طواهري ميلود في «المقدس الشعبي: تمثّلات، مرجعيات، وممارسات»: الذهنية السحرية على المستويات الفردية والاجتماعية

حجم الخط
0

 

اشتغلت أكثر الكتب التي بحثت في المعتقد الشعبي على العموميات والمدونات التي يمكن من خلالها فهم العلاقة بين المقدس والمعتقد به. هذا المقدس الذي يختلف بين ديانة وأخرى، وبين طائفة وأخرى من الديانة نفسها، وبين منطقة وأخرى من ذات الطائفة، لذا فالحديث عن معتقد ما يجب البحث في الوقت نفسه عن المكان والبيئة التي يعيش فيها صاحب المعتقد، حتى يتمكن الباحث من الخروج بنتيجة دقيقة، وفهم صحيح للعلاقة بين الإنسان وذهنيته الإيمانية.
من هذا المنطلق، سعى الكاتب الدكتور طواهري ميلود للبحث عن فكرة (الطُلبه) بمعانيها المختلفة، ففي كل بلد له تسمية ما، منها في المغرب (الطلبه)، وفي العراق (السحَّار أو الكشَّاف) وغير هذه التسميات في مصر وسوريا ولبنان وفلسطين.
وفي كتابه «المقدّس الشعبي.. تمثّلات، مرجعيات، وممارسات» يقدّم ميلود قراءة في التصور والاستعمال الشعبيين للمقدس من خلال شخصية «الطالب» بغية توضيح الترابط الموجود بين الالتجاء إلى خدمات هذا الشخص والتمثل الشعبي للمقدس، والمبتغى من ذلك هو تسليط الضوء على جوانب ظل يحوم حولها الغموض، أي فهم هذه الظواهر وتفسير سلوكيات أناس باعتبارها آثاراً منحرفة متولدة عن ظاهرة أخرى (وهي ظاهرة الأولياء والمرابطين).
ينقسم هذا الكتاب إلى خمسة فصول، حاول ميلود بعد التقديم عرض ما ذكره ابن خلدون في مقدمته، إبراز ما يبدو جديداً في تناول هذا الموضوع. ومن ثمَّ رتب فصول الكتاب الخمسة بحسب مضامينها، إذ خصص الفصول الأول والثاني والثالث لتبيان العناصر المكوّنة لنسق التمثلات السحرية نظراً لأهمية عنصري الزمان والمكان في نجاح العمليات، فتطرق في الأول (الوقت كعنصر من الذهنية السحرية)، الذي قسّمه إلى ثلاثة مباحث: المفهوم العام للوقت في المعتقد الشعبي، الميزات السحرية للوحدات الزمنية، والممارسات السحرية خلال أيام الأسبوع. إلى تمثّل الزمن لكونه عنصراً أساسياً من عناصر الذهنية السحرية. وفي الثاني (تمثّل الفضاء والجن في المعتقد الشعبي) الذي قسّمه إلى مبحثين: الفضاءات المقدسة في المنظور الشعبي، والجن في المعتقد الشعبي. تحدّث عن تمثّل الفضاء فربطه بفكرة الجن. وإن كانت الأضرحة المتعلقة بالأولياء تعتبر فضاءً مقدساً يمكن إدراجه في الفصل الثاني، إلا أن ميلود تناول الظاهرة في فصل خاص حتّى يبين كيف أن الممارسات الصوفية، وبالخصوص الزوايا ولّدت فكرة الأولياء، وأفرزت بدورها ظاهرة الطالب، فأفرد لها الفصل الثالث (الأولياء والمرابطين في المعتقدات الشعبية) إذ قسّمه إلى: الأولياء، والمرابطين أو أولياء العامة. أما الفصل الرابع، (المهانة وقراءة الطالع) فكان من مبحثين أيضاً: كهانة الطلبة أو كهانة النخبة، والكهانة الشعبية: الشوافة والكزانة. إذ تضمن قراءة في الطالع أو الكهانة، أي كل ما يتعلق باستشراف المستقبل. ولما كان «الطالب» متواجداً على شكل خيط أفقي في جميع عناصر الكتاب، ارتأى ميلود أن يخصه بالفصل الخامس (الطلبة: الوظيفة الاجتماعية) منقسماً إلى أربعة مباحث: تكوين الطلبة، الترتيبات المتّبعة في تحفيظ القرآن عن الطلبه المسافرين، النسق العلاجي في المداواة عند الطالب الساحر، ودور الطالب في النسق العائلي. فتناول فيه تكوينه ثمَّ وظائفه المختلفة، كمداوٍ ثمَّ كمتدخل في تسيير العملية الجنسية التي تأطرها العائلة حيث يشكّل في النزاع لوحة خلفية.
ويؤكد ميلود أن المعتقدات المتصلة بالطُلبة تتسم بخصائص تميزها عن سائر أنواع المعتقدات الشعبية الأخرى، فهي من جهة أصعب في التناول وأشق في الدراسة لأنها مستنبطة، ليست موضوع تلقين واسع، لكنها تتشكل بصعوبة على خلال اللهجة المنطوقة والمكتوبة مثلاً، ولكنها تتطلب وجود مجتمع يتفق على رموزها. كما أن اللباس الشعبي وأدوات الزينة عناصر ثقافية تستمد قيمتها من إظهارها للناس، لا بد للعادات الشعبية من أن تمارس فتبرز بالضرورة إلى الملأ، وهي مع تمكنها في أعماق النفس الإنسانية ليست حكراً على منطقة دون أخرى، أو على فئة دون أخرى.
ومن ثمَّ، فإنَّ ظاهرة الطالب تدخل في إطار الممارسات السحرية الدينية المنتشرة بصورة ملفتة للانتباه، في كل الربوع، كما أنها تشكل موضوع أحاديث، ومزارات، وأشكال طقوسية خاصة، فهي لا تمارس بمفردها وإنما تندرج في أفكار وممارسات أخرى تشكل ما يمكننا أن نسميه نسقاً دينياً سحرياً يجب كشف عناصره.
ويرى ميلود، أنه من الوجهة النظرية، لا يعترف النظام الاجتماعي بـ»الطالب»، ولكن الواقع يُظهر ازدواجية في الموقف حيال هذا الشخص، أي أنه في الواقع يعترف له (على الأقل عن طريق قصص يغلب عليها الطابع الأسطوري) بقدرات متعددة، بل وخارقة، تكاد تماثل المعجزة أو الكرامات التي أقرها الفكر الصوفي، إنه اعتراف بسلطان: قدرة التأثير على الأفراد والأشياء والأحداث، وتأمين الأشخاص، والعائلة، والمحاصيل الزراعية وغيرها، من تلك الاعتداءات المحتملة. فإذا سلمنا بأن «الطالب» يمثل عنصر نسق، ينبغي إذن تحديد مكونات هذا النسق أو الوسط الذي يعطيه المصداقية الضرورية في تدخلاته والمتشكل من مجموعة تمثّلات بمرجعيات يشاركه فيها زباؤنه.
ومختصر القول- حسب ميلود- فإن «الطالب» يشكل نسقاً، وبالتالي ينبغي لنا أن نجد تفسيراً لذلك ليس في النسق نفسه وحسب، ولكن أيضاً في العلاقة التي يقيمها مع محيطه، ومن ثمَّ نقول إنه نشاط مؤسس في قيمته على اعتقاد باطني غير مشروع، عن سلوك معيّن، من ورائه مبررات حسنة. فالأسئلة كثيرة وما ذلك إلا دليل تشعب وتعقيد في المسألة لأنها تمس جوانب متعددة.
وبالتالي فإذا تعرضنا للغاية من هذا النسق، أي تلك الحاجة التي يلبيها على مستوى الفرد أو المجتمع، يمكن اعتبار «الطالب» واسطة تؤدي وظيفة اجتماعية معينة، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهل هو إذن نتاج اجتماعي يعبّر عنه بصفة مغايرة، وعلى هذا الأساس هل يمكننا الوصول إلى البيئة العميقة التي يعبّر عنها؟
وفي سعي ميلود للإجابة عن هذا التساؤل، يبيّن أن «الطالب» شخصية تتعدد أوجهها، معقدّة وغامضة، عالمة وشعبية، خاصة وعامة، تاريخية وخرافية في آن واحد، والحكايات التي تحدث عن خوارقه كثيرة، تروى بحماسة وخوف كبير تجعل منه الشخص الوحيد الذي يستطيع الوقوف بين عالم المقدس الذي تغمره الكائنات الروحانية، وعالم الواقع الاجتماعي.
من هذه المنطلقات يمكننا اعتبار «الطالب» مؤسسة أساسية لفهم النظرة الشعبية للمقدس، فمن جهة ينبغي توضيح مدى ارتباطه بالعالم السحري من خلال الذهنية التي تؤسس للسحر ومن جهة أخرى مدى ارتباطه بالمرجعية الدينية إذا سلمنا بأن المقدس هو ما ارتبط بالدين من خلال نصوصه وطقوسه.
ويخلص ميلود في خاتمة كتابه، إلى أن الطالب يشكل عنصراً في الممارسات السحرية، الدينية والعلاجية المنتشرة بصورة ملفتة للانتباه. وهو بذلك موضوع أحاديث، ومزارات، وأشكال طقوسية خاصة. يدخل وجود هذه الظاهرة في مركب واسع يحتاج فيه إلى عناصر أخرى تضفي عليه المصداقية، إنها مع ممارسات أخرى تشكل ما أسماه نسقاً دينياً سحرياً.
وفي حديث ميلود عن النسق، ما يعني الحاجة التي يلبيها على مستوى الفرد أو المجتمع، اعتبر «الطالب» مؤسسة أساسية لتفهّم النظرة الشعبية للمقدّس، فوضح مدى ارتباطه بالعالم السحري من خلال الذهنية التي تؤسس للسحر ومن جهة أخرى مدى ارتباطه بالمرجعية الدينية إذا سلمنا بأن المقدّس هو ما ارتبط بالدين من خلال نصوصه وطقوسه.
حاول ميلود في دراسة الظاهرة الثقافية هذه الربط بين بنية تفكيرية وبنية اجتماعية، فوجود «الطالب» مستمد من معتقدات جلها سحري، والبعض منها ديني، فسلطته ليست بهبة طبيعية، بل إن المجتمع هو الذي يخوّلها له ليكون صمّام الأمان لفئة تجد صعوبات في التلاؤم مع التنظيم الاجتماعي والمعايير التي يفرضها. فـ»الطالب» كمرآة عاكسة لذهنية سحرية لا يفسر وجوده إلا في علاقته مع التنظيم الاجتماعي للعملية الجنسية عبر مؤسسة العائلة والتي في نهاية المطاف ما هي إلا تسييراً للجسد على المستوى الفردي وإنتاجه على المستوى الاجتماعي.

الدكتور طواهري ميلود: «المقدَّس الشعبي: تمثّلات، مرجعيات، وممارسات»
دار الروافد الثقافية، بيروت 2016
300 صفحة.

طواهري ميلود في «المقدس الشعبي: تمثّلات، مرجعيات، وممارسات»: الذهنية السحرية على المستويات الفردية والاجتماعية

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية