إسطنبول ـ «القدس العربي»: رغم عدم التوصل بعد لصيغة نهائية لنص الدستور التركي الجديد الذي يتضمن تحويل نظام الحكم في البلاد من «برلماني» إلى «رئاسي»، إلا أن الكثير من ملامح هذا النظام بدأت تتكشف تدريجياً لا سيما مع التقدم في المفاوضات المتواصلة بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية المعارض الذي سيدعم على الأغلب الصيغة المتفق عليها بعد الأخذ بملاحظاته.
وفي أول خطوة فعلية على طريق «النظام الجديد»، قدم حزب العدالة والتنمية صيغته النهائية لحزب الحركة القومية من أجل التوافق عليها قبل تقديمها للبرلمان التركي، بجانب تشكيل لجنة مشتركة من الحزبين لمناقشة الملاحظات التي يقدمها الحزب القومي الذي أعطى إشارات كبيرة على نيته دعم المقترح في صيغته النهائية، وسط معارضة شديدة من حزبي الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة، والشعوب الديمقراطي الكردي.
أبرز ما كُشف عنه حتى الآن هو أن النظام الرئاسي الجديد لن يحتوي على منصب رئيس الوزراء، حيث قال وزير المياه والغابات التركي فيصل اروغلو: «لا يتضمن النظام الجديد منصب رئيس الوزراء»، لافتاً إلى أنه يتضمن تعيين عدد من النواب للريس وأن «الوزراء سيعينون بمعزل عن البرلمان وسيقوم النظام على الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية».
وبينما أكد الوزير على أن الانتماء لحزب سياسي سيكون شرطا أساسيا للرئيس المقبل، أشار أردوغان إلى أن «قطع صلة رئيس الجمهورية عن الحزب السياسي الذي ينتمي إليه يؤدي إلى ضعف النشاط السياسي والهيكل الفعّال في البلاد». مضيفاً: «لكن مواصلة الطريق بشكل مشترك من شأنه أن يعزز قوة الرئيس ذاته والحزب الذي ينتمي إليه ويساعد على اتخاذ خطوات قوية وسط إصرار وتضامن أكبر»، على حد تعبيره.
مزيد من التفاصيل كشفها الصحافي التركي محرم ساري كايا، الذي أوضح في مقال له في صحيفة «خبر تورك» أن المسودة تم إعدادها من قبل مستشاري أردوغان وبحضور مباشر ودوري من قبل رئيس الوزراء بن علي يلدرم، حيث استغرقت عملية إعداد المسودة ثلاثة أسابيع، لافتاً إلى أن العدالة والتنمية حرص على إبقاء بعض المواد حفاظًا على حساسية حزب الحركة القومية حيالها.
وأوضح الكاتب بناءاً على مصادره أن المسودة ألغت منصب رئيس الوزراء بالكامل ووضعت مكانه منصب نائب الرئيس، وزادت صلاحيات رئيس الجمهورية، بينما سيتبع الوزراء بشكل مباشر لرئيس الجمهورية، فيما تحظر المسودة حصول النواب حتى بعد انتهاء مدتهم الدورية على منصب وزير. وتعطي الرئيس صلاحيات الموافقة على القوانين ورفضها وعرضها على الاستفتاء الشعبي دون الرجوع إلى البرلمان، حسب كايا.
وكل ما كُشف عنه حتى الآن هي صيغ غير نهائية وغير رسمية، لكنها تعطي تصوراً واضحاً عن الهيكل العام لشكل نظام الحكم الجديد في تركيا، وكما قال أحد المقربين من الحزب الحاكم الذي رفض الكشف عن اسمه لـ»القدس العربي»: «لا توجد حتى الآن صيغة نهائية لكن الأكيد هو أن ما يريده الرئيس (أردوغان) هو ما سيحصل»، مضيفاً: «أردوغان لن يقبل بتمرير الدستور من البرلمان ويسعى لتقوية موقفه من خلال الذهاب لاستفتاء شعبي لكي يكون سلاحه في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية».
ويؤكد مراقبون أن المسودة المطروحة للنظام الرئاسي تشبه إلى حد كبير النظام المطبق في الولايات المتحدة الأمريكية، ووصفها بعض الكتاب الأتراك بـ»النسخة المعدلة من النظام الأمريكي»، متوقعين أن يتم طرح الدستور الجديد على الاستفتاء العام في نيسان/أبريل المقبل على أبعد تقدير.
وقال وزير العدل التركي بكر بوزداغ إن «اللقاءات الجارية سيتمخض عنها لقاء في الأيام القليلة المقبلة، وسيتم طرح مسودة دستور جديد على البرلمان وسيكون عام 2017 عام إصلاحات، وتغييرات تاريخية».
دولت بهتشيلي زعيم حزب الحركة القومية وعقب لقائه مع رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، كتب على تويتر: «أرى أن ما تحدث به رئيس الوزراء معنا بخصوص التعديلات الدستورية إيجابي ومعقول، وأعتقد أن لقاءنا المثمر هذا ستنجم عنه تطورات تحمل الخير للدولة وللشعب»، فيما أكد يلدريم في تصريح لاحق «بإذن الله سنقوم مع حزب الحركة القومية بإجراء تعديل دستوري والانتقال إلى النظام الرئاسي في تركيا.. حزب الحركة القومية يعمل بمسؤولية من أجل التوصل لحل المسائل الهامة في تركيا».
وفي هذا الإطار شكل الحزبان لجنة مشتركة بينهما من أجل مناقشة التعديلات والملاحظات المطروحة من الجانبين والوصول إلى مسودة نهائية متوافق عليها، يتم اعتمادها من قبل لجنة إعداد الدستور في البرلمان التركي، ومن ثم عرضها على البرلمان التركي للتصويت عليها، في أقرب وقت ممكن كما وعد يلدريم.
ويحتاج أي تعديل قانوني في الدستور إلى دعم 330 نائباً في البرلمان من أجل طرح التعديلات على الاستفتاء الشعبي العام، وثلثي أعضاء البرلمان من أجل تعديله مباشرة دون طرحه على الاستفتاء، وتُمكن المقاعد التي يشغلها نواب حزبي العدالة والتنمية (317) والحركة القومية (40 مقعداً) من الحصول على العدد الكافي من الأصوات من أجل طرح الدستور الجديد على الاستفتاء الشعبي العام.
ومن أجل تسهيل التوافق، عمل حزب العدالة والتنمية على مراعاة الحساسيات المعروفة للحركة القومية والمتعلقة بالقومية التركية وتبديد مخاوفه من احتمال تسهيل النظام الجديد حصول الأكراد على حكم فدرالي جنوب شرق البلاد، وأبقى في الدستور الجديد على عبارات «الشعب التركي»، و»المواطن التركي»، و»لغة التعليم تركية».
وبينما يتوقع مراقبون أن يتم إجراء الاستفتاء في الربيع المقبل، لم يتم الحديث عن ما إذا كان أردوغان سيواصل منصبه الرئاسي حسب النظام الجديد، أم أن البلاد سوف تتجه إلى انتخابات رئاسية مبكرة عقب موافقة الشعب على النظام الجديد.
وفي كلا الحالتين، لا يوجد على الساحة التركية أي منافس حقيقي لأردوغان الذي خرج من محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف تموز/يوليو الماضي أقوى من السابق شعبياً ورسمياً، لا سيما عقب تمكنه من إحكام سيطرته على كافة مفاصل الدولة والجيش والأمن، وبالتالي يمكن أن يمنح النظام الجديد أردوغان فترة حكم جديد قد تمتد لعشر سنوات مقبلة.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن أردوغان ما زال يتمتع بالشعبية الأكبر في تركيا على الرغم من وجود تراجع في شعبية حزب العدالة والتنمية.
إسماعيل جمال