نماذج الهزال البشري

حجم الخط
5

 

فقاقيع الأدب
من نكد العربية والأدب العربي في هذه البلاد أن نَكَبهما الزمان ببعض المتطفلين المغرورين، وجدوا الميدان خالياً لا حسيب ولا رقيب، واتسعت لهم أعمدة الصحف تشجيعاً لهم، فغرّهم هذا التشجيع وظنوها عروس الأدب وقد اعتلوها، فتنكبوا عن جادة الأدب الصحيح، وانحرفوا عن صراطه المبين، وعكروا منهله الصافي. حيث ذهبوا يفلّون قمامات الصحف والمجلات، يلتقطون منها بعض التعاريف الشاذة، والرطانات النابية، يتشدقون بها في مجالسهم ثم يقحمونها في مقالات يشوهون بها صحائف الأدب الناصعة، وينكبون بها القراء، ويأخذ القارئ البسيط يقرأ ويعيد، وهو لا يفهم شيئاً، فيتّهم فهمه، ويتهم ذوقه وهو لا يدري أن هؤلاء الكتّاب أنفسهم لا يفهمون مما يكتبون شيئاً، ولا يوجد في طياتها ما يتطلب الفهم.
الأدب العربي أدب الأسلوب السلس والمعنى المتين، أدب البيان والتبيين، لا يمتّ بصلة إلى هذه الشقشقة الغامضة المخنثة التي أُغرم بها هؤلاء الفقاقيع أيما غرام. وأقدّم للقارئ أنموذجاً من هذا اللون من الأدب الملتوي. ولا تحاول أيها القارئ أن تفهم منه شيئاً، فهو فارغ لا يحتوي على مادة تُهضم أو معنى يُفهم.
قال احد فقاقيع الأدب لزميله، وقد جمعتهما ندوة ندية، وكان كل منهما يلوك لبانة أمريكية يتشدق بمضغها كتشدّقه بمضغ كلماته: ما قولك في السموّ الفني يا عزيزي؟ فأجابه عزيزه قائلاً: لا يستقيم السمو الفني في خمائله الفينانة إلا إذا كان نتيجة إيجابية مشرقة الجانب التصويري، تمتاز بروح التعمق، بعيدة عن طابع السطحية، لا سيما إذا كان الصدق العاطفي أبرز معانيه، والطابع النفسي هو مقياس الجمال في فلسفته الماورائية. أما التجلي اللامع الذي تبدو طقوسه البراقة جلية في معبد الجمال فلا تستقيم قدسيته إلا إذا اتصل طرفه بالذوق الذاتي، وإن كان هذا الأخير كلاسيكية حديثة من أبرز معاني «الرصيد الفني» الذي يُعدّ اليوم من أخصب عناصر الأدب الحديث وخصائصه الأصلية. ورفع الثاني طرف جبّته، واستوى في مقعده وقال: هذا حقّ يا عزيزي، ولكن الرومنتيكية التي تتجلى بوضوح في نفثات يعض كتّابنا، يبدو لي أن الجانب الرمزي فيها ينقصه محراب الفنّ ليتبرّز في إطار روحي، أبدعته ريشة الفنان المطبوع، هذا وحده هو جانب التعمق في البحث إذا ما أردنا أن تستقيم لنا ذاتية الهيكل، وتنسجم لنا ألوان الرسم، ويخضع لنا التعمق الفكري في معانيه البارزة حيث تشع أحلامه الذهبية في منعرجات أنغامه الموسيقية فيبدو في إشراقة الفجر، وقد تخلص من الجفاف الفكري، وتحلى بطابع السمو والمعنى الندي في أعماق التجربة الشعورية.
ـ أنا أوافقك إلى حدّ يا أستاذ، ولكن لا تنس أن الأصالة في الإشعاع الذوقي فرع من اللاشعورية القارة، وذاتية الأدب لا تقوم جوانبها إلا إذا اعتمدت على تركيز النقد، وتحكحكت بموضوعية العلم، ولو من بعيد، دون أن تخلو من أشعة الأداء النفسي.
ـ حقاً، تلك هي أسس التعمق في البحث الحديث يجب على الكتّاب ألا يهملوها إذا ما أرادوا التحليق في أجواء الإبداع الفني، وأرادوا أن يستقيم لهم التجاوب الفعال ذو الأصداء الحالمة في صفته الانطوائية الصاخبة بالحيوية العارمة المنسابة من ينابيع العبقرية الجامحة، التي لا تخضع إلا للأسلوب الحديث المتمرد عن الأوضاع البيئية، المتعلقة، دوماً، بالماهيّة الكلية.
ـ فإنّ كتّابنا يا أستاذي سطحيون، ابتعدوا كل البعد عن الأدب الوجداني الملتزم الذي تبدّد أنواره اللاهوتية تلك الظلمة الكثيفة التي تكشف الروحانية الحسية، فتفقدها الحرارة الأثيرية المستمدة من قبس الإبداع الفني الرائع.
ـ نعم، نعم… أنا لا أشك في أن هذا ـ وحده ـ هو الطرف الإيجابي في السمو الفني، وما عداه فكله سطحي لا يستند إلى التعمق المرتكز، ولا يرتكز على السمو العميق.
وبعد فهذا أنموذج من أدب «السونيق» الحديث وقد راجت سوقه بين أدباء المظهر في في الشرق قبل سنوات، ولكن الشرق تخلص منه بعض الشيء، بعد الضربات القاسية التي وجهها له الزيات وحسين شفيق المصري وغيرهما، وكنا نظن أن العربية تخلصت منه إلى الأبد، وإذا بنا نرى بوادره في أدبنا وقد بدت في صور أكثر انحلالاً وأشدّ غموضاً، ولكننا له بالمرصاد، وسنقضي على بذوره قبل استفحالها، لا نقبل في شمالنا الأفريقي إلا أدباً عربياً مبيناً، أخذ من الماضي متانته، ومن الحاضر سلاسته، أدباً شعبياً مفيداً. وليذهب الرصيد الفني والشعورية القارّة وفقاقيع الأدب إلى الجحيم.

الشخصيات المرتجلة

جاء في معجم اللغة: ارتجل الطعام أي: طبخه في المرجل، وارتجل الكلام أي: ألقاه دون روية أو تحضير. أما الشخصية المرتجلة في معجم الحقيقة المرة، فقد جمعت بين المعنيين لهذه الكلمة: الطبخ، وعدم الإعداد والتحضير. وإذا أمعنت النظر، ودققت الفهم في الطبخ والارتجال، يتضح لك، بجلاء، أنهما متقاربان في المعنى، حتى أننا نجد كثيراً من الكتّاب يطلقون كلمة (الطبخ) على معنى الارتجال، فيقولون: طبخ فلان كتابه، أي ألّفه بسرعة دون عناء في التدقيق أو مشقة في البحث. وذلك هو الارتجال بأتمّ معناه. أما الشخصية المرتجلة، فهي تلك الشخصية التي تُطبخ على عجل في مرجل الأنانية وحبّ الذات، فلم ينضج منها إلا ظاهرها، ثم تُغمس في سائل كيمياوي عجيب رُكّب من الدجل والغرور والشهوات الجائعة، فهو يشبه العسل في مظهره، ولكنه يخالفه في مخبره. وبعد هذا الطبخ السريع، والطلاء الزائف، تنزل هذه الشخصيات المرتجلة على المجتمع كجنود المظلات دون سابق إنذار، لتفرض نفسها ضريبة ثقيلة على الأمّة، تحبّ الرئاسة وتريد القيادة، وتهيم بالزعامة، ولكن ليس لديها من المؤهلات سوى ذلك الطلاء الزائف الذي لا يوجد تحته سوى مطامع دنيئة ودعوى خاوية.
وتغدو هذه الشخصيات المرتجلة تتبختر في مظاهرها الزاهية ومخابرها القاتمة، وهي تصرخ بوقاحة في وجه الامّة: سلّميني زمام القيادة! رقّيني إلى منبر الزعامة! أجلسيني على عرش العظمة!
والأمم ـ وإنْ اختلفت في درجات الثقافة والجهل، وتفاوتت في مقدار الرقي والانحطاط ـ لم تختلف أبداً في فهم الزعيم الحقّ، ولم تخطئ أبداً في اختيار القائد الصالح. فهي كلها تحسن اختيار القائد، وتصيب في تزعيم الزعيم، وتدرك إلى من تنقاد وتطيع، وذلك عائد إلى حواسّ فطرية وإدراك طبيعي، وهو عنصر المناعة ضد الانحلال والانحدار، خلقه الله في جسم الأمة، لا دخل للعلم والاكتساب فيه.
يظلم بعض الناس هذه الشخصيات، فيقولون عنها: «إنها مصابة بداء العظمة». وكما أنني ذكرت هنا ما على هذه الشخصيات، يجمل بي أن اذكر ما لها، فأعترف أنها مظلومة في هذه الوصمة كل الظلم. فإن داء العظمة، هو ذلك الداء الخطير الذي أصيب به المتنبي شاعر العربية وفيلسوفها، وأصيب به قرينه فولتير شاعر الفرنسية وفيلسوفها، وأصيب به كثيرون غيرهما في مختلف العصور والبيئات، فجميعهم يختلفون كل الاختلاف عن هذه الشخصيات المرتجلة، والبون بينهما بعيد، والفارق شاسع كبير؛ فهما يجتمعان في حبّ العظمة، ولكن دافعه عند أولئك طموح سام، وعلم غزير، وبيان قوي، ونفس عزيزة، وشجاعة جبارة، وتضحية غالية، ويعززها عند هؤلاء غرور سافل، وجهل مركّب، ووعي قبيح، ونفس وضيعة، ومطمع دنيء.
هذه الإمعات من الشخصيات المرتجلة التي لا يُعرف لها ماضٍ ولا حاضر، ولا حتى المراجل التي طُبخت فيها، فتنبت بسرعة كالفقاقيع، وتأتي تنفخ أوداجها وهي تحاول التسلق بمنابر الزعامة الخطيرة، والتشبث بقمم العظمة، حتى إذا ما حاولت الأمة إبعادها في رفق ولين صرخوا في وجهها، وذهبوا يشتمونها ويصمونها بالجهل والانحطاط لأنها لم تنخدع لهم ولدجلهم.
وهناك تغضب الأمة غضبتها، فتلقي بهم في الدرك السافل، فتنطفئ هذه الشخصيات بسرعة، وهي مرتجَلة في كلتا الحالتين، وتُطوى، هذه الشخصيات وصحائفها إلى الأبد، مكللة بالخزي والعار، إكليل كل امرئ لا يعرف قدر نفسه.
الأديب الشهيد
استحق الأديب الجزائري أحمد رضا حوحو (1910ـ1956) صفتَين رفيعتين: أنه كان رائداً في الأدب المكتوب باللغة العربية خلال عقود الاستعمار الفرنسي والغربة الثقافية والأدبية عن لغة الضاد؛ وأنه، ثانياً، كان أحد أبرز شهداء معارك استقلال الجزائر في صفوف الكتّاب والأدباء، لأنه قضى إعداماً على يد سلطات الاحتلال الفرنسية، ولم يُعثر على جثته إلا بعد الاستقلال، مدفوناً في حفرة جماعية.
وإذْ يشفّ نصّه، المنشور هنا، عن نبرة سخرية عالية، وحسّ فكاهة لاذعة، فإنّ الجوهري قبل هذا هو جسارته في الانتقاد وتبيان مواطن الخلل، وكذلك انحيازه الصريح للأدب العربي، وحملات الهجوم ـ التي شنها بلا هوادة، في الواقع ـ ضدّ ظواهر تشويه ذلك الأدب وابتذاله.
درس حوحو في المدينة المنورة، وتخرج من كلية الشريعة هناك، سنة 1934، فعمل سكرتيراً لتحرير مجلة «المنهل» هناك، ثمّ انتقل إلى مكّة، وعاد إلى قسنطينة وبلده الجزائر في عام 1946 بعد وفاة والديه. أسس جريدة «الشعلة»، وعكف على الترجمة من الفرنسية إلى العربية، وتوالت أعماله القصصية الرائدة: «ابن الوادي»، «الأديب الأخير»، «مع حمار الحكيم»، و»غادة أمّ القرى». كما نُشرت له أعمال أخرى بعد وفاته، في أطوار الاستقلال.

نماذج الهزال البشري

أحمد رضا حوحو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية