من يتأمل رواية «آخر القلاع» لرائدة الطويل (فلسطين/ الأردن) وهي روايةٌ قصيرةٌ مكثفة (143صفحة) (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2016) يدهشه ما تبديه الكاتبة من اقتدار على جعل المونولوج الداخلي يتمدد هبوطا، وصعودا، من بدء الحكاية إلى نهايتها، كاشفا عن علاقة الآني بما مضى، ملقيا الضوء في الوقت ذاته على شبكة من الحوافز التي تدفع دفعا بالمتواليات السردية نحو اللحظة الأخيرة. فعندما تداولَ أهل المخيم، فزعين، أخبار سعد حداد، والمجرمين الانعزاليين الذين تبعوه، بإغارتهم الليلية على المخيم، كان ذلك حافزا منطقيا لتداعيات حملتنا فيها الكاتبة عبر مونولوج يسبرُ وعي شاتيلا (الطفلة) وسليم الذي أفاق من غيبوبته في مشفى غزة، صائحا بها «أبي وأمي وَيْنُنْ « ويأتيه الجواب «أبوك قوصوه، وأمك ما ماتت».
فالمونولوج ينفرج في هذا الموقف باتساع، مستوعبا الجلبة داخل المشفى، أما هاجس السفر إلى فرنسا فقد راود سليم ليكون بذلك حافزا للدفع بمزيد من الوقائع. فقد غادر إلى تولوز، وهذا سبب منطقي لتيار من التداعيات، والأحداث، التي سبقت سفره، وتلته. ومغادرة أم سليم المنزل، والعودة إلى بيتها في الجبل ـ عاليه حافزٌ آخر لمزيد من الحنين المفعم بالذكريات، والتوق لعودة سليم من سفره: حنين للمخيم، لبيت أبي إسماعيل، لجمعة بشر المهبول، وحركاته التي تثير الضحك. أما الورم الخبيث الذي اكتشف في رأس أم سليم (آمال) فهو حافز آخر يطرح للمرة الأولى فكرة السفر إلى باريس للعلاج من السرطان. بيد أنها ترفض السفر، مثلما مرّ، وتأتي وفاة آمال بنتيجة أخرى، وهي اضطرارُ الفتاة لترك عاليه والعودة مجددا إلى المخيم، باقتراح من سليم، إلى آخر قلعة، إلى شجرة الياسمين مرة أخرى، لتتجه بوصلة الحنين ثانية إلى تولوز.
من هذه الحوافز المتكررة، المتلاحقة، يُلاحظ الدارس أن الرواية نُسجت خيوطها بدراية، وخبرة، وحرفيَّة مُحكمة، يكاد القارئ لا يصدق أن هذه الرواية هي الرواية الثانية لرائدة الطويل. فلا بد أن تكون ثمة محاولات سبقتها ناجحة، أو متعثرة، فاكتسبت من هاتيك التجارب القدرة على الاستمرار في منولوج واحد من بداية الحكاية حتى النهاية التي تتمثل في العودة إلى نقطة البداية: شجرة الياسمين قلعة (شاتيلا) الأخيرة، معتمدة في الوقت ذاته على تكرار ضمير المخاطب، وهي طريقة في السرد الروائي قلما ينجحُ في اعتمادها الكتاب.
أما العواملُ المحركة لهذه الأحداث، فهي الشخوص، صحيحٌ أن الشخصيات في الرواية قليلة العدد، لكنها- في مطلق الأحوال- شخصيات فاعلة في اتجاه، وغير فاعلة في اتجاهٍ آخر. فخلدون، ومحمود، ابنا إسماعيل، وإسماعيل نفسه، ونور الدين، وزوجة إسماعيل، والخادمة الأفريقية الأصل، وجمعة بشر، والخالة إحسان، وأبو مروان صاحب العينين الحسودتين، لا تعني الكثير بالنسبة للوقائع، فالمعوَّل في دينامية السرد على آمال و(أبو إسماعيل) الذي لا يمل العمل في ورشة الميكانيك، ولا يفتأ يوسع ببيته بصفائح الزينكو والخشب والطوب كاتبا على باب الكراج بخط عريض «عائدون». فهو الذي فتح الطريق أمام شاتيلا ذات الـ 17 ربيعا للسفر إلى تولوز، وتدريس خلدون ومحمود العربية، لتكتسب بدورها معرفة بالفرنسية. ومما يلفت النظر تركيز الكاتبة اللافت على الصفات المميزة لشخصية أبي إسماعيل. فعلى الرغم من العناء الذي يتعرض له بسبب مهنته (الميكانيك) دائم الرضا، لا يشكو، ولا يتبرم. «يوسع بيته شيئا فشيئا بصفائح الزينكو، وقطع الخشب، البالية، والطوب.. قوي الإرادة دائم الابتسام، وهو يعطي ظهره للبحر، والمنفى، والفرنكات». وتعجب الساردة كيف لشخص كهذا أن يحتفظ بحرارة الحنين للوطن فلسطين، وكأنه غادره توا. لقد كتب على باب كراجه كلمة عائدون كما مر، كأنها البوصلة التي توجه أحلامه، وآماله، بالتحرر من المنفى. لم يعارض سفر ابنه إسماعيل لدراسة الطب في فرنسا، بيد أنّ قلقا ظل يساوره من أن يؤدي نجاح إسماعيل في دراسته وعمله هناك، لنسيان الوطن فلسطين. أكثر من ذلك يقلقه ألا يتكلم حفيداه العربية، وألا يعرفا شيئا عن وطنهما فلسطين». ما القوة التي تجعل أبا إسماعيل يتمسك بفتات وطنه ويخبئه داخله، حتى امتزج باللحم والدم؟ وكيف راح يربوا أولاد إسماعيل بلا هوية، وبلا عروبة؟ ولاد إسماعيل ما بعرفوا شي عن فلسطين..».
وبكلمة موجزة، ترسمُ رائدة الطويل شخصية أبي إسماعيل بأناة، وبعبارات قصيرة، لكنها تترك لدى القارئ الكثير من الإيحاءات التي تلقي الضوء على عالم هذا النموذج الإنساني. وهذا دأبُها في سائر شخصيات الرواية. فبلمساتٍ سريعة تقدم لنا شخصية نور الدين، وجوزفين، ونستانسيا، زوجة إسماعيل، فهي شخصياتٌ لا تحتاج لأكثر من هاتيك اللمسات، كونها شخصيات مساندة لإسماعيل، ولا وظائف لها تتعلق ببؤرة الرواية، أما الذي يحتل فيها موقع التبئير فهو سليم. سليم الذي يتمتع بحضور دائم في ذهن الساردة، وبغياب دائم على المستوى الواقعي الفعلي. فمن خلال المنولوج الداخلي المتشكل في هيئة خطاب تتفوه به راوية لمن تُروى له دائمُ المثول والحضور، على الرغم من أنه في تولوز، وهي في شاتيلا. واللحظات القليلة التي التقيا فيها هي أكثر اللحظات التي كانا فيها مفترقيْن، في البعد كانا متقاربين وفي القرب أصبحا متباعدين، بل على طرفي نقيض، هي تحاول استعادته مثلما تستعيد الريح غيمة شاردة، وهو يحاول – بصورة ما- أن يسوغ لها الاستعلاء على الماضي، ماضي المخيم، وشجرة الياسمين، وجدران البيت المليئة بالشقوق، والخربشات على الحيطان.
وهكذا يكون الانشطار في شخصية سليم إيذانا بالانشطار الذي تعانيه شاتيلا، بين مكانين، أو بين حالين، التشبث بالماضي الذي كان، والنجاة من حاضر تعِسٍ كانت ترجو ألا يكون.
صراع الأمكنة
شيءٌ آخر ينبغي ألا يفوت القارئ، وهو موقف الكاتبة من المكان، ذلك أن إحدى قواعد اللعبة الروائية في آخر القلاع، إذا تجاوزنا العنوان، هي صراع الأمكنة. ففي المخيم (شاتيلا) صراع يحتدم مع الأرجاء المحيطة به من بيروت إلى تولوز.
فثمة عالمان: أحدهما صورة دقيقة للجوء، والحزن، والنفي، والآخر عكس هذا. وثمة أيضا طرف ثالث يدخل في معركة الأمكنة، وهو الجبل ـ عاليه – بما فيه من طبيعة جميلة أخاذة، ولكنه يبدو لشاتيلا أقل سحرا من ذلك المخيم. فالحياة لا معنى لها في المكان بعيدا عن علاقاتنا بمن عرفناهم، ووجدنا فيهم الألفة، والمحبة، والاستقرار. فما الذي تعنيه جماليات البحر، والشجر، والحجر، للإنسان، إذا كان الذين فيه يزدرونه، وينظرون إليه شزْرا. ما الذي يعنيه سحر الأمكنة من شوارع، وحدائق، ومتنزهات في تولوز، إذا كان من نتوق له، ونتشوف، يبادلنا المحبة بالطعنات؟ فبمعادلة بسيطة جدا كل هذه الأمكنة – على ما فيها من جمالياتٍ، وما تحتويه المشاهد الوصفية لها من دلالاتٍ – لا تساوي شيئا، إذا قيست بشجرة الياسمين، في المنزل المتداعي في المخيم، تلك التي تجد فيها بطلة الرواية ما يشعرها بالألفة، والاستقرار، والأمان، ولو أن هذا الأمان أضْحى بالنسبة لها أحد المستحيلات.
صفوة القول إنَّ رواية «آخر القلاع» على قِصَرها، وكثافة السرد فيها، وقلة عدد الشخوص، تقول ما لا تقوله روايات أخرى. وتثير في النفس الكثير من الأصداء عن حوادث وقعت قبل نيف وثلاثين عاما، إنْ لم يكن أكثر، وكأن البطلة قد خرجت من غبارها للتو. وترسم بقلمها الرشيق، وأسلوبها البسيط، وحواراتها التي تختلط بها لغيَّاتٌ، ولهجات عدة، من عامية لبنانية، لفلسطينية، لعربية فصيحة، وفرنسية مرارا، مصائر شخصياتٍ تتفاعلُ، وتتنازع، في فضاءٍ مأزوم، وبذلك تكتسب الرواية الديناميكية السردية التي تضمن لها الحدَّ الأقصى من السلاسة، والتشويق.
ناقد وأكاديمي من الأردن
إبراهيم خليل