الجزائر: رحلة بوتفليقة العلاجية تعيد إحياء الجدل حول موضوع الخلافة

حجم الخط
14

الجزائر-»القدس العربي»: أعادت رحلة العلاج التي قام بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى فرنسا خلال الأيام الماضية إحياء الجدل حول موضوع الخلافة، رغم أن تحسن صحة الرئيس بوتفليقة قبل تلك الرحلة بأيام كان قد أغلق هذا الملف، مؤقتا، لكن سفره الذي دام أكثر من أسبوع أعاد فتح ملف الخلافة مجددا، بل أضيفت له توابل حول ترتيبات جديدة داخل نظام الحكم.
في كل مرة يغيب فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن البلاد لدواع صحية، يعاد فتح ملف الخلافة، ويبدأ الحديث في الكواليس عن ترتيبات داخل السلطة، تحسبا لأحداث وتطورات مقبلة، وهذه المرة تزامنت زيارة الرئيس مع مجموعة من الأحداث، ولعل أهمها استقالة عمار سعداني أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني (الأغلبية) في ظروف غامضة ولأسباب تبقى مجهولة، حتى وإن كان هو قال إنه استقال لأسباب صحية، لكن لا أحد صدق تلك المبررات، فالجميع يدرك أن جهة ما أجبرت زعيم الأغلبية على الاستقالة، وهو حاول التمسك بمنصبه، ولم يشأ أن يستقيل قبل أن يوجه مجموعة رسائل، وأبرزها طلب تزكية من أعضاء اللجنة المركزية، سائلا إياهم إن كان أحدا بين أعضائها سحب الثقة منه، فأجاب الجميع سلبا، ليعلن بعدها استقالته وتمسكه بها، رغم احتجاجات وصراخ بعض الأعضاء وانخراط البعض في نحيب من لم يفهم ما كان يجري داخل تلك القاعة التي استضافت اجتماع اللجنة المركزية.
كما أنه في الوقت الذي كان الرئيس بوتفليقة يعالج في فرنسا، وفي مصحة «ألمبير» في مدينة غرونوبل الفرنسية، صدر مرسوم رئاسي وقعه قبل سفره إلى فرنسا، ويتعلق بتعيين بلقاسم زغماتي كنائب عام على مستوى المحكمة العليا، وزغماتي كان قد شغل لسنوات طويلة منصب نائب عام على مستوى مجلس قضاء الجزائر العاصمة، وقد ارتبط اسمه بقضية الفساد في شركة سوناطراك، خاصة بعد أن أعلن في صيف 2013 عن إصدار مذكرة توقيف ضد الوزير السابق للطاقة شكيب خليل وزوجته ونجليه، في مفاجأة اهتزت لها الجزائر، خاصة وأنها سابقة في تاريخ البلاد، وهي مذكرة صدرت في الوقت الذي كان فيه الرئيس بوتفليقة يعالج في فرنسا من آثار الجلطة الدماغية التي تعرض لها في نيسان/أبريل من السنة نفسها، ولما عاد بعد تلك الرحلة التي دامت أكثر من 80 يوما، شرع في تغييرات واسعة، مست بالدرجة الأولى جهاز الاستخبارات، وهي حملة شملت إقالات وتحويل مهام، وتغيير في هيكلة الجهاز، وقد ربط المراقبون بين هذه التغييرات ومشروع ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية رابعة، وبين صراع قيل أنه اندلع بينه وبين الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق القائد السابق لجهاز الاستخبارات، بدعوى أنه كان رافضا لترشح الرئيس بوتفليقة لولاية رابعة بسبب أوضاعه الصحية، وإذا صحت هذه الفرضية، فإن إقالة الفريق توفيق في أيلول/سبتمبر 2015 كانت من نتائج هذا الصراع، خاصة وأن توفيق تعرض إلى حملة انتقاد وشتم وحمل كل مآسي البلاد، من طرف سياسيين مثل عمار سعداني الذي نعته بكل الأوصاف، واتهمه اتهامات خطيرة، فضلا عن الصحافة المحسوبة على السلطة التي أطلقت العنان لحملة ضد «الميجر» الذي كان في السابق مجرد ذكر اسمه ولو للثناء عليه يؤدي بصاحبه وراء الشمس.
وبالعودة إلى مذكرة التوقيف الدولية التي صدرت في حق شكيب خليل وزوجته ونجليه، فإن المذكرة لم تطبق أبدا، بسبب خطأ في الإجراءات، لأن مذكرة مثل هذه كان من المفروض أن تصدر عن المحكمة العليا، ومن المستبعد جدا أن يكون زغماتي يجهل ذلك، ولكن شيئا حدث جعله يسارع في الإعلان عن تلك المذكرة، والذي حدث بعد ذلك أن الملف أغلق نهائيا، فلم تصلح الأخطاء التي تضمنتها المذكرة الأولى، بل بعد فترة قصيرة أقيل وزير العدل محمد شرفي، والذي قال صراحة إن عمار سعداني اتصل به وطلب منه سحب اسم شكيب خليل من الملف، إذا كان يريد الاحتفاظ بمنصبه، مشيرا إلى أنه أغلق هاتفه، ليسمع بعدها بأيام في نشرة التلفزيون الحكومي خبر إقالته، وبعده جاء الدور على بلقاسم زغماتي الذي أقيل أيضا من منصبه، وقد ربط محللون ووسائل إعلام مقربة من السلطة بين إقالته وبين طريقة معالجة ملف الفساد في شركة سوناطراك، وبين إصدار مذكرة التوقيف الدولية ضد شكيب خليل وأفراد من أسرته، مع الإشارة إلى أن العملية كلها تمت بأمر من الفريق مدين، الذي كان وراء تحقيقات الفساد في سوناطراك وفي قطاعات أخرى، والتي تسربت تفاصيلها إلى الصحافة، خاصة مع تعلق بتورط وزراء محسوبين على الرئيس فيها.
عودة زغماتي من الباب الكبير تزامنت أيضا مع حديث عن عودة مرتقبة لرجال الفريق محمد مدين إلى مواقع متعددة، وبالتالي عودته هو شخصيا، إذ ترددت أنباء عن لقاء بين توفيق وبين الرئيس بوتفليقة قبل سفرة فرنسا الأخيرة، وآخر بينه وبين السعيد بوتفليقة الشقيق الأصغر للرئيس بوتفليقة ومستشاره والرجل الأقوى في السلطة منذ مرض الرئيس.
الحديث عن عودة توفيق تفتح الباب للتساؤل عن طبيعة العلاقة بينه والرئيس بوتفليقة ومحيطه، فالجميع يعلم أن «الميجر» هو من كان وراء استقدام بوتفليقة سنة 1999، لما استقال الرئيس اليامين زورال مفضلا ترك الجمل بما حمل لجنرالات المؤسسة العسكرية، بعد أن طلبوا منه التخلص من مستشاره الجنرال محمد بتشين الذي كبر وأصبح الحاكم الفعلي، كما أن توفيق هو من دعم بوتفليقة لولاية ثانية لما انقلب عليه جنرالات الجيش أمثال الراحلين الفريق اسماعيل العماري قائد أركان الجيش السابق، واللواء فضيل شريف قائد الناحية العسكرية الأولى، كما أنه لم يعترض على الولاية الثالثة، التي تمت بعد تعديل الدستور لإلغاء المادة التي تحدد عدد الولايات الرئاسية باثنتين، كما أن معارضته للولاية الرابعة، مجرد كلام نسب إليه، وتم استنتاجه من مجموعة أحداث، مثل تقليم أظافر جهاز الاستخبارات، والهجوم المتكرر لعمار سعداني على الجنرال توفيق، ووصولا إلى إقالة هذا الأخير وإحالته على التقاعد في ظروف غامضة أيضا، لكن مقربين من قائد جهاز الاستخبارات السابق يؤكدون أن عوامل خارجية تدخلت في الكثير من المحطات السابقة، لكن هناك من يؤمن أن ما تم تداوله عن صراع بين توفيق وبوتفليقة أمر مفتعل، وأن الهدف كان تلميع وتبييض صورة الميجر تمهيدا لعودته في ثياب مدنية، خاصة وأنه حتى لو عاد الفريق مدين فلن يكون كقائد لجهاز الاستخبارات، بل لتولي منصب سياسي، كل هذا في وقت يسود الغموض المشهد السياسي في البلاد.

 

الجزائر: رحلة بوتفليقة العلاجية تعيد إحياء الجدل حول موضوع الخلافة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية