعد من اهم منتقدي الامم المتحدة. فاذا ما تم تعين غينغريتش او بولتون في هذا المنصب المهم فهذا يعني ان ترامب سيفعل ما يريده مع او بدون الامم المتحدة، وهذا الامر سيشكل انقلابا شاملا على كل فلسفة ادارة اوباما الخارجية.
اما المرشحان لشغل منصب وزير الدفاع فهما السناتور جف سيشينز ومستشار الامن القومي الاسبق ستيفن هادلي، سيشينز ساند حرب العراق ويعد من الداعمين للخيار النووي الامريكي، بالاضافة إلى مساندته لزيادة تعويضات قتلى الجيش الامريكي، اما ستيفن هادلي الذي عمل مستشارا للأمن القومي في ادارة الرئيس بوش الابن، وكان له دور مهم في زيادة القوات الامريكية عام 2007، والذي دعى عام 2013 الى ضرب سوريا بعد اتهام النظام السوري باستخدام الاسلحة الكيماوية في الغوطة. مع هذه الادارة كيف سيكون شكل مستقبل المنطقة والعالم؟ هذا هو السؤال المرعب الذي يحاول الجميع عدم الاجابة عليه.
كاتب عراقي

هوس الانتخابات الأمريكية وتداعيات فوز ترامب

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية