بيروت – عمر بقبوق : على مدار السنوات الخمس الأخيرة انشغلت المؤسسات الثقافية في الشرق الأوسط والعالم بقضية اللاجئين السوريين، وأولت اهتماماً كبيراً للمشاريع والممارسات الثقافية والفنية التي استهدفت النازحين السوريين، وروجت لأفكار مثالية، مثل الاعتقاد الذي ساد مؤخراً، عن أهمية وقيمة الفنون في فترات الأزمات، وأهمية التعاون بين الفنانين ومنظمات المجتمعات المدنية والتكاتف معاً لتفعيل دور الفن، المتمثل في الارتقاء بالشعوب. وأُنفقت على هذه المشاريع ملايين الدولارات، واستطاعت المؤسسات الممولة، من خلال توجيهها للتمويلات، أن ترسم شكل العروض الفنية السورية في المهجر، فأغلب المشاريع الفنية السورية، هي مشاريع يشرف فيها الفنانون السوريون على مجموعة من اللاجئين السوريين الهواة، بالتعاون مع مدراء ثقافيين أو فنانين من الدول المضيفة.
إن هذا الشكل الفني الذي بات سائداً، والذي لا يختلف كثيراً عن العروض الهامشية للهواة، التي كانت موجودة في سوريا قبل الحرب، ولم تكن المراكز الفنية السورية تعترف بها، أسس بدوره لظاهرة اجتماعية لدى السوريين في لبنان، وهي التمييز الطبقي بين السوريين الموجودين في لبنان، مما أدى لتصنيف السوريين بفئتين: الفئة الأولى تضم اللاجئين السوريين الذين يعيشون في المخيمات التي استحدثت من أجلهم، أو في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، أو في مناطق أخرى مهمشة. والفئة الثانية، هي فئة السوريين غير اللاجئين، وهم غالباً من المثقفين العاملين في منظمات المجتمع المدني أو من الفنانين السوريين، الذين يعيشون في الحمرا أو الأشرفية، ولا يزورون مخيمات اللجوء إلا عندما يعملون على مشروع تنموي أو ثقافي، يتقاضون أجراً عليه.
ويتعامل أبناء الفئة الثانية مع اللاجئين السوريين وأطفالهم كضحايا للحرب، التي تسببت بهجرتهم معاً، وكضحايا للبيئة المتخلفة التي يعيشون فيها، ويستثمرون ظروف اللجوء والنزوح ليعلنوا رفضهم لبعض القيم والعادات التي كانت سائدة لدى المجتمع السوري سابقاً، وليس للقيم التي تولدت بسبب الحرب وحسب، ويحاولون من خلال المشاريع التي يعملون فيها مع الأطفال أو النساء، أن يفرضوا أفكارهم التقدمية على أبناء وزوجات السوريين الجهلة، الذين يرفضونهم أصلاً، ويحافظون على التوازن في العلاقة، من خلال رفض من يسمونهم المستفيدين دون الإساءة لهم، فتغدو الفجوة بينهم وبين اللاجئين السوريين أمر تفرضه المعايير المهنية في العمل.
إن رفض الفنانين السوريين الموجودين في لبنان لوسمهم بكلمة «لاجئ»، أمر طبيعي جداً ومشروع، فهم أصلاً لا يعيشون على المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة، والتسجيل لدى الأمم المتحدة توقف منذ أكثر من سنة ونصف، وحتى المسجلين سابقاً، لا تسهل لهم الدولة اللبنانية معاملات الإقامة، ولا تعاملهم أي معاملة خاصة، وهم ملزمون بدفع المال مقابل تسوية أوضاعهم، ولا تبدي وسائل الإعلام الرسمية أي ترحيب باللاجئين السوريين. ولكن إن كان يحق للفنان رفض كلمة نعته بكلمة لاجئ، فإنه بالمقابل لا يحق له أن ينعت السوريين الآخرين بهذه السمة. إلا أن الفنان السوري يجد نفسه مجبراً على تمييز نفسه عن باقي السوريين عندما يصوغ مشروعه الفني – التنموي الجديد، لأنه يعلم بأن الحصول على المال والاستمرار بالعمل ضمن اختصاصه الفني لن يكون مضموناً، إلا إذا قرر أن يركب الموجة السائدة. وفي بعض الأحيان يحاول الفنان الاستفادة من ضخ رؤوس الأموال المتوجه نحو هذا الشكل الجديد من المشاريع، ويحاول أيضاً أن يفيد من يسميهم اللاجئين السوريين، من خلال إعطائهم الآلية التي تنتج بها المشاريع الثقافية، لينتجوا أعمالهم الخاصة بهم فيما بعد، إلا أنه على مدار السنين الخمسة، لم تظهر أية أسماء جديدة، ولم يتمكن أي من المستفيدين في مشاريع تدريب الممثلين أو الموسيقيين من الحصول على تمويل لمشروعه الخاص، ويبدو أن ذلك لن يتحقق في المستقبل القريب.