حتى أنتِ يا «ساندرا» الفلسطينية؟

حجم الخط
17

أحب مطالعة صفحة نجدها في بعض الصحف العربية تنقل لنا ترجمة من العبرية لبعض ما تنشره الصحف والمواقع الالكترونية الإسرائيلية، وذلك انطلاقاً من مبدأ «إعرف عدوك».
وفي صحيفة «الشروق» البيروتية (29/10/2016) طالعت ترجمة من العبرية لحوار مع فلسطينية مناصرة لإسرائيل واعترف أنني ـ أنا التي لم تعد خيانة في العالم تدهشها لكثرة ما رأتْ وسمعت ـ شعرت بدهشة حزينة لما طالعته.

الخيانة من الوريد إلى الوريد

ورد في الحوار تقديم لساندرا سولومون الفلسطينية يدّعي أنها ابنة أخت أحد مؤسسي المقاومة الفلسطينية المقرب من عرفات ذات يوم، (وذكروا اسمه، ولن أفعل فقد يكون إلصاق اسمه بتلك البنت كاذباً)، واسمها الحالي مستعار اختارته و»تعيش اليوم في كندا وتقاتل من أجل إسرائيل وعلى ظهرها وشم لاسم إسرائيل كما تحمل على ذراعها وشماً يرمز للدين اليهودي (الشمعدان السباعي) كما النجمة السداسية»، ويضيف الخبر «ولم تكفر سولومون التي ولدت مسلمة في رام الله برواية المقاومة الفلسطينية فحسب بل وبالدين الإسلامي» وقالت في مقابلة مع القناة الإسرائيلية الثانية: «تربينا في بيت الكره لليهود وتمجيد هتلر والهولوكوست» وأضافت أن حلمها هو زيارة إسرائيل وإلقاء تحية أمام العلم الإسرائيلي».
تُراها مصابة بمرض «سيندروم ستوكهولم» حين يحب الذليل المخطوف جلاده؟

لا للاحتلال المجرم

مقابل كلام ساندرا الممعن في الخيانة، تصادف ان طالعت البارحة شهادة مؤثرة للفلسطينية مارال أمين قطينة ابنة القدس وخريجة جامعة السوربون الباريسية الشهيرة والشهادة هي عن الاضطهاد الإسرائيلي للفلسطينيين ومعاناتها، بعنوان «مَقدِسية في الحي اللاتيني» وقد وردت ضمن إطار كتاب اسمه «باريس كما يراها العرب» ولي وقفة مع هذا الكتاب في الأسبوع المقبل.
مارال التي تعيش في القدس تتحدث عن سحر باريس ومناخ الحرية فيها أيام دراستها مقارنة بمعاناتها كابنة للقدس من الاضطهاد الإسرائيلي. فقد تابعت مارال دروساً مكثفة في الفرنسية (استعداداً للدراسة في باريس) في المركز الثقافي في القدس ولم تتمكن من ذلك في رام الله إذ دمرته قذائف الدبابات الإسرائيلية وتقول «قذائف الاحتلال في فلسطين لا تفرق بين المراكز الثقافية والمقار العسكرية».

«الهولوكوست» المبرمج لإبادة الفلسطيني

وتتحدث عن معاناة الفلسطيني من خلال معاناتها حين ذهبت إلى تل أبيب لتستقل الطائرة المسافرة بها إلى باريس وتقول: «الاستجواب في مطار تل أبيب كان كريهاً والتفتيش الجسدي كاد يصيبني بالانهيار… وكنت أجيب المحقق بطريقة مختصرة لا ترضي غروره. ولشدة التفتيش والتحقيق الذي تعرضت له شعرت أنني ذاهبة إلى غوانتانامو وليس إلى باريس. كاد بركان ينفجر داخلي». وتضيف: «في باريس لا يتعرض الطلاب لتفتيش أمني صباحاً او في أي لحظة كما في الجامعة العبرية. أما في «جامعة بيرزيت» فقد كان ـ علينا ـ جميعاً الخروج في الصباح الباكر قبل حوالي ساعتين او ثلاث لأن حاجز (سردا) الإسرائيلي في الانتظار علماً ان المسافة بين رام الله وبيرزيت لا تستغرق أكثر من 30 دقيقة. وفي القدس جندي إسرائيلي في كل حاجز ونقطة تفتيش في كل زاوية».
ومن بعض مأساة القدس أنها «تتحول بعد الرابعة عصراً إلى مدينة أشباح فلا حياة في المساء، تخالها غير مسكونة مقفرة.. السير ليلاً بين أســـــــوار القـــــدس القديمة يشــبه التنقل بين ملامح لوحة انتزعت منها الروح وبقي الجسد.. مشهد يشي بحزن قاتل».
هذا كله وثيقة عن الحياة اليومية البائسة للفلسطيني في ظل الاحتلال المتوحش وهذه هي إسرائيل التي وشمت تلك الفلسطينية ساندرا على جسدها رموزها وذكرتني برواية (الوشم القرمزي) أو «وشم العار» الذي كانت تُدمغ به كل متهمة بالخطيئة كالمواشي بالحديد المحمى وتكون غالباً بريئة أما ساندرا فليست بريئة من جريمة اللامبالاة بالقهر الفلسطيني في السجون والمعتقلات كما في الجامعات أيضاً. وهي التي دمغت «وشم العار» على جلدها بنفسها.

نكره الإسرائيلي لا اليهودي

ما تقوله عن تربيتنا في البيوت المسلمة حول الحث على كراهية اليهود وحبنا لهتلر ليس صحيحاً، بل هو محاولة تبرير للخيانة الصفيقة.
وانا ايضاً تربيت مثل (الرفيقة لإسرائيل) ساندرا في بيت شامي مسلم يغلي فيه مرجل القضية الفلسطينية وذهب خالي السوري المجاهد الدكتور أمين رويحة مع «جيـــــش الإنقاذ» بقيادة فوزي القاوقجـــــي لتحرير فلسطين ولم أسمع يوماً في بيوتنا كلمة في لعن اليهودية كدين بل «أفعـــــال» بعض اليهود المنحازين إلى إسرائيل تبرعـــاً فكل قـــــرش يتبرعون به هو ثمن رصاص موجه نحو رؤوسنا.
وعلى ساندرا أن تزور فلسطين المحتلة لا كعميلة مدللة مكرمة من قبل المستعمر بل كفلسطينية لتجرب ما يقاسيه قومها وشعبها في ظل أكثر من هتلر جديد نبت في فلسطين يحاول إبادة الفلسطينيين حتى في «أفران الغاز» للحياة اليومية.

مصير (سولومون) وأمثالها!

ساندرا سولومون ليست نادرة بخيانتها كما تشتهي أن تبدو. لقد عرف التاريخ الكثير من الخونة في زمن الاحتلال وأذكر على سبيل المثال العملاء الفرنسيين الذين تعاونوا مع الاحتلال الهتلري الألماني، ومصيرهم البشع اللائق بهم حين تحررت فرنسا وهزمت النازية. يومها تمت حلاقة شعور النساء الخائنات في الشوارع والساحات مشيعات باللعنات ولقي (المتعاون) نصيبه العادل من السجن والاهانة. فالخيانة درب قد تكون مجزية مالياً وإعلامياً لكنها تقود دائماً إلى الجحيم بمعنى ما.
وتحية إلى مارال أمين قطينة التي لم تفلح جماليات باريس وسحرها في تخديرها وإبعادها عن جذورها كمقدسية حتى حين وجدت نفسها حرة في «الحي اللاتيني».

حتى أنتِ يا «ساندرا» الفلسطينية؟

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية